رجعت من السفر

بعد 6 سنين كاملة برّه مصر، رجعت على البيت اللي اشتريته لأمي من غير ما أقول لحد إني راجعة.
كنت فاكرة إني هفاجئها وأشوف الفرحة في عينيها.
لكن أول ما خبطت على الباب، جوز أختي هو اللي فتحلي.
بصلي من فوق لتحت، وقال بكل برود
لو جاية تدوري على شغل، الخدامة ورا في الحوش.
الخدامة كانت أمي.
والبيت؟
البيت كان باسمي أنا.
بصيت في ساعتي وقلت له بهدوء
تمام… خليك لحد الساعة 9.
ضحك وهو فاكر إني بهزر.
لكن الساعة 859 بالظبط، 3 عربيات وقفت قدام البيت…
وساعتها بس، الضحكة اختفت من على وشه.
اسمي سلمى عبدالرحمن.
من 6 سنين سافرت الإمارات عشان أشتغل هناك، وكل سنة كانت بتعدي عليّا وأنا بعيدة عن أمي، وأنا بقول لنفسي
استحملي… كلها كام سنة وهتخليها تعيش مرتاحة.
كنت بشتغل في أكتر من مشروع، وباخد شغل فوق طاقتي، وأحيانًا كنت بقعد بالساعات في المكتب لحد ما الناس كلها تمشي.
فاتتني أعياد ميلاد.
فاتتني أعياد.
وفاتتني مناسبات كتير كان نفسي أكون فيها جنب أمي.
بس كان عندي هدف واحد.
إني أأمّن لها باقي عمرها.
أمي، أمينة، كانت ست بسيطة عمرها 62 سنة.
طول عمرها بتشتغل.
مرة تنظف بيوت، ومرة تساعد في مكتب، ومرة تشتغل ورديتين عشان توفر مصاريف البيت.
وأنا كنت شايفة إنها دفعت تمن كفاية في الدنيا.
قبل رجوعي بسنتين، اشتريت لها بيت كبير في كومباوند محترم في القاهرة الجديدة.
البيت كان 4 أوض، وجنينة صغيرة، وجراج، وكل حاجة ممكن تحتاجها.
دفعت تمنه حوالي

11 مليون جنيه كاش.
وكان باسمي أنا.
مش باسم أمي.
مش باسم أختي.
باسمي أنا.
وكل شهر كنت بحوّل لأمي حوالي 55 ألف جنيه عشان الأكل، والعلاج، والفواتير، وأي حاجة نفسها فيها.
كنت عايزاها تصحى الصبح من غير ما تفكر في الفلوس.
كنت عايزاها تحس أخيرًا إن تعب السنين خلص.
وعشان كده، يوم ما رجعت مصر، قررت ما أقولهاش.
قلت أروح لها فجأة.
أتخيل شكلها وهي تفتح الباب وتلاقيني واقفة قدامها بشنطتي.
لكن اللي فتح الباب ماكانش أمي.
كان حسام… جوز أختي.
كان لابس روب غالي، وفي إيده كباية ويسكي، وواقف في البيت بثقة واحد مش عارف إن المكان مش ملكه.
بصلي وقال
أيوه؟ عايزة مين؟
قلت
ماما موجودة؟
بصلي باستغراب.
ماما مين؟
قلت
أمينة… مرات أبويا؟ أقصد أمي.
ضحك وقال
آه أمينة؟
وبعدين بص على هدومي وشنطتي وقال
لو جاية تدوري على شغل، الخدامة ورا بتنضف الحوش.
في اللحظة دي حسيت إن الدم نشف في عروقي.
قلت
الخدامة؟
قال بمنتهى العادية
أيوه يا ستي. روحي لها وقولي لها تخلص بسرعة عشان عندنا ناس جايين الساعة 7.
وقفل الباب في وشي.
فضلت واقفة ثواني مش مستوعبة.
جوز أختي قفل الباب في وشي؟
في بيتي؟
قدام أمي؟
لفيت من جنب البيت وروحت ناحية الحوش الخلفي.
وهناك…
شوفتها.
أمي.
واقفة على ركبها فوق الأرض، ماسكة فرشة وسطل مية، وبتحاول تشيل الدهون من على أرضية المكان اللي بيعملوا فيه حفلات وشويات.
كانت لابسة هدوم بيت قديمة.
الهدوم واسعة عليها بشكل واضح.
إيديها كانت حمرا ومليانة تشققات.
حتى ركبتها كان باين عليها إنها اتبهدلت من كتر ما كانت بتقعد على الأرض.
وقفت مكاني.
صوتي خرج بالعافية
ماما؟
إيديها اتجمدت.
الفرشة وقعت من إيدها جوه السطل.
رفعت راسها ببطء.
بصتلي.
فضلت كام ثانية مش مصدقة.
وبعدين همست
سلمى؟
جريت عليها.
أيوه يا ماما.
حاولت تقوم بسرعة، لكن رجليها خانتها.
مسكتها قبل ما تقع.
حضنتني وهي بتعيط.
يا بنتي… رجعتي؟
وأنا كنت بحضنها، بس عيني ما كانتش قادرة تبعد عن إيديها.
عن هدومها.
عن جسمها اللي خِس بشكل واضح.
قلت لها
إيه اللي حصل لك؟
قالت بسرعة
مفيش حاجة يا بنتي.
مفيش حاجة؟!
بصتلي وهي بتحاول تبتسم.
أنا كويسة.
مسكت وشها بإيدي.
ماما… بصيلي.
أول ما بصت في عيني، انهارت.
وقعدت تعيط.
بعد وقت طويل من السكوت، بدأت تحكيلي.
أختي داليا وحسام كانوا جُم من حوالي سنتين.
قالوا لها إنهم عندهم أزمة ومحتاجين يقعدوا كام أسبوع لحد ما أمورهم تتظبط.
وأمي، كعادتها، قلبها طيب.
قالت لهم
البيت بيتكم.
إديتهم أوضة الضيوف.
لكن الأسابيع اتحولت لشهور.
وبعدين سنة.
وبعدين سنتين.
وفي يوم، حسام قال إن أوضة الضيوف مش مناسبة له.
فأخدوا الأوضة الرئيسية.
وبعدها بدأوا يتحكموا في كل حاجة.
الأكل.
التنضيف.
الغسيل.
العزومات.
حتى مواعيد أمي نفسها.
وبعد فترة نقلوا أمي لأوضة صغيرة جنب المطبخ.
لكن المصيبة الأكبر كانت الفلوس.
أمي قالت لهم إن أنا كل شهر بحوّل لها فلوس.
فأقنعوها إن وجود الفلوس معاها خطر، وإنهم هيحافظوا عليها.
وأخدوا منها الكروت والحسابات.
ومن يومها…
بقت أمي هي اللي بتخدمهم في البيت اللي أنا اشتريته ليها.
قلت وأنا مش مصدقة
وإنتِ ليه ما قولتيليش؟
وطت راسها.
كانوا بيقولولي لو كلمتك هتتعصبي وتسيبيني.
مين؟
داليا وحسام.
سكتت شوية، وبعدين قالت
وكانوا بيقولولي إن البيت مش مضمون إنه يفضل ليا… وإنك ممكن تبيعيه في أي وقت.
بصيت لها وأنا حاسة إن كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
افتكرت مكالمات الفيديو.
كل مرة كنت أكلم أمي، كانت قاعدة في نفس الركنة.
نفس الابتسامة.
نفس الجملة
أنا كويسة يا بنتي… متقلقيش.
وأنا كنت مصدقاها.
بصيت للفرشة اللي كانت واقعة على الأرض.
مسكتها.
رميتها بعيد.
وقلت
من النهارده، إنتِ مش هتنزلي على ركبتك عشان تنظفي لحد.
مسكت إيدها ودخلنا البيت.
داليا كانت قاعدة على الكنبة، ماسكة الموبايل.
أول ما شافتني، وشها اتغير.
سلمى؟!
حسام بصلي.
ركز في وشي شوية.
وفجأة قال
استني… إنتِ أخت داليا اللي كانت في الإمارات؟
قلت
أيوه.
وبعدين بصيت حواليّا.
وأنا صاحبة البيت.
السكوت نزل على المكان كله.
حسام حاول يضحك.
إيه يا بنتي، إنتِ جاية تعملي فيلم؟
قلت
لأ. أنا جاية أشوف أمي.
وبعدين بصيت له مباشرة.
وأسمعك وإنت بتقول عليها خدامة.
وشه اتشد.
إنتِ فهمتي غلط.
أنا سمعي كويس جدًا.
يا سلمى دي كانت هزار.
وبعدين بص لأمك وقال
وبعدين أمك بتحب تشتغل… يعني قاعدة فاضية تعمل إيه؟
بصيت لأمي.
وبعدين رجعت بصيت له.
قلت
عندكوا نص ساعة.
داليا قامت من مكانها.
نص ساعة إيه؟
تلموا هدومكم وتمشوا.
صرخت
نعم؟!
قلت بهدوء
سمعتيني.
حسام قرب مني وقال
إنتِ مين أصلًا عشان تطردينا؟
ضحكت من غير ما يكون في أي فرحة في ضحكتي.
أنا
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *