سلسله وغويشه ج2 اماني السيد

رجعت حقي وزيادة، وخليت الكل يعرف إن القرش اللي بيطلع من عرق شقايا، مفيش راجل على وجه الأرض يقدر يبلعه ويهضمه بالساهل.

رجعت حماتي من الحج والزغاريد مالية العمارة، دخلت شقتها وهي ساندة على دراع ابنها، أول ما شافت العفش الجديد والدهانات وريحة النظافة، عينيها دمعت من الفرحة وفضلت تضرب كف على كف، وبقت تدعي له بصوت عالي سمّع العمارة كلها: «ربنا يوسع رزقك يا ضنايا، ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة، ويخلف عليك بالخير والبركة قد ما فرحت قلبي وعزيتني في كبري!».

التفتت لي وخدتني بالحضن وباست راسي وهي بتقول: «وأنتي يا بنتي ربنا يجبر بخاطرك ويسعدك، دايماً ساندة جوزك ووشك خير عليه». كنت وقتها وافقة لابسة عبايتي الشيك، وطقم الدهب الجديد بيلمع في رقبتي وإيديا، بصيت في عين جوزي اللي كانت مكسورة وعاجزة، ورديت عليها بابتسامة باردة وواثقة: «حج مبرور وذنب مغفور يا حماتى ، ده أقل واجب، وعقبال ما تشوفي شقتنا إحنا كمان لما جددناها على سنجة عشرة، ربنا ما يحرمنا من خير ابنك!».

جوزي بلع ريقه ولسانه لزق في سقف حلقه، كان واقف وشه أصفر زي الليمونة ومش قادر ينطق بنص كلمة ولا يفتح بقه بحرف واحد قدام أمه، لا قادر يكسر فرحتها ويقول لها إن الحجة والعفش دول دفع تمنهم ميكروباص من لقمة عيشه، ولا قادر يعترف بالفضيحة والضربة اللي أخدها على قفاه ومسح فيها كرامته عند أبويا وإخواتي.. فضل ساكت ومكتوم، يبتسم ابتسامة ميتة وكل مسمار في الشقة الجديدة حاسس إنه بيتحرق بيه من جوة.

من اليوم ده، انقلبت الموازين في البيت.. بقى هو اللي بيصحى من النجمة مطحون في الوردية على الميكروباص الوحيد اللي فاضل معاه، ويطبق ليل مع نهار عشان يسد مصاريف البيت، وبقى يدخل في الجمعيات دي يخرج من دي يدخل في غيرها، كل قرش يجيبه يربطه عشان يجمع مقدم لميكروباص جديد بدل اللي اتفرط، والغرور والعنجهية اللي كلمني بيهم زمان اتبخروا للأبد.

أما أنا، ففضلت قاعدة في شقتي المتجددة، أباشر خياطتي وزبايني ودهبي في إيدي، يشوفه كل يوم ويفتكر إنه كان فاكرني حيطة مايلة.. بس اتعلم بالدرس القاسي إن الست لما تكون جدعة وشقيانة، وراها ضهر وسند قادرين يقلبوا الطرابيزة في ثانية ويرجعوا لها حقها تالت ومتلت.

دارت الأيام ومرت الشهور ثقيلة عليه، وهو بين الصبح والليل ما بينفّسش، عينه ما بتشوفش النوم وكتفه انهدّ من لف الدركسيون وسداد الجمعيات اللي كانت خانقاه من رقبته. كان يرجع آخر الليل مهدود الحيل، هدومه ريحتها جاز وعرق، يدخل يلاقيني قاعدة على مكنتي بخيط ببال رايق، ودهبي بيلمع في إيدي وتحت نور اللمبة، يبص لي ويسكت، يبلع غيظه ومرارته وما يجرؤش يلمح بحرف، كأنه شايف قدامه جبل اتكسرت عليه شوكته زمان.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *