مراتي استهلكت كل طاقتها ج1
منى السيد
إيديا اللي كانت بيضا وناعمة لما اتجوزته، بقى جلدها ناشف ومشقوق عند الصوابع من سلك المواعين ومية الكلور. كتافي مقوسة شوية من قعدة المكاتب، وشعري اللي كان واصل لنص ضهري بقى مربوط بتوكة بلاستيك مهلهلة ومطفي لونه.
طارق من برة كان لسه عمال يهلفط: “ماشي يا مروة، نامي واشبعي بنكدك! بكره لما تروقي هتعرفي إنك زودتيها على الفاضي!” سمعت خطواته رايحة للصالون، وصوت التلفزيون اتفتح بصوت عالي كالعادة، عشان يثبت لنفسه وللحيطان إنه مش فارق معاه وإنه هو اللي رايق ومبسوط.
قعدت على طرف السرير، بس منمتش.
أنا مكنتش حزينة بالشكل التقليدي؛ مكنش فيه حرقة قلب البدايات ولا وجع الخيانة. كان فيه شعور أغرب بكتير: فراغ تام، وبرود زي التلج. الإحساس اللي بيوصله الواحد لما يدوس على بنزين عربيته على آخره ويلاقي التنك شطّب خلاص ومفيش نقطة بنزين واحدة باقية، مفيش حتى طاقة يزعل.
“استهلكت كل طاقتها، ومبقاش فيها نَفَس يشيل خلاص.”
الجملة رنت في وداني تاني. هو قالها عشان يضحّك عصام، عشان يحسس عصام ونورهان إنه سي السيد اللي مش عاجبه حاله وإنه يستاهل أحسن، بس الحقيقة المرة إن الجملة دي كانت أصدق حاجة طارق قالها في حياته كلها من غير ما يقصد.
أنا فعلاً طاقتي خلصت. ونَفَسي اتقطع.
بس اللي طارق مش فاهمه، إن الطاقة دي مخلصتش من الهوا، مخلصتش عشان عجزت طبيعي؛ طاقتي خلصت لإني كنت المولد الوحيد اللي منور البيت ده كله، وهو كان السلك العريان اللي بيسحب الكهرباء من غير ما يدّي فولت واحد!
فتحت الدولاب، طلعت شنطة كتف قديمة وشنطة ورق كبيرة، وفتحت الدرج التحتاني خالص اللي فيه أوراقنا.
طلعت الملف الأزرق بتاع الشقة.
الشقة التمليك دي، اللي واخدينها في العبور، واللي هو بيقعد وسط أصحابه ينفخ صدره ويقول: “أهو عملنا قرشين وجبنا ملك عشان الولاد وعشان نأمّن مستقبلنا”، فتحت الأوراق وبصيت للعقد، وبصيت لإيصالات البنك.
العقد الأساسي مكتوب مناصفة، بس الشيكات والتحويلات كلها كانت من حسابي أنا في بنك مصر؛ التحويلات اللي بتنزل من مرتبي الصافي، والشغل الإضافي. هو كان مرتبه بيروح في مصاريفه الشخصية، قسط عربيته اللي بيغيرها كل تلات سنين عشان منظره قدام زمايله، ومشاريع وهمية يدخل فيها مع أصحابه وتخسر، ويجي في الآخر يقولي: “إيدك معايا الشهر ده يا مروة، إحنا واحد ومفيش فرق بين الراجل ومراته!”