اشتغل في ارضك

لمحة نيوز

لكن دخول الشاب ده في المعادلة ورجوع الروح للمزرعة كان معناه إن الأرض مش هتتباع، وإن الشايب ممكن يكتب المزرعة باسم الغريب ده!
حرّك حسام العربية ورجع بيها على ورا بسرعة، وهو ناوي على نية شوم.
مرت أسبوعين…
المزرعة بقت حتة من الجنة. الشجر اللي كان هيموت من العطش بدأ يخضر، ومحصول الذرة اتنضّف ورجع ينبت، ونجمة الكلب العجوز بقى ما يفارقش يوسف لحظة.
العلاقة بين يوسف والحاج عبدالرحمن بدأت تتغير من مجرد شغل وحسنة، لدفء عائلي افتقده الاتنين من سنين طويلة. يوسف كان بيصحى من الفجر، يعمل الفطار، يقعد يشارك الحاج القهوة، ويتكلموا عن الأيام القديمة وأصول الزراعة. ولأول مرة من 10 سنين، الحاج عبدالرحمن بدأ يضحك من قلبه.
وفضل الكرسي الفاضي جنب الشباك هو السر الوحيد اللي محدش بيتكلم عنه… لحد ما جه يوم، والليل نزل، وهدت الدنيا.
كانوا قاعدين جنب الدفاية، والحاج عبدالرحمن بص ليوسف وقال بنبرة هادية بس مليانة شجن
إنت ما سألتنيش يا يوسف… الكرسي ده بتاع مين؟
يوسف حط كوباية الشاي بهدوء
المكان لما يكون له حرمة يا حاج، العاقل ما يدخلهاش إلا لما صاحبه يأذن له.
تنهّد الحاج عبدالرحمن ودمعة محبوسة في عينيه لمعت مع ضوء النار
ده كان كرسي أحمد… ابني الوحيد. أحمد كان في سنك كده، جدع، وشاطر في الأرض، وبيحب الخير لكل الناس. من 10 سنين، خرج بالجرار يسلك مجرى المية في المطر الشديد… الجرار انقلب بيه في المصرف، ومات قبل ما ألحقه… ومن يومها وأنا رجلي شلتني مع قلبي، وعشت في الضلمة دي مستني القضاء يسحبني لعنده.
يوسف بص للأرض، وصوته اتكسر
ربنا يرحمه يا حاج… الحزن وجعه يهد الجبال، بس الأرض دي روح أحمد يا حاج… وعمارها هو اللي بيريح روحه في قبره.
الحاج عبدالرحمن طبطب على إيد يوسف وقال
أنا عرفت ده لما شفتك بتولّد البقرة وبتبكي عشان العجل يتنفس… إنت مش غريب يا يوسف، إنت العوض اللي ربنا بعتهولي في آخر أيامي.
في نفس الليلة… الساعة 2 بالليل.
السماء كانت كحلية، والهدوء يلف المزرعة. فجأة، نجمة الكلب بدأ ينبح بصوت مكتوم وهو واقف عند باب المخزن!
يوسف صحي من نومه بسرعة. خرج يبتفحص المكان، وشم ريحة شياط ودخان حريق طالع من ناحية حظيرة المواشي والمخزن الرئيسي!
جري يوسف بذهول لقى النار بدأت تمسك في القش، والبقرات محبوسة جوه وبتخور برعب! وفي اللحظة دي، شاف خيال راجل ملثم جاري ومعه جليكان بنزين فضي وبيحاول يهرب من الناحية الخلفية للسور!
يوسف ما تفكيرش مرتين. بدال ما يجري ورا الحرامي، اختار ينقذ الأرواح!
جري على الحظيرة وفتح الأبواب وخرج المواشي كلها للبرة وهو بيحارب النار والدخان اللي سد نفسه. أخد خرتوم المية وبدأ يطفي النار بكل قوته، إيديه اتحرقت وملابسه اتملت هباب، بس ما استسلمش لحد ما قدر يسيطر على الحريق قبل ما يوصل للبيت الرئيسي!
الحاج عبدالرحمن خرج بكريسيه وهو بيصرخ برعب
يوسف! يا يوسف يا بني!
