سلفتي اتريقت على توك المدرسه الى جبتها لبنتي ج1

منى السيد

الكبار، قررت تصفيها في قلب عيلة صغيرة عندها سبع سنين، لسه طالعة للدنيا ومش فاهمة يعني إيه فوارق طبقية ولا حقد ستات.
رجعت للمطبخ بالراحة من غير ما أعمل أي صوت، وقفلت الباب ورايا بهدوء. كانت بنتي مريم لسه قاعدة على الكرسي الخشب الصغير، حاطة التوك البسيطة في حجرها، وبتفرك إيديها الاتنين في بعض، عينيها البريئة باصة للأرض وكلها تساؤلات مكسورة.
نزلت لمستواها على ركبي، مسكت إيديها الصغيرة وبوستها من خدها. بنتي حست بيا، رفعت عينيها اللي كان فيهم لمعة دموع، وقالتلي بصوت واطي ومتردد
ماما، هو إحنا فقرا؟
الكلمة خبطت في قلبي خبطة وجعتني بجد. سحبت نفس طويل، وابتسمت في وشها بأهدى ابتسامة قدرت أرسمها، ومسحت على شعرها الناعم
مين قالك كده يا مريومة؟ إحنا مش فقرا يا حبيبتي، إحنا مستورين، وربنا مدينا نعم كتيرة أوي مش عند غيرنا، مدينا صحة، ومدينا بيت دافي، وبابا بيحبنا وبيشتغل ويتعب عشاننا، وإنتي أحسن وأجمل بنوتة في الدنيا كلها. الغنى يا قلبي مش بالفلوس الكتيرة ولا بالحاجة الغالية، الغنى إنك تكوني نضيفة من جواكي وبتحبي الناس ومبسوطة باللي ربنا قسمه ليكي.
بصت للتوك اللي في حجرها وقالت
بس طنط نيفين قالت إن توك مليكة من محل كبير، ومامتك جابتلك دول من السوق عشان مش معاها فلوس تجيب الغالي.
مسكت التوكة البينك اللي كان فيها وردة قماش صغيرة، ورفعتها قدام عينيها
بصي يا مريم، التوكة دي جميلة ومبهجة إزاي؟ لما تلبسيها وشعرك معمول ديل حصان نضيف ومرتب، وشك هينور أكتر ما هو منور، المحل مش هو اللي بيحلّي التوكة، إنتي اللي بتحلّي أي حاجة تلبسيها يا مريومة. الناس التانية ممكن تكون بتفكر بطريقة مختلفة، بس إحنا بنفكر كده.. الرضا بيخلي الحاجة البسيطة دهب، ماشي يا بطل؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وهزت راسها وقالت
ماشي يا ماما.
قومت حضنتها وشيلتها غسلت وشها، وقولتلها تروح تلعب في أوضتها لحد ما أجهز العشا. لكن من جوايا، النار كانت قايدة. كنت عارفة إن اللي جاي في أيام المدرسة مش هيكون سهل، وإن نيفين مش هتسكت، وبكرة ولا بعده هتبدأ تنفذ خطتها وتدخل مليكة في المقارنات قدام مريم.
مرت يومين، ويوم الجمعة اللي قبل افتتاح المدارس بيومين اتنين بس، نزلنا كلنا عند حماتي تحت في الشقة الكبيرة عشان نتجمع ونتغدا زي عوايدنا كل أسبوع. جوزي محمد كان راجع من شغله باين عليه التعب والإرهاق، داخل ومعاه كيسين فاكهة وعلبة حلويات بسيطة عشان أمه، وعماد كان قاعد هو ومراته نيفين وبنتهم مليكة بيتفرجوا على التلفزيون.
أول ما قعدنا، ولسه بنقول يا هادي، قامت نيفين وراحت ناحية الأوضة، ورجعت وهي شايلة شنطة كبيرة ومقلمة ولانش بوكس وكلهم عليهم رسومات كرتون طالعة تريند جديد وغالية جدا، وحطتهم على الترابيزة في نص الصالة قدام حماتي وقدامنا كلنا.
قالت نيفين بصوت عالي وهي باصة لمحمد جوزي بالذات
إيه رأيك يا ماما في شنطة مليكة؟ دي مستوردة مخصوص، جبتها من المول الكبير اللي في التجمع، وخامتها مبتبوظش خالص ومتبطنة من الضهر عشان ميجيلهاش تقوس، واللانش بوكس ده حراري بيحفظ الأكل سخن طول اليوم، أصلي بصراحة مبحبش استخسر في بنتي مليم، التعليم والمدارس عايزة الواحد يصرف وينضف.
حماتي بصت للشنطة وقالت بهدوء
مبروكين على البت يا نيفين، ربنا يباركلها فيهم، بس برضه يا بنتي ملوش لزوم التباهي والمصاريف الزيادة دي، الحاجة البسيطة بتأدي نفس الغرض والمهم الشطارة في المذاكرة.
نيفين لوحت بإيدها وقالت بغرور
لا يا ماما، البنت وسط زميلاتها لازم تكون مميزة ومحدش يبصلها بنص عين.. فين بقى يا إيمان شنطة مريم؟ ما تفرجينا عليها؟
قلبي دق، ومحمد جوزي بص للأرض بحرج وضيق، لإنه كان لسه مكملش فلوس الشنطة وكان متفق مع زميله في الشغل يشتري منه شنطة كويسة بسعر الجملة وهتوصل بكرة. كنت عارفة إن نيفين بتتعمد تسأل عشان تكسر جوزي وتكسفنا قدام أمه.
بصيت لنيفين بكل ثبات وابتسمت
مريم شنطتها بتاعت السنة اللي فاتت سليمة وزي الفل، مغسولة ومحطوطة في الدولاب، وباباها هيفاجئها بكرة بمقلمة وتوك وحاجات تانية هي نقّتها بنفسها ومبسوطة بيها جدا.
نيفين بصت لمريم بنظرة كلها مكر، وفتحت شنطة مليكة وطلعت منها ألوان فسفورية وأقلام بتنور ودفاتر عليها غلاف بيلمع، ونادت على مريم
تعالي يا مريومة شوفي عمو جاب إيه لمليكة.. شوفتي الدفاتر دي؟ شوفتي القلم اللي بيطلع ألوان ده؟ مش نفسك في واحد زي ده يا حبيبتي للمدرسة؟ قولي لبابا يجيبلك زيه بالظبط، ده باباكي بيحبك وهيجيبلك أغلى منه كمان، ولا هو مش بيجيب؟
محمد وشه احمر من الغيظ وإيده اتقبضت على ركبته، وحماتي اتضايقت وبصت لنيفين بزجر
جرى إيه يا نيفين؟ عيب الكلام ده!
لكن مريم عملت تصرف خلاني حسيت إني كسبت الدنيا وما فيها. مريم وقفت جمب باباها، حطت إيدها الصغيرة على كتفه، وبصت لنيفين وقالتلها بصوت طفولي صافي ومن غير أي تردد
أنا بحب حاجتي يا طنط، والشنطة بتاعتي بابا اللي كان منقّيها معايا السنة اللي فاتت، وأنا بحبها عشان هو اللي اختارها، وماما قالتلي إن القلم اللي بيعرف يكتب صح هو اللي شاطر، مش القلم اللي بينور.
الصالة كلها سكتت. كلمة مريم نزلت على نيفين زي القلم، وشها اتخطف ومعرفتش ترد بايه، وعماد ضحك غصب عنه وقال
الله ينور عليكي يا مريم، عقلك أكبر من سنك

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *