حمايا اتجوز

أبو جوزي اتجوز بنت عندها 19 سنة، وكلنا افتكرنا إنها داخلة عليه عشان فلوسه.
دي آخرها مصيبة، جوزي قالهالي وقتها.
لكن بعد كام يوم بس، صحينا على صريخها نص الليل ولما جوزي كسر باب أوضتها، شاف حاجة جنب شوية صور قديمة خلتنا نعيد حساباتنا كلها.
لو أبوك دخل البنت دي البيت على إنها مراته، أنا مش هقعد معاه على سفرة واحدة تاني! دي فضيحة!
أخت جوزي رمت كلامها على السفرة وقت العشا، لكن حمايا ما اتعصبش ولا حتى رفع صوته.
بهدوء قال
مش هتيجي على إنها مراتي أنا ومريم هنتجوز.
جوزي، أحمد، حط الشوكة من إيده وبص لأبوه بصدمة.
بابا ماما لسه متوفية من سنة واحدة!
حمايا، الحاج محمود، كان عنده 63 سنة. وطأ راسه وقال
عارف.
أحمد سكت ثواني، وبعدين سأله
وهي عندها كام سنة؟
حمايا اتنهد.
تسعتاشر.
حسيت وقتها إن إيدي تلجت.
إحنا كلنا حاولنا نثنيه عن الجوازة دي.
أحمد اتخانق معاه في الجنينة، وفي الورشة، وحتى قدام الجامع.
يا بابا، دي ممكن تبقى حفيدتك!
مش حفيدتي.
الناس هتقول إنك فقدت عقلك.
يقولوا اللي يقولوه.
طب ولو البنت دي طمعانة في فلوسك؟
وفي كل مرة كان أبو جوزي بيرد بنفس الجملة
إنتوا مش عارفين بتتكلموا عن إيه.
بعد شهر، اتجوزوا رسمي في الشهر العقاري في طنطا.
لا فرح، ولا زغاريد، ولا حتى عزومة كبيرة.
مريم دخلت البيت ومعاها شنطة هدوم، وكرتونتين كتب، وفستان بسيط كانت لابساه.
الغريب إنها ما كانتش باينة خالص زي واحدة داخلة تصطاد فلوس.
بالعكس
كانت باينة خايفة.
كانت بتتكلم قليل جدًا، وما بتبصش في عين حد، وكمان كانت بتتهرب على قد ما تقدر إنها تقعد لوحدها معانا.
تحبي قهوة؟
لأ، شكرًا.
خارجة؟
لأ.
إنتِ كويسة؟
آه.
لكن عينيها كانت بتقول كلام تاني خالص.
وفي المنطقة، الكلام بدأ يزيد.
واحد يقول
دي داخلة على البيت

عشان تاخده.
والتاني يرد
الراجل كبر وخرف.
وثالث يقول
استنوا عليها كام شهر وهتسيبه مفلس.
أحمد كان بيرجع كل يوم متضايق أكتر من اليوم اللي قبله.
ما كانش مستحمل إن أبوه بقى سيرة الناس، ولا إنهم بيحكموا على مريم من غير ما يعرفوا عنها حاجة.
لحد ما بدأت الصرخات.
أول مرة صحيت على صوت بنت بتعيط حوالي الساعة اتنين الفجر.
هزيت أحمد وصحيته.
أحمد اسمع.
سكتنا الاتنين.
بعد صوت العياط، سمعنا خبطة قوية.
وبعدين صوت أبو جوزي
بصيلي يا مريم إنتِ هنا. إنتِ معايا. مفيش حاجة هتحصل لك.
تاني يوم الصبح، مريم نزلت المطبخ وعينيها وارمة من العياط.
وبعد كام يوم، كانت ماسكة مج في إيديها، وفجأة وقع واتكسر.
أول ما سمعت صوت الزجاج، وشها اتغير.
لونها راح، وبدأ نفسها يتقطع، وبعدين جريت على أوضتها.
حمايا جري وراها وقفّل الباب.
أحمد قبض إيده بعصبية.
لو أبويا بيعمل فيها حاجة والله ما يهمني هو مين. أنا هطلعها من البيت ده.
عدت تلات ليالي.
وفي الليلة الرابعة، صحينا كلنا على صرخة هزت البيت.
سمعنا صوت عفش بيتزق، وخبط جامد في الحيطة، وبعدها صوت مريم وهي بتصرخ بكل قوتها
ماما! لأ! ماما، والنبي!
أحمد نط من السرير، وخطف عتلة حديد من جنب الباب.
بابا! افتح الباب!
محدش رد.
خبط على الباب مرة
واتنين
ولا رد.
صرخ
افتح يا بابا!
ولما فضل مفيش رد، ضرب القفل بالعتلة.
الباب اتكسر.
لكن أول ما الباب وقع، وقفنا كلنا مكاننا.
اللي شوفناه جوه الأوضة خلّى كل الشكوك اللي كانت في دماغنا تبان فجأة ظلم بشع.
لأن جنب مريم، كانت فيه حاجة محدش فينا توقع يشوفها.
صور قديمة جدًا وصورة واحدة بالذات كانت كفيلة إنها تقلب الحكاية كلها.
وساعتها فهمنا إن جوا البيت ده سر مستخبي من سنين
وسر مريم ما كانش له أي علاقة بالفلوس.
ولا بالجوازة أصلًا.
لكن الحقيقة اللي هتظهر بعدها كانت أخطر بكتير مما تخيلنا
أحمد وقف عند باب الأوضة، والعتلة لسه في إيده.
أنا كنت وراه، لكن أول ما بصينا جوه محدش فينا عرف يتكلم.
مريم كانت قاعدة على الأرض، ضامة ركبها لصدرها، وبتترعش بشكل مرعب.
وقدامها، على السرير، كانت الصور متبعثرة.
صور أبيض وأسود.
صور قديمة جدًا.
لكن اللي خلانا نتجمد مكاننا كانت صورة واحدة.
صورة لست شابة واقفة قدام بيت ريفي قديم، وفي إيدها طفلة صغيرة.
والست دي
كانت أم مريم.
أحمد قرب من الصورة ببطء.
دي أمك؟
مريم رفعت عينيها له، ودموعها نازلة.
هزت راسها.
أيوه.
حمايا كان واقف في الركن، ووشه أبيض تمامًا.
أحمد بص له.
إنت تعرف الصورة دي؟
الحاج محمود ما ردش.
مريم قامت بصعوبة، ومشيت ناحية الدولاب، وطلعت ظرف بني قديم.
مدته لأحمد.
افتحه.
أحمد فتحه.
جواه ورقة قديمة، وصورة تانية، ومفتاح صغير.
قرأ أحمد الورقة، وكل ما كان بيكمل سطر، ملامحه كانت بتتغير.
بابا إيه ده؟
الحاج محمود قعد على طرف السرير.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شوفته مكسور.
قال بصوت واطي
أم مريم كانت بنت أختي.
اتسعت عيني.
إيه؟!
مريم نفسها شهقت.
إنت قلتلي إن أمي ماتت من غير أهل!
الحاج محمود غمض عينيه.
كنت فاكر إنها ماتت وهي قاطعة كل صلتها بيا.
سكت شوية، وبعدين قال
لكن الحقيقة أسوأ.
قبل 20 سنة، كانت أختي متجوزة راجل اسمه حمدي.
حمدي كان نصاب، وعليه ديون كتير.
وفي يوم، اختفى.
وساب وراه ديون وأوراق ومشاكل.
أم مريم كانت وقتها لسه صغيرة، ومعاها بنتها الرضيعة.
حاولت تستنجد بيا.
وأنا ساعدتها.
بعتلها فلوس، وخليتها تشتغل عند واحدة أعرفها، وطلبت منها تاخد بنتها وتبدأ حياة جديدة.
لكن بعدها بأيام
اختفت.
محدش عرف راحت فين.
فضلت أدور عليها سنين.
لحد ما عرفت إنها ماتت.
أحمد بص لمريم.
طب وإنتِ عرفتي أبويا إزاي؟
مريم مسحت دموعها.
من أربع شهور.
سكتت.
وبعدين قالت
قبل ما أمي تموت كانت سايبة لي صندوق.
جواه الصور دي والورقة ومفتاح.
وقالتلي لو حصل لها حاجة، أدور على الراجل اللي اسمه محمود.
وتسأله عن حاجة اسمها أرض الميناء.
أنا ما فهمتش.
لحد ما دورت.
ولقيت اسم الحاج محمود.
وقتها روحت له.
لكن
ما كنتش رايحة عشان الفلوس.
كنت رايحة عشان أعرف أمي كانت بتتكلم عن إيه.
أحمد قلب الورقة.
كان مكتوب عليها
يا محمود، لو بنتي وصلت لك، ماتسيبهاش لوحدها. الناس اللي خدت مني الأرض هتحاول توصل لها.
سكتنا كلنا.
أنا بصيت للحاج محمود.
أرض إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
الحاج محمود انتفض.
بص ناحية الشباك.
وبص لمريم.
وقال
وصلوا.
أحمد قرب من الشباك.
مين؟
الحاج محمود قال
الناس اللي كنت بحاول أبعدهم عنك من أول يوم.
وفجأة
جرس الباب رن.
مرة.
واتنين.
وبعدين خبط شديد.
صوت راجل من بره
يا حاج محمود! افتح! إحنا عارفين إن مريم عندك!
أحمد بص لأبوه.
إنت كنت متوقع ده؟
أيوه.
ومخبي علينا ليه؟
الحاج محمود بص له بحزن.
عشان لو عرفتوا الحقيقة، كنتوا هتخافوا عليها وأنا كنت محتاجكم تعتبروا الجوازة دي جوازة عادية.
أحمد اتصدم.
يعني إنت اتجوزتها عشان تحميها؟
مريم ردت بدل أبوه
لأ.
وسكتت لحظة.
أنا اللي طلبت منه نتجوز.
أحمد بص لها بعدم تصديق.
إنتِ؟!
هزت راسها.
كان في ناس بيدوروا عليا.
وأنا ما كانش عندي مكان أروح له.
والحاج محمود كان أكتر شخص أمي وثقت فيه.
لكن كان في مشكلة
أنا كنت قاصر وقت بداية الموضوع، ومحدش كان يعرف الحقيقة كاملة.
الحاج محمود قال لها
بعد ما بقيتي 19 سنة، لو فضلتي عايزة تتجوزيني، هنتجوز رسمي.
أنا وافقت.
مش عشان فلوسه.
عشان كان وعد أمي إنه ما يسيبنيش.
أحمد حط إيده على دماغه.
طب والناس اللي بره دول عايزين إيه؟
الحاج محمود فتح درج مكتبه، وطلع ملف كبير.
حطه قدامنا.
الأرض.
فتح الملف.
كانت فيه عقود، وإيصالات، وصور لأشخاص، وتحويلات بنكية.
قال
أبو مريم
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *