مشروع الدوناتس ج1 منى السيد

استغربت، أصل الشغل معاكي محترم ومكنتش متخيلة ده أسلوبك. خدي بالك من نفسك وابقي طمنيني.
قفلت المكالمة وإيدي كانت بتترعش برعشة مش قادرة أوقفها. مش خوف، دي رعشة القهر والغضب اللي بيملى البني آدم لما يلاقي أقرب الناس ليه بيطعنه وهو بيبتسم في وشه.
رميت التليفون على الرخامة وبصيت في الصالة.
شروق مكنتش موجودة، كانت نزلت من نص ساعة بحجة إنها رايحة تجيب حاجات لمامتها.
نزلت؟ لأ، دي هربت بعد ما رمت القنبلة بتاعتها واستنت الدنيا تولع من ورا ضهري!
مسكت التليفون تاني، وفتحت صفحة الشغل على فيسبوك وإنستجرام.
أول صدمة لقيتها، كانت الصفحة نفسها!
كنت سايبة التابليت القديم مفتوح عندي في البيت وفيه الأكونت عشان هي كانت بتقولي أحيانا بتصور مع العيال أو بتشوف البوستات، ولأن الباسووردات متسجلة، لقيتها مغيرّة رقم التواصل المحطوط في البايو بتاع الصفحة وحاطة رقمها هي! وغيرت رسالة الرد التلقائي اللي بترد على الزباين أهلا بيكم في صفحتنا، للطلبات برجاء التواصل واتساب على رقم كذا.
فتحت رسايل الصفحة، لقيت صندوق الرسايل مقلوب.
عشرات الرسايل من زبايني، ناس بتسأل هو إنتي غيرتي رقمك يا شيف؟، وناس تانية باعتة سكرين شوتس من محادثات واتساب هو إنتي مش شغالة خلاص؟، وناس معترضة على الأسعار الجديدة اللي البيه حطتها من دماغها!
قعدت على الكرسي في المطبخ ورجلي مش شيلاني.
افتكرت قبل تلات سنين، لما بدأت المشروع ده.
كنت بقف على رجلي بالساعات، أصحى الفجر عشان أخمر العجينة، وأقلي في الزيت وريحته تلزق في هدومي وشعري، وكنت بحرق إيديا مية مرة من السكر المغلي وصوص الكراميل، وأشيل كراتين الدقيق والزبدة على ضهري واطلع بيها الدور التالت عشان أوفر تمن التوصيل وأساعد طارق جوزي اللي كان طالع عينه في شركته ومش ملاحق على مصاريف الإيجار والأقساط.
افتكرت لما كنت بفرّحها بكل علبة دوناتس أعملها، وأقولها دوقي يا شوشو وقوليلي رأيك إيه في الصوص ده، إنتي أول واحدة لازم تدوقي.
افتكرت لما كانت بتشتكيلي إن سنها كبر ومحدش بيتقدملها، وإنها حاسة إنها مالهاش قيمة، وكنت أطبطب عليها وأقولها إنتي قمر يا شروق، وبكرة يجيلك أحسن راجل، وتعالي اشتغلي معايا وإنتي هتبقي صاحبة مكان.
كل ده اتردلي بإيه؟
بإنها تسرق زبايني؟ تسرق شقايا وتكتب اسمي على إعلان وفاتي المهنية وتقول للناس دي عيانة ومش قادرة تكمل؟!
في اللحظة دي، سمعت صوت المفتاح في الباب بيفتح.
قلبي دق دقة عنيفة.
طارق جوزي هو اللي دخل من الشغل. شكله كان مهدود وتعبان، لابس بدلته وشايل شنطته، ورامي المفاتيح على الترابيزة وهو بينادي
يا نورهان؟ ريحة الدوناتس قالعة في الشارع كله يا ستي، تسلم إيدك مقدما. فين العيال؟
طلعتله من المطبخ. مكنتش قادرة أبتسم، ولا قادرة أقول كلمتي المعتادة حمد الله على السلامة يا حبيبي.
طارق بص في وشي، ووقف مكانه أول ما شاف عينيا اللي كانت محتقنة بالدموع والغضب، وسألني بقلق
مالك؟ في إيه؟ العيال فيهم حاجة؟ حد جراله حاجة؟
شديت نفس طويل، وحطيت التليفون قدام عينه.
العيال كويسين يا طارق، الحمد لله. بس اللي جراله حاجة هو تعبي وشقايا اللي أختك المحترمة قررت تسرقه في وضح النهار.
طارق كشر، وعقد حواجبه بنفاد صبر كأنه كان متوقع خناقة ستات عادية، وقال وهو بيقلع جاكت البدلة
يووه بقى يا نورهان! هو كل يوم والتاني حوار مع شروق؟ أنا راجع من الشغل مفروم، ومش ناقص حوارات الغيرة دي، مالها شروق تاني؟ عملت إيه يعني عكرت مزاجك؟
الكلمة دي حرقتني أكتر.
غيرة؟ أنا بغير من شروق؟
قلتله بصوت واطي بس مليان سم
غيرت مزاجي؟ اتفضل، بص كده في التليفون ده وانت تعرف إذا كانت عكرت مزاجي ولا حرقت دمي وسرقتني.
طارق مسك التليفون، وبدأ يقرأ.
وشه بدأ يتغير واحدة واحدة. عينيه وسعت، وبدأ يمرر صباعه على الشاشة وهو بيشوف الرسايل اللي مبعوتة من رقم أخته للزباين. بيشوف كلامها للناس نورهان مش قادرة تكمل ومريضة، وإحنا الشركاء الجداد وهندير الشغل مكانها.
طارق بصلي وهو مصدوم ومبلول بالعرق
إيه ده؟ ده رقم شروق فعلا؟ هي… هي إزاي تعمل كده؟ يمكن في سوء تفاهم يا نورهان؟ يمكن كانت عايزة تساعدك وتخفف عنك لما شافتك مضغوطة؟
ضحكت ضحكة مكسورة مليانة مرار
تخفف عني يا طارق؟! تخفف عني بإنها تقول للناس إني عيانة ومش هشتغل تاني؟ تخفف عني بإنها تغير أرقام الصفحة لحسابها الخاص؟ تخفف عني بإنها تسرق داتا العملاء اللي أنا قعدت تلات سنين ألم فيهم زبون ورا زبون بثقتي وأمانتي ونضافتي؟ دي اسمها سرقة يا طارق! دي مش مساعدة، دي خيانة ونفسنة وقلة أصل!
طارق اتنرفز من كلمة قلة أصل، وقال بحدة
احترمي نفسك يا نورهان! دي أختي الكبيرة، متغلطيش فيها!
أختك الكبيرة على عينك وعلى راسي في بيتك وبينك وبينها! لكن في شغلي وتعبي، دي واحدة دخلت بيتي وسرقتني! والساكت عن الحق شيطان أخرس يا طارق، وإنت لو مش هتجيبلي حقي منها، أنا هعرف أجيب حقي كويس بالقانون وبالأدب وباللي أقدر عليه!
وقبل ما طارق يرد، الباب اتفتح تاني، ودخلت شروق.
كانت شايلة أكياس شيبسي وشوكولاتة، ولابسة نضارتها الشمس فوق طرحتها، وبتبتسم بمنتهى البراءة وهي بتقول
إيه يا جماعة، صوتكم طالع برة ليه كده؟ طارق إنت جيت بدري النهاردة؟
بصيتلها بنظرة خلتها ترجع خطوة لورا.
الابتسامة اللي على وشها بدأت تتجمد لما شافت وش طارق وهو ماسك التليفون، وشافتني وأنا واقفة متسمرة وعينيا عليها زي الصقر.
طارق سأل أخته وصوته بيترعش من الزعل والإحراج مني
شروق… إيه الرسايل دي؟
شروق بلعت ريقها، وحاولت تتظاهر بالغباء
رسايل إيه يا طارق؟ في إيه مالكم بتبصولي كده؟
طارق قرب منها ورفع التليفون في وشها
الرسايل اللي مبعوتة لزباين نورهان من رقمك! الرسايل اللي بتقولي فيها إنها عيانة وإنك بقيتي مديرة الصفحة والأوردرات معاكي! عملتي كده ليه يا شروق؟ انطقي!
شروق وشها احمر، وافتكرت للحظة إنها هتتكسف، أو هتعتذر، أو هتقول إنها غلطت وحاولت تعمل حركة مجنونة. لكن رد فعلها كان هو الصدمة الحقيقية ليا ولأخوها.
شروق رمت المفاتيح والأكياس على الجزامة، وربعت إيديها ورفعت راسها لفوق وقالت بكل بجاحة
وأنا عملت إيه غلط يعني؟ مش ده مشروع العيلة؟
أنا اتسمرت مكاني.
مشروع العيلة؟!
صرخت فيها من غير ما أعمل حساب لأي حاجة
مشروع مين يا روح أمك؟! مشروع العيلة إيه اللي إنتي بتتكلمي عليه؟! ده مشروعي أنا، دقيقي وزيتي وعجني وتصويري وشقايا وفلوسي! إنتي كنتي فين لما كنت بقع من طولي قدام الفرن وإنتي نايمة لحد الضهر وبتصحي تطلبي نسكافيه؟!
طارق مسك دراعي عشان يهديني وهو بيقول
نورهان وطي صوتك!
بس أنا نفضت إيده عني تماما وبصيت لشروق اللي كانت بتبصلي بغل وكراهية عمري ما شفتهم في عين بني آدم قبل كده.
شروق قربت مني وقالت بصوت واطي بس مليان حقد
مشروعك؟ ومن غير طارق كنتي هتعملي إيه؟ طارق هو اللي كان بيديكي مصروف البيت اللي بتوفري منه عشان تشتري الدقيق والشوكولاتة! طارق هو اللي جابلك العجان هدية في عيد جوازكم! وطارق ده أخويا، يعني فلوسه وحياته من حقي زي ما هي من حقك! وبعدين إنتي شايفة نفسك على

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *