ولادي التؤام
حكايات توتا
الصفحة 1
من 4 صفحة
الصفحة 2
بص يا ابني لو قدرت تشفي ولادي التوأم، أنا هتبناك.
الكلام خرج من بُقي على سبيل السخرية، قدام قاعة مليانة برجال أعمال وأغنيا من كل حتة في مصر.
لأني بعد ما لفّيت على أكبر وأشهر دكاترة القاهرة والإسكندرية، وصرفت ملايين على علاج ولادي، وكلهم فشلوا في إنهم يرجعوهم يمشوا تاني
مبقتش مؤمن إن فيه معجزات.
لكن لما الولد المشرد اللي كان حافي، لمس ركبة التوأم ياسين وليلى بكل هدوء
الضحك مات في القاعة.
واللي حصل بعدها كان حاجة لا الفلوس، ولا الطب، ولا كل الدكاترة المتخصصين اللي استعنت بيهم قدروا يلاقوا لها تفسير.
أنا اسمي رائد فالي، وكنت بنيت لنفسي الحياة اللي أي حد ممكن يحلم بيها من بعيد.
طائرة خاصة، فيلا ضخمة في التجمع الخامس، بوابات حديد وحراسة على مدار الساعة، وشركات ومصانع في القاهرة والإسكندرية شايلة اسمي.
كنت راجل نفوذي وكلمتي مسموعة في كل مكان تقريبًا
إلا المكان الوحيد اللي كان يهمني فعلًا.
جوه فيلتي في التجمع
كان الصمت هو الحاكم.
من يوم الحادثة، ولادي التوأم ياسين وليلى بقوا عايشين جوه جسمين مبقوش بيطيعوهم زي الأول.
دعامات تقيلة كانت بتسند رجليهم، والعكازات صوتها كان بيخبط على أرضيات الرخام، والدكاترة كل مرة كانوا بيدخلوا علينا بنفس الجمل المحفوظة.
كلام كله أمل
من غير ما حد فيهم يقدر يوعدنا بحاجة.
جناينة البيت مبقتش تسمع ضحكهم.
وأنا مبقتش أسمع صوت رجلين صغيرين بيجروا في الممرات.
حياتنا اتحولت لمستشفيات القاهرة، وجلسات علاج طبيعي، وتحاليل وأشعات، ومواعيد مع دكاترة متخصصين من كل مكان.
كل ليلة كنت بدخل أنام وأنا عارف إن مفيش فلوس في الدنيا كلها تقدر تشتري الحاجة الوحيدة اللي نفسي فيها
ولادي يرجعوا زي الأول.
مراتي مريم عمرها ما حملتني بشكل مباشر مسؤولية الحادثة.
ويمكن ده كان أكتر حاجة بتوجعني.
كل ما كانت تبص للتوأم، كنت بشوف الحزن مالي عينيها.
وكل ما كانت تبصلي أنا
كان فيه سؤال واحد ساكت واقف بينا
ليه مكنتش موجود يومها؟
لحد ما دخل نوح حياتنا.
نوح مكنش دكتور مشهور، ولا متخصص جه بعربية فارهة.
كان عنده تمن سنين.
نحيف بشكل يوجع القلب، حافي، هدومه قديمة، ومشرد
ولد بيقولوا إنه كان بينام تحت كوبري ٦ أكتوبر، ولما ميبقاش عنده حد يكلمه، كان بيقعد يكلم السما والنجوم.
أنا شوفته لأول مرة في حفلة خيرية عملتها في قاعة كبيرة في مدينة نصر.
النجف كان بيلمع فوق راس مئات الضيوف، وكاسات العصير بتلف بين الناس، ورجال الأعمال حواليا بيقدمولي عبارات مواساة محفوظة.
دخلوا ياسين وليلى القاعة، وأنا شوفت الناس وهي بتبصلهم بنفس النظرة اللي بقيت بكرهها أكتر من أي حاجة.
الشفقة.
لكن وسط كل الوجوه دي
لمحت نوح واقف جنب الحيطة.
الغريب إنه مكنش بيبص لولادي بشفقة.
كان مركز معاهم بطريقة غريبة
هادية
وكأنه بيدرسهم.
في اللحظة دي، حاجة مرة جوايا انفجرت.
بصيت له وقلت بصوت عالي قدام الكل
بص يا ابني لو قدرت تشفي التوأم بتوعي، أنا هتبناك.
ضحكات متوترة انتشرت في القاعة.
مراتي مريم بصتلي بصدمة وقالت
رائد!
عرفت في نفس اللحظة إني زودتها.
لكن غروري منعني إني أرجع في كلامي.
أما نوح
فهو ماضحكش.
ولا حتى اتوتر.
بالعكس
بعد عن الحيطة وبدأ يمشي ناحيتنا بهدوء، كأن مفيش مئات الأشخاص الأغنيا واقفين بيتفرجوا عليه.
وقف قدامنا وقال بمنتهى البساطة
ممكن أجرب؟
القاعة كلها سكتت.
أنا تقريبًا كنت هقوله لأ.
لكن كنت تعبان
وغاضب من كل حاجة في حياتي مش قادر أتحكم فيها.
فرفعت إيدي وقلت
اتفضل.
نوح ركع بين ياسين وليلى.
مطلبش يشيل الدعامات.
ومسألش عن تاريخهم المرضي.
ولا حتى قال دعاء أو عمل أي حركة استعراضية.
بس
غمض عينيه.
وبعدين حط إيد صغيرة على ركبة ياسين، وإيده التانية على ركبة ليلى.
وفجأة
حاجة اتغيرت.
أنا مشوفتش حاجة بعيني.
لكن حسيت بيها.
إحساس غريب، زي الضغط اللي بيملأ الجو قبل العاصفة بثواني.
مريم مسكت دراعي بقوة.
وقالت بصوت مرتعش
رائد
وفجأة
ياسين شهق.
قلبي وقف مكانه.
ليلى بصت لتحت ناحية رجلها.
ملامحها اتغيرت
من الحيرة
للصدمة الكاملة.
وبصوت ضعيف، همست
بابا
جريت ناحيتها.
في إيه؟!
صوابعها اتقفلت على كم قميصي.
وبصتلي بعينين مليانين دموع وهي بتقول
أنا أنا حاسة بإيده.
وقبل ما أستوعب هي بتقول إيه
رجل ياسين اتحركت جوه الدعامة.
القاعة كلها تجمدت.
محدش اتكلم.
محدش حتى عرف ياخد نفسه.
أما أنا
فوقفت قدام ابني وأنا لأول مرة من سنين مش عارف أقول حاجة.
لأن اللي حصل قدامي
كان مستحيل.
أو على الأقل
ده اللي كنت فاكره.
لحد ما نوح فتح عينيه
وبصلي مباشرة.
وقال جملة خلت الدم يهرب من وشي
أنا مش اللي هاشفي ولادك يا عمو أنا بس عرفت مين اللي منعهم من العلاج.
الفصل الأول الولد اللي عرف السر
أنا مش اللي هاشفي ولادك يا عمو أنا بس عرفت مين اللي منعهم من العلاج.
الجملة وقعت على القاعة كأن حد رمى قنبلة وسط الناس.
محدش اتحرك.
حتى الموسيقى اللي كانت شغالة في الخلفية اتسكتت، وكأن حد من العاملين فهم إن اللحظة دي مش محتاجة أي صوت تاني.
أنا فضلت باصص لنوح.
الولد الصغير اللي كان واقف قدامي حافي، هدومه قديمة، وشعره منكوش، ووشه شاحب من الجوع والتعب.
بس عينيه
عينيه مكنتش عيون طفل عنده تمن سنين.
كان فيها هدوء غريب.
هدوء واحد شاف حاجات أكبر من سنه بكتير.
قربت منه خطوة.
إنت بتقول إيه؟
نوح بص لياسين وليلى، وبعدين رجع بصلي.
أنا بقول إن رجليهم مش هي المشكلة.
حسيت إن أعصابي اتشدت.
إنت دكتور؟
هز راسه.
لأ.
دارس طب؟
لأ.
يبقى إزاي عرفت؟
نوح سكت شوية.
وبعدين قال
عشان هما مش أول اتنين أشوفهم.
القاعة بدأت تهمهم.
واحد من رجال الأعمال اللي واقف جنبي ضحك ضحكة صغيرة وقال
واضح إن الولد محتاج يتعالج هو كمان.
لفيت له بسرعة.
محدش يتكلم.
صوتي كان حاد لدرجة إن الراجل سكت فورًا.
أنا نفسي مكنتش فاهم ليه دافعت عن الولد.
يمكن عشان في اللحظة دي كان فيه شيء جوايا بيقول إن نوح مش بيكدب.
يمكن عشان ياسين كان لسه بيبص لرجلته بذهول.
وليلى كانت ماسكة إيدي وبتعيط.
بابا أنا حاسة برجلي.
نزلت على ركبتي قدامها.
حاسة بإيه بالظبط؟
قالت وهي بتحاول تحرك صوابعها
زي التنميل بس أقوى.
بصيت للدكتور سامح، طبيب العلاج الطبيعي اللي كان موجود معانا في الحفلة.
هو نفسه كان واقف مش قادر يستوعب.
قرب منها، وطلب منها تحرك صوابع رجلها.
ليلى حاولت.
الصباع الصغير اتحرك.
الدكتور شهق.
مستحيل.
قرب أكتر.
حاولي تاني.
ليلى حاولت.
المرة دي الحركة كانت أوضح.
أنا حسيت إن الأرض نفسها بتتحرك تحتي.
مسكت كتف الدكتور.
إيه اللي حصل؟
قال بصوت مهزوز
مش عارف.
إنت دكتورها من سنتين.
عارف.
يبقى عايز تفسير.
بصلي في عيني.
مفيش تفسير عندي للحظة دي.
مريم كانت واقفة ودموعها نازلة.
بصت لياسين.
ياسين حبيبي، إنت حاسس؟
ابني حرك راسه.
آه يا ماما.
وبعدين بص لنوح.
هو عمل إيه؟
نوح كان لسه واقف مكانه.
قال
ولا حاجة.
أنا قربت منه.
محدش هنا هيضحك عليك. قولي عملت إيه؟
أنا لمست المكان اللي كان مقفول.
مقفول؟
آه.
إيه اللي كان مقفول؟
نوح بص حوالين القاعة.
وبعدين قال
مش هنا.
الجملة دي خلتني أتضايق.
ليه؟
عشان في حد هنا مش عايزهم يمشوا.
اتجمدت.
مريم بصتلي.
الدكتور سامح بص حواليه.
أما الناس
فبدأت تبص لبعضها.
واحد من الحضور قال
إنت بتتهم مين؟
نوح مردش.
بس بص ناحية آخر القاعة.
أنا تابعت نظرته.
كان واقف هناك رجل في أواخر الخمسينات.
شعره أبيض، لابس بدلة رمادي غامق، وواقف بعيد عن كل الناس.
الدكتور حاتم الشناوي.
أحد أشهر أطباء الأعصاب في مصر.
والراجل اللي أنا شخصيًا كنت جايبه من لندن مخصوص علشان يشوف التوأم.
بصيت له.
هو كان باصص لنوح.
وملامحه
كانت مرعوبة.
مش مستغرب.
مرعوبة.
وقتها حسيت بقشعريرة في ضهري.
مشيت ناحيته.
دكتور حاتم.
حاول يبتسم.
رائد
الولد بص عليك.
ولد صغير.
وقال إن في حد مش عايز ولادي يمشوا.
وشه اتغير.
إنت مصدق الكلام ده؟
أنا مصدق عيني.
سكت.
قربت منه أكتر.
قول لي الحقيقة.
أي حقيقة؟
ليه وشك اتغير أول ما الولد بصلك؟
الدكتور حاتم بلع ريقه.
أنت متوتر يا رائد.
أنا متوتر من سنتين.
وبعدين أشرت لياسين وليلى.
بس لأول مرة من سنتين رجليهم اتحركت.
سكت.
في اللحظة دي، مريم صرخت
رائد!
لفيت.
لقيت ياسين بيحاول يقوم.
كان ماسك في الكرسي.
ياسين، استنى!
لكن الولد كان مصر.
حط رجليه على الأرض.
ركبته كانت بترتعش.
جسمه كله كان بيهتز.
وبعدين
وقف.
ثانيتين.
ثلاثة.
أربعة.
هو واقف.
واقف لوحده.
القاعة كلها انفجرت في شهقة واحدة.
مريم حطت إيدها على بقها.
أنا حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
ابني اللي من سنتين وأنا بشيله من السرير للكرسي
واقف.
حتى لو ثواني.
بس واقف.
وبعدين وقع.
جريت عليه ولحقته قبل ما يخبط في الأرض.
ياسين!
ضحك.
ضحك وسط دموعه.
بابا أنا وقفت.
آه يا حبيبي وقفت.
مريم نزلت على الأرض جنبنا، إحنا الاتنين.
أما ليلى
فكانت بتعيط وتضحك في نفس الوقت.
أنا كمان عايزة أقوم.
بصيت للدكتور سامح.
هو كان واقف مذهول.
ممنوع.
قالها بسرعة.
لازم نوقف التجربة فورًا.
نوح قرب.
هي تقدر.
الدكتور سامح بصله.
إنت اسكت.
نوح مردش.
بص لليلى.
قومي ببطء.
أنا مسكت إيد بنتي.
متخافيش.
حطت رجلها على الأرض.
وبعدين التانية.
مسكت إيدي بكل قوتها.
بدأت تقوم.
مرة
اتنين
وفجأة وقفت.
صرخة خرجت من مريم.
ليلى!
ليلى كانت واقفة.
لكنها ماكملتش عشر ثواني.
ركبتها خانتها.
مسكتها بسرعة.
ومرة تانية
القاعة دخلت في صمت.
نوح بص لي.
دلوقتي صدقتني؟
أنا بصيت له.
إنت مين؟
سكت.
إنت مين يا نوح؟
الولد بص في الأرض.
أنا نوح.
ده اسمك. أنا بسألك إنت مين؟
رفع عينه.
معرفش.
مين أهلك؟
معنديش.
أبوك؟
هز راسه.
معرفوش.
أمك؟
سكت.
وبعدين قال
ماتت.
إمتى؟
من زمان.
فين؟
المستشفى.
اسمها إيه؟
نوح سكت.
أنا حسيت إن الموضوع بقى أغرب من أي حاجة ممكن أتخيلها.
إنت عايش فين؟
في الشارع.
مين بيرعاك؟
محدش.
مريم قربت منه.
نزلت لمستواه.
بتنام فين يا حبيبي؟
نوح رفع كتفه.
أي حتة.
بتاكل إزاي؟
لما ألاقي.
مريم بصتلي.
كانت عينيها مليانة دموع.
أنا عارف النظرة دي.
مريم كانت بتطلب مني من غير كلام
خده.
ساعده.
لكن عقلي كان في حتة تانية.
الولد ده عرف إزاي؟
إزاي طفل في تمن سنين قدر يعمل حاجة عجز عنها عشرات الأطباء؟
والأهم
مين اللي كان يقصده لما قال
في حد مش عايزهم يمشوا؟
قربت من نوح.
تعالى معايا.
هز راسه.
فين؟
بيتي.
بصلي.
ليه؟
عشان نتكلم.
هتضربني؟
الكلمة وجعتني.
لأ.
هتطردني؟
لأ.
هتديني أكل؟
سكت لحظة.
وبعدين قلت
هتلاقي أكل وهدوم وسرير.
نوح بص لمريم.
هي ابتسمت له.
ولو عايز حمام دافي كمان.
الولد ابتسم لأول مرة.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت كفاية إنها تكسر حاجة جوايا.
بعد ساعة واحدة بس، كنت راجع الفيلا.
الحراسة كانت مستنفرة.
الخبر انتشر بسرعة.
مئات الناس كانوا في الحفلة.
أكيد حد صور.
أكيد حد نشر.
وأنا كنت عارف إن بكرة كل الجرائد والمواقع هتتكلم عن المعجزة.
لكن بالنسبة لي
مفيش معجزة.
فيه سؤال.
مين منع ولادي من العلاج؟
دخلنا الفيلا.
مريم أخذت نوح على طول ناحية الجناح الداخلي.
أما أنا فدخلت المكتب.
طلبت من مدير الأمن يجيلي.
عايز تسجيلات الحفلة كلها.
حاضر يا فندم.
من أول دخول الناس لحد ما خرجنا.
حاضر.
وأي كاميرا كانت موجهة ناحية التوأم.
تمام.
قبل ما يمشي، قلت
واستدعِ الدكتور سامح.
بعد عشر دقايق، الدكتور دخل.
قفل الباب ووقف قدامي.
أنا مش فاهم حاجة.
أنا كمان.
اللي حصل مش منطقي.
قول لي علميًا.
ممكن يكون تحفيز عصبي.
يعني؟
ضغط أو لمس نقطة معينة ممكن يعمل استجابة عصبية مؤقتة.
بس الاتنين؟
دي المشكلة.
وفي نفس اللحظة؟
آه.
وفي نفس المكان؟
آه.
سكت.
وبعدين قلت
إنت كنت متأكد إن إصابتهم نتيجة الحادث؟
رفع عينه.
طبعًا.
طب هل ممكن تكون إصابتهم اتسببت بطريقة تانية؟
رائد
جاوبني.
سكت شوية.
التقارير قالت إن الأعصاب اتأثرت بشدة.
وده معناه؟
إن فرص رجوع الحركة كانت ضعيفة.
مش مستحيلة.
لأ.
يعني كان فيه أمل؟
كان فيه أمل.
طب ليه كل الدكاترة قالوا لي إن الحالة شبه مستحيلة؟
لأنها فعلًا كانت صعبة.
أنا سألتك سؤال.
الدكتور سامح سكت.
أنا قعدت على الكرسي.
من يوم الحادثة، حد غير التقارير الطبية؟
مش فاهم.
أي تحليل. أي أشعة. أي تقرير.
لا.
متأكد؟
أيوه.
رن موبايلي.
كان رقم غريب.
رديت.
ألو؟
صوت راجل مجهول قال
لو عايز ولادك يعيشوا طبيعي، ابعد عن الولد.
قلبي اتقبض.
مين؟
الولد ده مش زي ما أنت فاكر.
إنت مين؟
اعتبرها نصيحة.
اسمك إيه؟
الخط اتقفل.
قعدت ثواني وأنا ماسك الموبايل.
الدكتور سامح بصلي.
في إيه؟
مردتش.
فتحت سجل المكالمات.
الرقم كان ظاهر.
طلبت من مدير الأمن يدخل.
عايز تعرف الرقم ده بتاع مين.
خد الموبايل.
حاضر.
وقبل ما يخرج، سمعنا صوت صرخة من الدور التاني.
صوت مريم.
رائد!
جريت.
طلعت السلم بسرعة.
لقيت باب غرفة ياسين وليلى مفتوح.
مريم كانت واقفة عند السرير.
ياسين وليلى كانوا قاعدين.
ونوح كان واقف قدامهم.
لكن اللي شد انتباهي
إن الاتنين كانوا بيحركوا رجلهم.
من غير الدعامات.
الدكتور سامح كان بيصرخ
ممنوع! لازم توقفوا!
ياسين بصلي.
بابا نوح قال لنا نتحرك.
قربت منه.
نوح، إنت شلت الدعامات ليه؟
قال
عشان هما مش محتاجينها دلوقتي.
الدكتور سامح انفجر
إنت مجنون؟!
نوح بصله.
لأ.
إنت مش فاهم خطورة اللي بتعمله.
أنا فاهم.
إنت طفل!
نوح سكت.
وبعدين قال جملة خلتني أبص للدكتور سامح
هو مش خايف عليهم.
الدكتور سامح اتوتر.
يعني إيه؟
هو خايف إنهم يمشوا.
الهواء اختفى من الغرفة.
مريم بصت للدكتور.
إنت تعرف حاجة؟
الدكتور فتح بقه.
مطلعش صوت.
أنا قربت منه.
رد.
أنا
رد!
أنا معرفش.
نوح قال بهدوء
هو كان موجود.
الدكتور بصله.
إنت بتقول إيه؟
يوم الحادث.
أنا اتجمدت.
إيه؟
نوح بصلي.
الدكتور ده كان موجود يوم الحادث.
الدكتور سامح بدأ يهز راسه.
لأ.
كان موجود.
أنا جيت المستشفى بعد الحادث.
لأ.
إنت كنت فين أصلًا؟
نوح سكت.
وبعدين قال
كنت هناك.
أنا قربت منه.
كنت فين؟
عند المستشفى.
إمتى؟
يوم ما العربية دخلت في الحاجز.
مريم شهقت.
إنت شفت الحادث؟
نوح هز راسه.
أيوه.
إنت كنت فين؟
تحت العربية اللي وقفت جنبهم.
بصيت له.
يعني إنت شفت اللي حصل؟
شفت.
قول لي.
نوح بص للدكتور سامح.
مش قدامه.
أنا حسيت إن الدم سخن في عروقي.
اطلع بره.
الدكتور سامح بصلي.
رائد
اطلع.
بس
اطلع!
خرج.
قفلت الباب.
وبعدين قعدت قدام نوح.
احكي.
نوح بص لياسين وليلى.
هما كانوا في العربية.
أيوه.
العربية خبطت.
أيوه.
بس قبل ما تخبط حد لمس العربية.
اتجمدت.
مين؟
راجل.
مين الراجل؟
معرفش.
شكله؟
نوح حط إيده على وشه.
كان لابس كاب.
عنده كام سنة؟
كبير.
طويل؟
آه.
سمين؟
لأ.
كان بيعمل إيه؟
كان واقف جنب العربية.
وبعدين؟
بعد الخبطة، جري.
فين؟
في عربية سودا.
قلبي بدأ يدق بعنف.
رقم العربية؟
نوح هز راسه.
معرفش.
أي حاجة تانية؟
سكت.
وبعدين قال
كان معاه حاجة.
إيه؟
علبة.
علبة إيه؟
صغيرة.
لونها؟
فضي.
سكت.
وبعدين؟
بعد ما جري، جه الدكتور.
أي دكتور؟
نوح بص ناحية الباب.
الدكتور سامح.
قمت مرة واحدة.
مريم مسكت دراعي.
رائد
قلت
إنت متأكد؟
نوح هز راسه.
أنا مش بنسى.
إنت شفت الدكتور سامح بعد الحادث؟
أيوه.
كان بيعمل إيه؟
كان بيتكلم مع الراجل اللي كان ماسك العلبة.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
إنت متأكد؟
أيوه.
بتعرفه؟
لأ.
طب ليه ماقولتش الكلام ده من الأول؟
نوح بصلي.
عشان كنت مستني أعرف إذا كنت إنت كمان منهم ولا لأ.
الكلمة دي وقعت عليا أقسى من أي اتهام.
منهم مين؟
نوح مردش.
مين يا نوح؟
الناس اللي عايزة ولادك يفضلوا زي ما هما.
وليه؟
الولد بص لي.
عشان اللي حصل ليهم مكنش حادث.
الليلة دي مَنمتش.
قعدت في مكتبي لحد الفجر.
قدامي كل ملفات الحادث.
كل التقارير.
كل الأشعات.
كل أسماء الدكاترة اللي شاركوا في العلاج.
وفي نص الليل، مدير الأمن دخل.
حط قدامي ورقة.
الرقم اللي اتصل بحضرتك متسجل باسم شركة.
شركة إيه؟
قال اسم شركة استيراد أدوية.
أنا أعرفها.
شركة منافسة لواحدة من أكبر شركاتي.
لكن مفيش سبب منطقي يربطهم بولادي.
قلت
تأكد.
اتأكدنا.
والرقم؟
خط مسجل باسم موظف سابق عندهم.
اسمه؟
قال الاسم.
أنا افتكرته.
كان واحد اشتغل معايا من سبع سنين.
واختفى فجأة.
قلت
جيب ملفه.
حاضر.
خرج.
بعدها بدقائق، سمعت حركة في الممر.
فتحت الباب.
لقيت نوح واقف.
إنت صاحي؟
هز راسه.
آه.
مالك؟
كنت عايز أشوفك.
ليه؟
قرب مني.
ومسك طرف قميصي.
عمو رائد
آه؟
إنت هتطردني؟
السؤال وجعني.
نزلت لمستواه.
لأ.
حتى لو مفيش علاج؟
حتى لو مفيش علاج.
حتى لو أنا مش هعرف أخليهم يمشوا؟
حتى لو.
سكت.
وبعدين سأل
يعني وعد؟
وعد.
أنت قولتلي هتتبناني.
ابتسمت لأول مرة من ساعات.
أنا قلتها بهزار.
بس أنا صدقتها.
سكت.
كنت فاكر إن الكلام هيكون سهل.
لكن وأنا ببص في عينيه، حسيت إن الوعد ده بقى أثقل من أي عقد وقعته في حياتي.
مديت إيدي.
تعالى.
قعدته جنبي.
عايز تنام؟
هز راسه.
آه.
تعالى أوضتك.
مشى جنبي.
وقبل ما ندخل، وقف.
عمو رائد.
نعم؟
متخليش حد يدي التوأم الدوا اللي في الزجاجة الزرقا.
اتجمدت.
ليه؟
عشان هو مش دوا.
بصيت له.
إنت شفت الزجاجة دي فين؟
في أوضة الدوا.
إنت دخلت هناك؟
آه.
إمتى؟
من شوية.
جريت على أوضة الدواء.
فتحت الدولاب.
لقيت كل الأدوية في مكانها.
لكن كان فيه زجاجة صغيرة زرقاء فعلًا.
مسكتها.
الاسم كان مكتوب عليها.
دواء مهدئ.
قريت تاريخ الصلاحية.
كل حاجة تبدو طبيعية.
لكن قلبي قال لي لأ.
اتصلت بطبيب صيدلي أعرفه.
عايزك تحلل لي المادة دي فورًا.
الصبح، حصلت أول صدمة.
التحليل طلع إن الزجاجة مفيهاش المادة المكتوبة على الملصق.
كان فيها مركب تاني.
مركب ممكن يسبب ضعفًا عصبيًا شديدًا لو اتاخد لفترة طويلة.
حسيت إن الدنيا دارت بيا.
مين حط الزجاجة؟
وليه؟
ومين كان بيديها للتوأم؟
جريت ناحية غرفة مريم.
لقيتها قاعدة جنب ولادنا.
مريم، محدش يديهم أي دوا غير من إيدي.
بصتلي بخوف.
في إيه؟
حكيت لها.
وشها اصفر.
رائد يعني حد كان بيأذيهم؟
مش عارف.
طب ليه؟
لسه