خرج يوسف من بين الدخان، وشه كله هباب، وهدومه محروقة، وهو شايل بين إيديه العجل الصغير اللي تولد من أسبوعين ورايح بيه للحاج عبدالرحمن.
حط العجل جنب الحاج ووقع على الأرض وهو بيلهث
المواشي بخير يا حاج… المزرعة بخير.
الحاج عبدالرحمن نزل من على كريسيه ورمى نفسه على الأرض جنب يوسف وهو بيبكي وبيحضنه
فداك كل حاجة يا بني! المهم إنت تكون بخير!
وفي اللحظة دي، نجمة بدأ ينبح عند بوابة المزرعة…
التفت يوسف والحاج لقا سيارة شرطة داخلة المزرعة ومجلية الكشافات، ومعاها عربية حسام ابن أخو الحاج!
نزل حسام من عربية الشرطة وهو بيصرخ ويمثل الصدمة
يا حضرة الظابط! هو ده! هو الشاب الصعلوك اللي استغل عجز عمي وأجره عشان يحرق المزرعة ويقبض التأمين أو يجبر عمي يبيع له الأرض!
الظابط قرب بصرامة وبص ليوسف المترب والمحروق.
حسام كمل بشر وغل
عمي راجل عجوز ومريض ومش دريان بحاجة! الولد ده جه من أسبوعين بس، ومن ساعتها والمشاكل بدأت! أنا شفته بعيني وهو بيولّع النار وهربان!
لكن يوسف وقّف، ومسح الدم من على جبهته، وبص لحسام ببرود وقال
إنت نسيت حاجة واحدة بس يا حسام…
حسام اتوتر
حاجة إيه يا نصاب إنت؟!
يوسف أشر على شجرة الجوز الكبيرة اللي في نص المزرعة
الأسبوع اللي فات، لما أصلحت سقف المخزن، طلبت من الحاج نركب كاميرا مراقبة بالطاقة الشمسية فوق الشجرة عشان نأمن المواشي. والكاميرا دي بتسجل كل حاجة وبتبعث على تليفون الحاج مباشرة… افتح تليفونك يا حاج ورّي للظابط مين اللي رمى بنزين وولع النار بالولاعة دي!
وش حسام اتغير 180 درجة! الدم هرب من ملامحه ورجليه اتجلطت في الأرض.
الحاج عبدالرحمن طلع الموبايل بهدوء وإيده ما بقتش ترتعش، وورّى للظابط الفيديو بوضوح حسام هو اللي دخل بسطل البنزين وولع الحريق بنفسه!
الظابط بص لحسام بقرف وقال للأفراد
اتقادوه على البوكس! الشروع في قتل وحرق عمد واستغلال عجز!
حسام يصرخ ويترجى
سامحني يا عمي! أنا ابن أخوك! الفلوس عمتني!
لكن الحاج عبدالرحمن ما بصش له حتى، ولف كريسيه وادا له ضهره.
بعد شهرين…
كانت المزرعة في أبهى صورها، والشمس شارقة على محصول الذرة الخضراء.
في الشهر ده، الحاج عبدالرحمن طلب الشهر العقاري في البيت، وكتب بعقد رسمي موثق نص المزرعة باسم يوسف النجار، والنص التاني وقف خيري لرعاية أيتام المنطقة، وجعل يوسف هو الوصي والناظر عليه.
في يوم دافي، كان يوسف قاعد على السفرة بيفطر، والحاج عبدالرحمن جنب منه.
بص الحاج عبدالرحمن للكرسي الفاضي اللي جنب الشباك… وقام ببطء شديد وهو ماسك عكازه الجديد، وقرّب الكرسي ده وحطه جنب يوسف.
وقال بابتسامة دافئة ودموع صافية
المكان ده ما بقاش فاضي يا يوسف… من النهاردة، ده كرسيك.
يوسف بص للحاج، وابتسم بقلب مليان رضا وأمل، وأدرك إن الشقاء واليتيم الصعب اللي عاشه، كان مجرد طريق طوّل عشان يوصله للبيت والأب اللي ربنا كان شالهم له في نهاية المطاف.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *