سيف وفرح سهر محمد

سهر محمد

عذاب وندم، وانتوا عارفين إن ليا لحم ودم مرمي بره؟
كمال الحديدي، أبوه، فك إيد سيف ببرود مستفز، وبصله بنظرة خالية من أي شفقة وقال
نزل إيدك يا سيف واتكلم معايا باحترام. أيوة، مراتك الجربوعة دي حامل من قبل ما تطردها، ولما طردتها راحت عاشت في حي شعبي وولدت حتة عيل نسخة منك، سمته ياسين. كنت عارف، وكنت حاطط عيني عليهم طول التلات سنين. كنت سايبها تربيه وتكبره عشان عارف إن هيجي اليوم اللي أحتاج أكسرك بيه لو فكرت تخرج عن طوعي.. وزي ما توقعت، اليوم ده جه.
سيف حس إن قلبه هيقف من كمية القسوة والشر اللي في عيون أبوه. بص للراجل اللي المفروض سنده وضهره، واكتشف إنه مجرد شيطان. سيف رجع خطوتين لورا وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة، ابتسامة واحد مابقاش باقي على حاجة
انت مفكر إنك كده لويت دراعي؟ قسماً بعزة جلال الله يا كمال بيه.. لو شعرة واحدة من ابني ولا من مراتي اتأذت، لأسوي بيك وبشادي الأرض، وهنسى إنك أبويا، وهدفنكم كلكم بالحيا.. واللعب من اللحظة دي بقى على المكشوف.
ساب أبوه وخرج من المكتب كأنه إعصار. ركب عربيته وساق بسرعة جنونية، كأنه بيسابق الزمن. مشاعره كانت متلخبطة بشكل يخنق؛ غضب، حزن، قهر، وشوق جارف لحتة منه عمره ما شافها. تلات سنين.. ضاع منه أول صرخة، أول خطوة، أول كلمة بابا كان المفروض يسمعها. دموعه نزلت على خده لأول مرة من سنين وهو بيضرب دركسيون العربية بغل آآآآه يا قهرتي عليكي يا فرح.. سامحيني.. سامحيني!
وصل القصر بتاعه، نزل من العربية وطلع على السلم جري، فتح باب الجناح بالمفتاح ودخل.
فرح كانت قاعدة على الأرض في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها وبتبكي بانهيار. أول ما شافته دخل وشكله مرعب وعينيه حمرا زي الدم، اتنفضت من مكانها ورجعت لورا بخوف.
سيف قرب منها ببطء، خطوته كانت تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه. نزل على ركبه قدامها، وبص في عينيها اللي مليانة رعب، وسألها بصوت مبحوح ومكسور، صوت مايشبهش سيف الحديدي خالص
مخلفة مني يا فرح؟… ياسين حتة مني؟ خبيتي ابني عني تلات سنين؟
فرح عينيها وسعت بصدمة ورعب حقيقي، لونها اتخطف وصرخت بهستيريا وهي بتزقه بعيد عنها
انت عرفت منين؟! إياك تقرب منه! ابني ملوش دعوة بيك.. ياسين ابني أنا لوحدي! لو فكرت تاخده مني هقتلك وهقتل نفسي يا سيف.. سامعني؟! هقتلك!
سيف ماقدرش يمسك نفسه، دموعه خانته ونزلت قدامها، مد إيده ومسك وشها بين إيديه وهو بيبكي زي الطفل
كنتي قوليلي… ليه حرمتيني منه؟ ليه خبيتي عني روحي؟
فرح ضحكت بوجع وقهر ودموعها بتغرق وشها، وضربته على صدره بقوة
أقولك؟ أقول للي صدق إني خاينة ورماني في الشارع في نص الليل وأنا بنزف كرامتي إني حامل في ابنه؟ كنت عايزني أقولك عشان عيلتك تاخده مني وترميني؟ دا أبوك جالي المستشفى وأنا بولد لوحدي، في مستشفى حكومي مافيهاش ريحة النضافة، وهددني.. قالي لو سيف شم خبر بوجود حتة اللحم دي، هياخده ويرميه في ملجأ ويتهمني في شرفي ويحبسني! اشتغلت خدامة في البيوت عشان أصرف عليه وأجيبله اللبن، وانت كنت هنا عايش في قصورك! جاي دلوقتي تسأل على ابنك؟!
كل كلمة كانت بتنزل على سيف زي السكاكين بتقطع في لحمه. ماقدرش يستحمل يشوفها منهارة كده، شدها لحضنه غصب عنها، ضمها بكل قوته وهي بتصرخ وتضرب فيه، لحد ما قوتها خانتها واستسلمت لحضنه وبدأت تعيط بصوت يقطع القلب.
حقك عليا… قسماً بالله ما هسيب حق دموعك دي، ولا حق العذاب اللي شفتيه. هجيبلك الدنيا كلها تحت رجليكي انتي وابني. سيف قالها وهو بيبوس راسها ودموعه بتنزل على شعرها.
فجأة، وسط اللحظة دي، تليفون سيف رن.
رقم غريب.
سيف مسح دموعه بسرعة، وحس بانقباضة في قلبه. فتح الخط ورد ألو؟
رد عليه صوت خشن، بارد، ومليان شر سيف باشا الحديدي.. الباشا الكبير بيسلم عليك، وبيقولك بلاش تلعب مع الكبار أحسنلك.
سيف اتنفض من مكانه، وبص لفرح اللي قلبها مقبوض، وفتح ال Speaker مكبر الصوت.
سيف بزعيق انت مين يالا؟ وابني فين؟
الصوت ضحك بسخرية ابنك في الحفظ والصون.. بس بصراحة، البطل الصغير عمال يعيط وعايز مامته، صحينا من النوم مخضوضين.
وفي اللحظة دي، سمع سيف وفرح صوت طفل صغير في الخلفية، صوته مليان رعب ودموع وبيصرخ
مامااا!… عايز ماما! يا ماماااا!
فرح أول ما سمعت الصوت، عينيها برقت، صرخت صرخة شقت جدران القصر ووقعت على ركبها في الأرض ياسين!! ابني!! سيبوا ابني يا كلاب!
الصوت الخشن رجع يتكلم ببرود تام
قدامك ساعة واحدة بالدقيقة يا سيف باشا. يا تتنازل عن كل أسهمك في الشركة وتجيب الفلاشة اللي معاك، وتسلمنا المدام فرح مكان الولد… يا تقرأ الفاتحة على روح البطل الصغير وتستلم جثته على باب قصرك. العداد بيعد يا باشا.
الخط قطع.
الصمت المميت سيطر على الأوضة، مافيش غير صوت أنفاس فرح اللي بتنهج برعب وهي بتبص لسيف وعينيها بتترجاه.
سيف بص للتليفون ثواني، وبعدين رفع عينيه اللي اتحولت لكتلة من الجحيم الصافي. راح ناحية خزنته، فتحها، وطلع مسدسه، سحب الأجزاء بصوت رعب فرح، وبصلها بنظرة مافيهاش ذرة رحمة لأي حد هيقف في طريقه وقال
……….
مين عايزة تعرف سيف قال إيه؟ وهل هيضحي بفرح عشان ينقذ ابنه، ولا هيعمل إيه في عيلته؟
يتبع في الجزء
الاخير
—
من القصه للكاتبه سهر محمد 
بص لها سيف بعيون بتطق شرار، بس فيها حنية الدنيا كلها ليها، وقال بصوت حاسم مايقبلش النقاش
مش هضحي بيكي ولا بشعرة من ابني.. أنا هضحي بالدنيا كلها عشانكم! قسماً بالله يا فرح لرجعلك ابنك لحضنك الليلة، وهخلي اللي عملوا كده يتمنوا الموت ومايطولوهوش.
فرح مسكت في هدومه وهي بتترعش وبتنهج من البكا يا سيف أبوس إيدك، سلمني ليهم! خدني ليهم وخليهم يسيبوا ياسين، أنا مش مهم.. المهم ابني يعيش، أرجوك يا سيف!
سيف مسك إيديها الاتنين وباسهم بدموعه، وضمها لصدروه ثواني كأنه بياخد منها القوة لو سلمتك ليهم أبقى مش راجل، وأبقى مستاهلش أكون أب ولا زوج. الثقة اللي ضيعتها زمان، عمري ما هضيعها تاني. خليكي هنا.. واجهزي عشان تستقبلي بطلنا الصغير.
سيف سابها وخرج زي السهم، وهو نازل على السلم طلع تليفونه وطلب رقم طارق، صاحبه وأخوه اللي شغال رائد في العمليات الخاصة
طارق.. مفيش وقت للسلامات، كمال الحديدي وشادي رجالته خاطفين ابني وطلبوا فدية ومساومة على مراتي في خلال ساعة.. أنا رايحلهم، بس محتاجك في ضهري.. الليلة دي لازم تخلص بالقانون، عشان الوساخة دي تنضف للأبد.
طارق ماترردش لحظة ابعتلي اللوكيشن يا سيف، وإياك تتهور وتعمل حاجة تضيعك.. أنا دقايق وأكون محاوط المكان.
سيف ركب عربيته وانطلق للمكان اللي اتبعتله في رسالة من الرقم المجهول. كان مخزن مهجور في منطقة صناعية مقطوعة. نزل سيف من عربيته، ماسك في إيده شنطة فيها أوراق التنازل والفلاشة.. ومسدسه متأمن في حزامه من ورا.
دخل المخزن بخطوات ثابتة رغم إن قلبه كان بيدق زي الطبول خوفاً على ابنه. لقى مجموعة من البلطجية واقفين، وفي النص.. أبوه كمال الحديدي قاعد على كرسي ببرود، وجنبه راجل ضخم ماسك طفل صغير بيعيط ومنهار.. ياسين.
أول ما سيف شاف ياسين، حس إن روحه بتنسحب منه. نسخة مصغرة منه، نفس ملامحه، بس عيونه مليانة رعب ودموع. ياسين كان بيشهق وبينادي ماما.. عايز ماما.
سيف ضم إيده بقوة عشان يسيطر على أعصابه، وبص لأبوه بنظرة كلها قرف واحتقار
الأوراق معاك اهي، والفلاشة اهي.. سيب الولد.
كمال ابتسم بخبث وقام وقف فين المدام يا سيف؟ مش ده كان الاتفاق؟ التنازل، الفلاشة، ومراتك اللي وطت راسنا في الطين.
سيف رد ببرود مصطنع وهو بيقرب خطوة بخطوة مراتي في أمان.. مستحيل أسلمها لواحد مجرم زيك، كفاية عليك الفلوس اللي بتعبدها. رمى الشنطة تحت رجلين أبوه.
كمال ضحك بسخرية وشاور للراجل اللي ماسك ياسين خلص على الواد يا رجولة، طالما الباشا مش عايز ينفذ الاتفاق.
الراجل لسه بيرفع مسدسه ناحية ياسين، وفي كسر من الثانية، سيف كان سحب مسدسه وضرب رصاصة بدقة متناهية استقرت في كتف الراجل الضخم. الراجل صرخ ووقع المسدس من إيده، وياسين وقع على الأرض.
سيف هجم زي الأسد الكاسر، ضرب البلطجي التاني بالرجل وقعه، ورمى نفسه على ياسين خده في حضنه وحاوطه بجسمه كله عشان يحميه. كمال صرخ في باقي رجالته اقتلوهم! خلصوا عليهم!
لكن قبل ما حد يتحرك، كانت أصوات سرينات البوليس شقت سكون الليل. أبواب المخزن اتكسرت، وطارق دخل مع قوة من العمليات الخاصة، وفي ثواني كانوا محاوطين المكان كله، ومصوبين أسلحتهم على كل رجالة كمال.
نزل سلاحك وسلم نفسك! المكان كله محاصر! طارق صرخ بأعلى صوته.
كمال الحديدي اتصدم، بص لسيف اللي قام وشايل ياسين في حضنه ومخبيه في صدره. كمال زعق بجنون انت بتسلم أبوك للبوليس يا سيف؟ بتفضح عيلتك عشان حتة عيلة جربوعة ماتسواش؟!
سيف بصله نظرة أخيرة كلها ثبات وشفقة في نفس الوقت، وقال بصوت قوي سمعه كل الموجودين
العيلة اللي تبني مجدها على الظلم والسرقة وكسر القلوب دي مش عيلتي. الأب اللي يخطف حفيده ويهدد بقتله عشان الفلوس، ده مريض ومجرم ولازم يتحاسب. العيلة الحقيقية هي اللي بتحمي وتصون، مش اللي بتغدر وتخون. طريقك خلص هنا يا كمال بيه.
الشرطة كلبشت كمال الحديدي ورجالته، وطارق قرب من سيف وطبطب على كتفه عملت الصح يا صاحبي.. الباقي خليه على القانون، شادي اتقبض عليه من شوية في النادي، والكل هياخد جزاءه العادل.
سيف شكره بعينيه، ونزل لمستوى ياسين اللي كان ماسك في قميص سيف بقوة وعمال يعيط. سيف مسح دموع ابنه بحنية، وباس جبينه وخدوده كأنه بيعوض حرمان تلات سنين
ماتخافش يا حبيبي.. أنا بابا.. أنا حبيبك وسندك.. يلا بينا نروح لماما؟
ياسين بص لسيف بعيون بريئة، ولأول مرة حس بالأمان في حضن الراجل الغريب ده، هز راسه ومسك في رقبة سيف بقوة.
في القصر، فرح كانت هتموت من القلق، رايحة جاية في الأوضة ودموعها مابتنشفش. فجأة باب الجناح اتفتح، ودخل سيف.. وشايل ياسين على دراعه.
فرح صرخت صرخة فرحة زلزلت المكان، جريت عليهم وخدت ياسين في حضنها، وقعت بيه على الأرض وهي بتبوس فيه وتشم ريحته وتبكي بهستيريا حبيب ماما.. نور عيني.. يا روحي انت!
ياسين حضنها بقوة ماما.. الراجل ده ضرب الأشرار وجابني ليكي.
سيف كان واقف بيبصلهم، دموعه بتنزل بصمت. نزل على ركبتيه قدام فرح، وفي لحظة صدق وتجرد من كل كبرياء، وطى وباس إيديها الاتنين، وباس راسها وقال بصوت مليان ندم حقيقي
أنا عارف إن كلمة آسف ماتسواش حاجة قدام عذاب تلات سنين.. عارف إني كنت غبي وأعمى لما صدقتهم وكدبت قلبي اللي
كان بيقولي إنك أنقى إنسانة في الوجود. أنا مش بطلب منك تسامحيني دلوقتي.. أنا بس بطلب تديني فرصة أثبتلك إن سيف القديم مات، وإن اللي قدامك ده راجل روحه فيكي، ومستعد يقضي بقية عمره خدام تحت رجليكي انتي وابني.
فرح بصت في عينين سيف، شافت فيها الصدق والندم. شافت الراجل اللي خاطر بحياته وبأهله وبكل ثروته عشان يرجعلها ابنها ويجيب حقها بالقانون من غير ما يلوث إيده بالدم المظلم. مسحت دموعها، ومدت إيديها مسحت دموع سيف، وقالت بصوت هادي
اللي بيحب بجد مابيخونش الأمانة يا سيف.. وانت النهارده رديتلي أمانتي وروحي. الجرح كبير.. بس انت بدأت تداويه. وأنا قابلة إني أفتح معاك صفحة جديدة، عشان ياسين.. وعشان الحب اللي لسه عايش في قلبي ليك رغم كل الوجع.
سيف سجد لله شكر في مكانه، وبعدها قام خدهم هما الاتنين في حضنه، حضن دافي عوضهم عن كل سنين الحرمان.
بعد مرور سنة كاملة..
في فيلا بسيطة وجميلة بعيدة عن دوشة القصور الكئيبة، كانت ضحكات ياسين مالية المكان وهو بيلعب في الجنينة.
سيف كان قاعد على الكرسي، بيشرب قهوته بابتسامة مرتاحة، بيبص على ابنه. سيف أسس شركة جديدة من الصفر بمجهوده الحلال، بعيداً عن إمبراطورية الحديدي اللي انهارت بعد سجن كمال وشادي بتهم الاختلاس والتزوير والخطف. العدالة خدت مجراها، وكل واحد شرب من نفس الكاس اللي سقاه لغيره.
فرح خرجت من باب الفيلا، في إيديها صينية عليها عصير، وبطنها منفوخة بشكل واضح في الشهور الأخيرة من حملها التاني. سيف أول ما شافها، قام بسرعة وخد منها الصينية باس إيديها يا حبيبتي قولتلك ارتاحي، الدكتورة قالت بلاش حركة كتير!
فرح ضحكت بصفاء يا سيف أنا كويسة، ماتبقاش مزعج! وبعدين البنوتة اللي جوة دي شقية زيك، مش مخلياني عارفة أنام.
سيف حضنها بحب حقيقي، وبص لياسين اللي كان بيجري ناحيتهم وضحك
ربنا يخليكم ليا. انتوا العيلة، وانتوا السند الحقيقي. أنا اتعلمت الدرس القاسي.. اتعلمت إن الفلوس والنسب والاسم مابيعملوش بني آدمين، وإن الحب والثقة هما الجدار الوحيد اللي بيحمي أي بيت من الهدد.
ياسين حضن رجلين سيف شيلني يا بابا!
سيف شاله ورفعه لفوق وسط ضحكات فرح، والشمس كانت بتعكس نورها على وشوشهم، لتكتب نهاية قصة بدأت بظلم وقسوة، وانتهت بانتصار الحق، وعودة الحب أقوى من الأول بكتير.. لأن البيت اللي بيتبني على الثقة والتسامح، عمره ما يتهد.
تمت بحمد الله لو عجبتك الروايه متنساش تعمل متابعه لصفحتي سهر الحكايات الكاتبه سهر محمد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *