في جنازه امه
في جنازة أمه، طفل شوارع أقسم إنها لسه عايشة… وخد ابنها للسر اللي عيلته نفسها دفنته تحت الزبالة والكدب.
الجزء الأول
يا بيه، سامحني… بس والدتك مش ميتة. أنا شوفتها امبارح وهي بتدور على أكل ورا صناديق الزبالة.
صوت الولد شق الصمت اللي كان مالي مقابر الإمام الشافعي زي حجر اتحدف على إزاز واتكسر.
كانت مراسم الجنازه خلاص بتكتمل والناس واقفه قدام النعش المقفول لفاطمة المنشاوي، أرملة محمود المنشاوي.
الورد الأبيض كان مالي المكان، ورجال أعمال لابسين بدلات سودا، وكاميرات قنوات، وأكتر من 300 شخص لابسين نضارات سودة وبيمثلوا الحزن.
أحمد المنشاوي، عنده 40 سنة، حس إنه مش قادر ياخد نفسه.
خمس سنين وهو بيدور على أمه.
صرف فلوس على محققين، أعلن عن مكافآت، ظهر في البرامج، وخلى نص البلد تتكلم عن مأساته.
من أسبوعين بس، النيابة بلغته إن بقايا جثة اتلاقت في منطقة مهجورة في أطراف القاهرة غالبًا بتخص والدته.
التطابق ماكانش كامل، لكن أخوه طارق كان مصر يقفل الملف.
خلاص يا أحمد… أمي تستحق ترتاح، وإحنا كمان.
وفجأة ظهر الولد الرفيع ده.
قميصه مقطوع، والكوتشي بتاعه مفتوح، ووشه مليان تراب.
ماكانش شكله نصاب.
كان بيترعش زي حد وصل متأخر قوي عشان ينقذ حد.
طارق وقف قدامه فورًا.
طلعوه بره. ده عيل شوارع
عايز يطلع بقرشين. بقى حتى الجنازات مبقاش ليها حرمة.
الولد هز راسه بسرعة ويأس.
أنا مش عايز فلوس. اسمي مروان. شوفت الست دي في مدينة نصر، جنب العمارات اللي البناء فيها واقف. كانت لابسة سلسلة فيها تعليقة على شكل عصفور، لونها دهب قديم وفيها فص أخضر صغير. ومنقار العصفور فيه خبطة صغيرة.
أحمد حس إن الدنيا كلها بتنهار حواليه.
التفصيلة دي عمرها ما اتقالت في الإعلام.
أمه ماكانتشي بتقلع السلسلة دي أبدًا.
الخبطة دي حصلت لما كان أحمد عنده 9 سنين وكسر فاترينة في البيت وهو بيلعب كورة.
فاطمة رفضت تصلحها وقتها وقالت
بعض الخدوش بتخلي الحاجة أغلى.
شوفتها فين؟ أحمد سأل بصوت واطي.
ورا صندوق زبالة أزرق قريب من الأرض الفاضية. بتستنى لحد الضلمة وتنزل تدور على أكل. وقالتلي لو ابنها لقاها، هيقتلوه.
الهمسات عليت وسط الناس.
والشيخ وطّى عينيه.
طارق مسك دراع أخوه.
إنت منهار يا أحمد. مش هتلغي الجنازة عشان كلام عيل شوارع.
أحمد بص للنعش المقفول.
وبعدين بص لمروان.
وقال
الجنازة اتلغت.
المقابر كلها سكتت.
بعد دقايق، كان أحمد سايق عربيته ناحية مدينة نصر ومروان قاعد جنبه.
مشيوا أكتر من عشرين دقيقة وسط طين، وحديد مرمي، ومشمعات مقطعة، وزبالة في كل حتة.
أحمد فضل يصرخ
يا أمي!
لحد ما صوته راح.
وفجأة، مروان شاور على صندوق زبالة أزرق.
ورا الصندوق، كانت ست رفيعة جدًا بتفتش في كيس أسود.
شعرها الرمادي منكوش، ورجليها ملفوفة بقطع قماش، وعينيها الخضرا غرقانة من التعب.
ولما رفعت وشها…
أحمد شاف السلسلة.
أمي…
الحاجة فاطمة رجعت لورا بخوف.
لا يا أحمد… ماكانش المفروض تيجي. لو شافوك معايا هيقتلوك.
ولما حاول يحضنها…
صرخت كأن ابنها نفسه حكم بالموت عليها.
الجزء الثاني الحقيقة اللي كانت مخفية خلف الخوف
صوت صرخة فاطمة قطع الهواء الملوث بالدخان والروائح الكريهة، وارتد في جدران العمارات المهجورة اللي حوليهم زي صدى عذاب قديم. أحمد تجمد مكانه، يده ما زالت ممدودة ناحيتها، عينيه مغرقتين بالدموع اللي ما قدرش يمنعها طوال خمس سنين من البحث والخوف والشك. ما كانش متوقع إن أول كلمة تطلع من فم أمه بعد كل ده تكون تحذير، ولا إن أول نظرة تلاقيها فيه تكون نظرة رعب مش اشتياق.
مروان وقف ورا أحمد بصمت، يديه في جيوب قميصه المقطوع، وعينيه بتتحرك بحذر يمين وشمال زي ما كان متوقع أي لحظة تيجي ناس أو تيجي مصيبة. كان عارف أكتر من أي حد إن السر ده مش مجرد قصة عيلة، وإن وراء اختفاء الست دي قوة مش سهلة، وإن كلامها هيقتلوك مش مجرد خوف من عقلها المريض بالوحدة والجوع.
أحمد رجع خطوة لورا ببطء، صوته مخنوق
مين اللي هيقتلني يا أمي؟ مين اللي خلاكي تعيشي هنا زي المسكينة؟ خمس سنين وأنا بدور عليكي في كل حتة، صرفت كل ما أملك، نزلت في البرامج، سألت كل واحد عنده صلة بينا… وانتِ هنا، على بعد كيلومترات من بيتنا، تعيشي ورا صناديق الزبالة؟
فاطمة سندت ظهرها في الحائط الطيني المتآكل، وجسمها الرفيع اهتز من البكاء الصامت اللي ما طلعش منه صوت. رفعت يدها بتترعش ومسكت السلسلة اللي في رقبتها، زي ما كانت بتستمد قوة من الخبطة القديمة اللي كانت علامة على حب ابنها الوحيد ليها. قالت بصوت ضعيف بالكاد يسمع
يا ولدي… ده مش بيدي. ده قدر كتبوه ليا، وكنت عايزة أحميك منو. كنت عايزة تفضل تعيش في سلام، وما تندمجش في وحوش ما لهمش قلب ولا دين.
في اللحظة دي، صوت طارق صدى من وراهم، قوي وغاضب
إنت مجنون يا أحمد؟ بتقول إنك لقيتها؟ ده مش أمي، دي مجنونة تشبهها شوية، وده الولد خدعك عشان يضحك علينا!
أحمد التفت بسرعة لقى أخوه واقف عند بداية الأرض الفاضية، وراءه اتنين من الرجال اللي كانوا معاهم في الجنازة، وسياراتهم واقفة في الطريق الوعر. طارق كان بيتنفس بصعوبة، وجهه أحمر من الغضب، وعينيه ما كانتش بتتطلع لفاطمة ولا للحظة زي ما كان خايف يصدق عينيه.
فاطمة لما شافت طارق، رجعت لورا أكتر لحد ما لصقت في الحائط، وغطت وشها بيديها زي ما كانت بتشوف شبح. همست بصوت مسموع بس
لمحة نيوز