مراتي استهلكت كل طاقتها ج1

منى السيد

قمت من غير ولا كلمة.

لميت أطباق السلطة الفاضية، وسرفيس المحشي، ودخلت بيهم على المطبخ. فتحت الحنفية على آخرها، وصوت اندفاع المية في الحوض كسر الصمت التقيل اللي ران فجأة في الصالة.

“لا بجد الوقت سرقنا ولازم نمشي،” صوت عصام جه وهو بيزق كرسيه ويقف بسرعة.

على باب المطبخ قال لضهري: “تسلم إيدك يا أم هنا، الأكل كان تحفة، وصينية البطاطس تسلم إيديكي عليها.”

الضيوف ملبسوش جزمهم في تلات دقايق. كان واضح إنهم بيهربوا من الحرج، ومحدش فيهم قادر يحط عينه في عيني وهو لابس وواقف في الطرقة.

طارق فضل يحوم حواليهم، يتكلم في أي كلام عن زحمة الشارع وماتشات الكورة، وسلم على عصام سلام طويل كأنه مسافر الخليج ومش هيشوفه تاني، مش راكب عربيته وراجع بيته.

أول ما باب الشقة اتقفل وصوت الأسانسير نزل، رجعت وقفت قدام الحوض.

مسكت السلكة وبدأت أدعك في الأطباق بهدوء، حركاتي كانت باردة، رتيبة، كأني مكنة شغالة من غير روح.

“إيه العرض الرخيص اللي عملتيه جوه ده؟ ضيعتي الليلة كلها بنكدك!”

طارق دخل ورايا المطبخ، وشه محقون وعروقه نافرة، والصوت اللي كان بيهزر بيه اتقلب هجوم صريح.

ملفتش وشي ليه، فضلت فاتحة الحنفية وبغسل الصابون من إيدي.

“أنا بكلمك على فكرة! إنتي مش سامعة؟” قرب خطوة كمان وهو بينفخ، “إيه اللي عملتيه ده قدام عصام ومراته؟”

وقف في نص المطبخ، حط إيديه في وسطه وقال بغل: “قاعدة مبوزة وراسمة دور الضحية كأني شتمتك ولا مسحت بكرامتك الأرض قدامهم!”

قفلت الحنفية بهدوء شديد، تكّة الخلاط عملت صوت طقطقة واطي في سكون المطبخ، ومسكت الفوطة الصغيرة ونشّفت إيديا صباع صباع، كأني بعمل طقس مقدس مفيش وراه أي استعجال.

طارق كان واقف نافخ صدره، وشه محتقن باللون الأحمر اللي بيطلعله كل ما يحس إنه اتهز من جواه، عروق رقبته ناطة، وحاطط إيديه الاتنين في وسطه، مستني مني العياط المعتاد.. مستني الصوت المخنوق اللي يترجاه ويقوله: “ليه يا طارق؟ هو أنا قصرت معاك في إيه؟” عشان ياخد الجملة دي ويبني عليها قصيدة لوم كاملة يثبت بيها إني نكدية وعمري ما هفهم “الهزار”، وإن دمي تقيل، وإني فضحتنا قدام عصام ومراته ببوزي اللي شبرين.

بس أنا مالتفتش حتى بسرعة، أخدت ثواني أعلّق الفوطة في مسمارها جنب الرخامة، ولفيت ووشي كان أهدى من مية راكدة في ترعة مهجورة. نظرة فاضية تماماً، مفيهاش لا دموع ولا عتاب ولا غضب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *