هديه طقم كريستال لبنت اخت جوزي ج٢

منى السيد

لمحة نيوز

جنبه.
حما العروسة راجل كبير وبيفهم في السوق، أول ما شاف الحاج مرسي قام وقف وسلم عليه بحرارة يا مرحب يا حاج مرسي! نورت القاعة ونورت فرحنا يا كبير، خطوة عزيزة والله! الحاج مرسي ابتسم وشاور على طارق بنورك يا حج، بس الفضل مش ليا، الفضل لأخويا وحبيبي طارق المنشاوي، هو اللي أصر إني أجي معاه نبارك لبنت أخته، وفي نفس الوقت نتم البيعة الكبيرة اللي بيني وبينه قدام الكل.
أميرة كانت وصلت عند الترابيزة، بتنهج من الخوف والإحراج، وصوتها بيترعش طارق.. إنت إيه اللي منزلك من بيتك؟ مش قولتلك إنك.. إنك تعبان ومكنش لازم تشغل بالك وتيجي في الدوشة دي؟ طارق حتى مرفعش عينه فيها، بص لحما العريس وقال بصوت رخيم مليان رجولة أنا طارق المنشاوي، الخال الكبير للعروسة، وأولى الناس بيها وبفرحتها.. وأنا مش متعود أسيب بنتي تطلع من غير ما أشيل راسها وراس أهلها قدام الناس، بس في ناس في العيلة دي فهمهم للأصول على قدهم، فاكرين إن الواجهة بالبدل الكدابة والكلام المعسول.
حماتي جت تجري وراه، وقفت ورا كرسي بنتها وقالت بنبرة حاولت تخليها مسيطرة يا ابني كتر خيرك إنك جيت، خلاص بقى قوم بارك للبت واقعدوا في جنب عشان العريس وأهله ميتلخبطوش. طارق التفت لأمه، وبص في عينيها بنظرة قطعت كل حبال المودة المزيفة، وقال بصوت واطي بس كان بيوصل زي الطلقات أنا مش هقعد في جنب يا أمي، أنا عمري ما قعدت في جنب.. أنا اللي بنيت، وأنا اللي شيلت، وأنا اللي سترت لما كان الكل عريان.. ودلوقتي جه الوقت اللي كل واحد يعرف مقامه الحقيقي.
طارق شاور للمحامي، المحامي فتح الشنطة وطلع أربع نسخ من عقود بيع رسمية، ودفتر شيكات بنكي. طارق مسك الورق وحطه على الترابيزة قدام حما العريس وقدام أخته وإبراهيم اللي كان جه وقف وراهم وعرقان من الخوف.
طارق اتكلم بصوت واضح سمعه كل اللي واقفين حوالين الكوشة النهاردة، وبما إن بنت أختي بتتجوز، وكنت عايز أعملها اللي يليق بيها، بس اتقال لمراتي الصبح في بيتكم إن طارق مبيعرفش يجيب غير شوية كاسات يصغر بيهم أهله.. فخلوني أعرفكم طارق بيكبر مين وبيصغر مين. بص لأخوه إبراهيم وقال المخزن اللي على الشارع الرئيسي اللي إنت فاتح فيه محلك وشغال فيه بقالك سبع سنين من غير ما تدفع مليم إيجار وتقولي أخويا الكبير وساندني.. وحتة الأرض اللي وراه اللي كنت مأجرها لموقف العربيات ومستنفع بفلوسها في جيبك وإنت بتقول الدنيا مأزمة.. النهاردة ملكيتهم اتنقلت رسمي للحاج مرسي، بمليون ونص كاش وشيكات مقبولة الدفع.
إبراهيم صرخ لا إرادياً وشه ضرب فيه الدم إيه؟! بعت المخزن يا طارق؟! بعت أكل عيشي؟ إنت اتجننت؟ إزاي تبيع من غير ما ترجعلي ومن غير ما تديني فرصة؟! طارق رد عليه ببرود أشد من الجليد أرجع لمين يا إبراهيم؟ أرجع للأخ اللي رضي يقفل عليا باب القاعة عشان مش واجهة؟ أرجع للراجل اللي لبس بدلة على سنجة عشرة ووافق أخته تطرد أخوه الكبير عشان هدومه عادية؟ المخزن ده كان ملك أبويا ومكتوب باسمي بيع وشرا، وكنت سايبهولك جدعنة، بس بما إني مش واجهة ومش مقامكم، يبقى كل واحد يشيل شيلته، والمخزن تسلمه للحاج مرسي أول الشهر الجاي عشان هيتهد وهيتبني عليه برج.
حماتي لطمت على خدها بصوت واطي يالهوي! هتخرب بيت أخوك يا طارق؟ عشان حتة فرح وبنت أختك؟! ده أخوك الصغير، ده لحمك! طارق بص لأمه بابتسامة حزينة لحمي اللي استرخصني يا أمي؟ لحمي اللي بنتك وقفت تعاير مراتي بإنها بتصغرني عشان جابت هدية من شقا أبوها؟ لف وشه لأميرة، اللي كانت وشها أبيض كالشمع ورجليها مش شايلاها، طلع من جيبه علبة مخملية حمرا صغيرة، فتحها قدام حما العريس، كان فيها جنيه دهب عيار 21 بيلمع تحت أضواء القاعة. طارق حط الجنيه في إيد حما العريس وقال دي نقطة بنت أختي، خالها مبيستخسرش فيها حاجة، ومش هخليها تطلع مكسورة قدام أهلك يا حاج.. بس طقم الكاسات اللي أمها عايرت بيه مراتي ورمته في وشها وقالت ده كله من شقا أخويا، طقم الكاسات ده هيرجع معايا دلوقتي بيتي.
القاعة المحيطة بيهم كانت اتخرست تماماً، المعازيم من القرايب اللي كانوا عارفين باللي حصل في البيت الصبح كانوا باصين في الأرض من الخزي والعار. أميرة بدأت تعيط بهيستيريا، مسكت إيد طارق وقالت بصوت متوسل ومذلول قدام أهل جوز بنتها حقك عليا يا طارق! أبوس إيدك ورجلك بلاش تعمل فينا كده قدام الناس! بلاش تبوظ فرح البت، بلاش تبيع المخزن لإبراهيم هيتشرد في الشارع، أنا كنت غبية، الشيطان عمى عيني، والله ما قصدت أصغرك!
طارق سحب إيده من بين إيديها بهدوء، ومسح بدلة جاكيته كأنه بينفض غبار لمسه، وقال بكلمات كانت زي الرصاص اللي استقر في قلب كل واحد فيهم اللي يصغر أخوه قدام الغريب، يستاهل الغريب يدوس عليه. إنتي اللي اختارتي إن الفلوس والمظاهر هي اللي تديكي قيمة، وأنا النهاردة ورّيتك قيمتي الحقيقية، وقيمتك أنتي وإبراهيم من غيري.
وقع طارق على العقود قدام الحاج مرسي، والمحامي أخد التوقيعات، والحاج مرسي سلم الشيكات لطارق في ظرف أبيض قدام الكل. طارق شال الظرف في جيب جاكيته، وقام وقف بكل طوله وهيبته.
بص لحما العريس وقال ألف مبروك يا حاج، وربنا يتمم لبنتنا على خير.. إحنا أدينا الواجب وزيادة، ونستأذن إحنا بقى عشان منضايقش الناس اللي على الفرازة. حما العريس وقف بإحراج شديد وخجل من قلة أصل نسايبه الجداد، ومد إيده لطارق بحرارة شديدة والله يا أبو الرجولة إنت تاج راس العيلة دي، والبيت اللي ميعرفش قيمتك ميعرفش طعم الرجولة.. شرفتنا ونورتنا.
طارق لف وشه، مد إيده ليا قدام الكل، مسكت إيده وأنا حاسة برعشة فخر وكرامة عمري ما حسيت بيها في عمري كله. رفعت راسي ومشيت جنبه، وولادي ماشيين ورانا رافعين روسهم، وعدينا من جنب حماتي وأخته وإبراهيم اللي كانوا واقفين زي الأصنام المكسورة، بيبكوا بدموع الذل اللي زرعوه بإيديهم وحصدوه في نفس الليلة.
خرجنا من باب القاعة للهوا الطلق. الليل كان نزل، والشارع هادي ونسيمه بيرد الروح. طارق وقف على الرصيف، أخد نفس طويل وعميق كأنه أول مرة يتنفس من سنين، بص في السما وقال الحمد لله.. كرامتي وكرامة بيتي رجعت، وحقي في الدنيا أخدته.
بصلي وعينيه كانت بتضحك من جوة، مسك وشي بإيديه الاتنين وقال بحنية عارفة يا أم فلان؟ طقم الكاسات اللي أبوكي جابهولك ده، كان أغلى حاجة دخلت بيتي.. لأنه كان المراية اللي كشفتلي مين اللي معايا ومين اللي عليا. بكرة الصبح
هنروح نفتح حساب للعيال، ونشتري شقة جديدة بعيد عن الحارة دي وعن النفوس دي كلها.. إنتي سديتي مكاني في الضيقة، وأنا هفرشلك الأرض ورد في السعة.
ركبنا تاكسي سوا، وأنا ساندة راسي على كتف جوزي، حاسة بالأمان والراحة، وعارفة إن الوجع اللي عيشته الصبح اتقلب لعزة ونصر هيفضل محفور في قلوبهم طول العمر. الباب اتقفل وراهم للأبد، بس بيتي أنا وعيالي اتفتحله باب جديد مليان كرامة وشرف ميتعوضش بكنوز الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *