هديه طقم كريستال لبنت اخت جوزي ج٢

منى السيد

الهدوء اللي نزل على طارق فجأة كان يرعب أكتر من أي صريخ. ملامحه اللي كانت دبلانة ومكسورة اتحولت لصفحة من حديد صلب، عينيه اللي كانت مغرقة دموع جفت تماماً وبقى فيها لمعة باردة، لمعة راجل خد قراره بعد ما استوى على نار هادية وقفل كل أبواب الرجوع.
وقفت متنحة قدامه في الأوضة، مش قادرة أستوعب التحول اللي حصل في دقايق. كان بيفتح درف الدولاب التانية، وطلع طقم الكريستال التاني اللي كنت جايباه لجوازنا وكان مركون، شاله على جنب، ومد إيده في قعر الخزنة طلع منها أصل عقود مسجلة، بطاقات، وأوراق عليها أختام قديمة كانت تخص تركة أبوه الله يرحمه؛ المخزن القديم اللي على الشارع الرئيسي وحتة الأرض اللي وراه، اللي فضل سنين سايب أخته وأخوه مستنفعين بإيجارها ملاليم وهو يقول خليهم مستورين، دول لحمي ودمي، وأنا ربنا رازقني بعافيتي وشغلي.
بصيت له بخوف وحطيت إيدي على صدره طارق، استهدى بالله.. هتعمل إيه؟ المخزن ده إنت كنت سايبه لأخوك عشان واكل منه عيش، وحتة الأرض دي كان مرسي تاجر الخردة حاطط عينه عليها من سنين وبيلف حواليك عشان يشتريها وإنت رافض عشان متفرطش في ريحة أبوك.. هتعمل إيه دلوقتي؟ بلاش الغضب يعميك وتضيع تعب السنين في لحظة!
طارق مسك إيدي اللي على صدره بهدوء شديد، نزلها بالراحة وضغط عليها بحنية موجوعة، وقال بنبرة واطية مفيهاش أي تردد الغضب مبيعميش يا أم فلان، الغضب هو اللي فتح عيني بعد ما فضلت أعمى ومستعور نفسي سنين. أنا كنت فاكر إن الأصول بتتعامل بالأصول، وإن الراجل لما يوطي ضهره عشان أهله يعدوا، هيشيلوه فوق راسهم.. متخيلتش إنهم بيعدوا عشان يدوسوا على رقبتي ويقولوا عليا قليل ومش واجهة! البسي يا بنت الأصول، البسي أحسن ما عندك، وخلي العيال يلبسوا اللبس اللي جبناه للعيد اللي فات، وعايزك رافعة راسك للسما.. إحنا رايحين نبارك، بس مش كشحاتين، رايحين بأصلنا وقيمتنا الحقيقية.
جريت على الدولاب وإيدي بترتعش. طلعت الفستان الكحلي السادة اللي كنت شايلاه للمناسبات الثقيلة، لبست طرحتي وعدلتها، وجهزت الولاد اللي كانوا بيبصوا لأبوهم باستغراب وخوف طفولي من هيبته الجديدة. طارق لبس البدلة الكلاسيك اللي كانت مكويه ومتشالة، البدلة الصوف التقيلة اللي مفصلها زمان لما كان شغله في عزه، عدل رباط الجزمة، وحط ساعته السويسرية القديمة اللي ورثها عن أبوه في معصمه، وبخ البرفان المركز.. وقف في الصالة راجل ملهوش حل، هيبة وهدوء وعزة نفس تخلي الحجر ينطق.
نزلنا من البيت، وكان الحاج مرسي مستنينا تحت الشارع في عربيته الجيب السودا العالية، ومعاه المحامي بتاعه بشنطة جلد سودا منفوخة ورق. طارق أول ما شافه مد إيده وسلم بحرارة مساء الخير يا حاج مرسي. الحاج مرسي نزل من العربية وسلم عليه بحفاوة شديدة مساء النور والسرور يا أبو الرجولة! والله العظيم الخبر اللي قلتهولي في التليفون ده أسعدني، أنا بلف وراك بقالي تلات سنين عشان حتة الأرض دي والمخزن وإنت قافل الباب في وشي.. خير إن شاء الله، نويت؟ طارق رد بهدوء نويت يا حاج، بس زي ما اتفقنا في التليفون.. الفلوس كاش وشيكات مقبولة الدفع، وتيجي معايا مشوار صغير نشهد فيه على العقد، وبعدها كل حاجة باسمك رسمي من بكرة في الشهر العقاري. الحاج مرسي ضحك بصوت جهوري عينيا ليك يا طارق، أنا المحامي مجهز كل العقود والشيكات في الشنطة، والعربون الكاش جاهز، ووراك لحد آخر الدنيا.
ركبنا عربية مرسي، وكانت المسافة بين بيتنا وبين القاعة ربع ساعة، بس عدت عليا كأنها دهر كامل. طارق كان باصص من الشباك على الشوارع اللي بتجري، مبيتكلمش، بس صوابعه كانت بتتحرك على ركبته بنظام هادي، كأنه بيعيد ترتيب حياته كلها من أول وجديد.
وصلنا قدام القاعة. كانت الأنوار مشعللة، والبانرات الكبيرة عليها صور العريس والعروسة، وصوت الدي جي طالع يرن في الشارع كله. على البوابة كان واقف اتنين من بتوع الأمن ببدل سودا، ومعاهم لستة المعازيم زي ما أخته قالت بالظبط، كروت ودعوات لناس على الفرازة.
نزلنا من العربية، الحاج مرسي نزل بكبرياؤه وهيبته كواحد من كبار تجار المنطقة ومعاه المحامي، وطارق مشي في النص، ماسك إيدي بإيد وماسك ابنه بالإيد التانية، وضهره مفرود زي السيف. وصلنا عند البوابة، بتاع الأمن وقف قدامنا وقال بأدب مساء الخير يا فندم، الدعوة لو سمحت؟ طارق وقف وبص له في عينه بنظرة ثابتة، الحاج مرسي جه يتكلم، بس طارق رفع إيده بهدوء وقال للأمن بصوت مسموع وواضح قول لأم العروسة خال العروسة طارق المنشاوي وصل، وهي هتنزل تدخلك بنفسها.
بتاع الأمن لما شاف الهيبة والشياكة والعربية اللي ورانا ومرسي اللي كل الناس في المنطقة عارفاه، اضطرب وبص لزميله، وفجأة كان إبراهيم أخو جوزي خارج من باب القاعة بيشرب سيجارة، أول ما شافنا واقفين اتصدم، السيجارة كانت هتقع من بين صوابعه، وشه بهت وجري علينا وهو بيتلجلج طارق؟! إيه اللي جابك هنا يا أخويا؟ مش.. مش كنا متفقين إنك تعبان ومش هتقدر تيجي؟ طارق ابتسم نص ابتسامة باردة وسأله مين اللي اتفق يا إبراهيم؟ أختك اللي اتفقت مع نفسها؟ ولا إنت اللي اتفقت مع مراتك عشان متبانش جنب أخوك الكبير؟ وسع السكة يا إبراهيم، وسع عشان نبارك للعروسة.
طارق زق خطوته ودخل، وإبراهيم مكنش قادر حتى يمد إيده يمنعه، كان باصص للحاج مرسي والمحامي ومبرق عينيه ومش فاهم إيه اللي بيحصل.
أول ما دخلنا القاعة، كانت الموسيقى عالية جداً، والناس كلها بتهزر وتضحك. القاعة كانت مليانة على آخرها، وفي الكوشة كانت العروسة قاعدة بفستانها الأبيض جنب عريسها، وحماتي وأخت جوزي أميرة وسلايفي واقفين حوالين الكوشة بيتمايلوا ويرقصوا والضحكة مالية وشوشهم.
طارق مشي في الممر النصاني، خطواته كانت رنانة رغم صوت السماعات. الحاج مرسي جنبه بعبايته الفاخرة وشاله الصوف، والمحامي بالشنطة، والأنظار بدأت تتلفت علينا واحدة واحدة. الناس في القاعة بدأوا يهمسوا مين اللي داخل ده؟ ده طارق أخوهم الكبير؟ ومين اللي ماشي جنبه ده.. ده مش ده الحاج مرسي كبير التجار؟
الموسيقى كانت لسه شغالة، بس فجأة أميرة لفت وشها وشافت طارق. الضحكة اتجمدت على شفايفها، عينيها وسعت برعب، كأنها شافت شبح طالع من الأرض. بصت لحماتي وخبطتها في كتفها، حماتي لفت هي كمان، وشها اصفر وبقت تبص يمين وشمال كأنها بتدور على مهرب.
طارق موصلش للكوشة كواحد جاي يتخانق، مشي بكل برود وثقة لحد ما وصل لترابيزة كبار الزوار اللي قدام الكوشة مباشرة، الترابيزة اللي كان قاعد عليها حما البنت وأعيان عيلة العريس. طارق وقف قدام الترابيزة، سحب كرسي بكل هدوء وقعد، وشاور للحاج مرسي والمحامي يقعدوا

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *