يوم عيد ميلادي حكايات توتا
عدت من جنبي بسرعة، وليلى وراها.
نزلت على ركبتها جنب ابننا وفضلت تقول له
خد نفسك يا حبيبي خد نفسك.
أنا ما اتكلمتش.
حاجة جوايا اتكسرت.
اندفعت ناحية سامح.
المضرب وقع من إيده.
وضربته.
مرة
ووراها مرة تانية.
وهو اتخبط في الحيطة، والدم ظهر على وشه.
مريم صرخت باسمي، وقالتلي أبعد عنه، وحذرتني إني ممكن أموته.
لكن صوتها كان بعيد عني.
كل اللي كنت شايفه قدامي هو ابني
واقع على الأرض ومش قادر يتنفس.
لما أخيرا بعدت عنه، كان الجراج مليان ناس واقفة بتبص علينا، كأنهم دخلوا فجأة في كابوس.
أبويا صرخ
وليد! خلاص!
صوته كان مكسور.
سامح وقع على ركبته وهو بيحاول ياخد نفسه.
ومضرب البيسبول كان مرمي على الأرض الخرسانية جنبه، عليه تراب، وساكت كأنه شاهد على كل اللي حصل.
لفيت بسرعة ناحية نوح.
كانت كدمة كبيرة وعميقة بدأت تنتشر على ضلوعه، لونها غامق ومخيف.
ليلى كانت واقفة متجمدة عند باب الجراج، والدموع نازلة على وشها من غير صوت.
مريم بصت لسامح، وصرخت فيه
إنت عملت إيه؟!
صوتها كان مليان غضب وصدمة.
سامح ما ردش.
فضل باصص قدامه، تايه ومذهول، كأنه لسه مش قادر يستوعب حجم المصيبة اللي عملها.
الفصل الأول اليوم اللي انتهى فيه كل شيء
سامح ما ردش.
فضل باصص قدامه، تايه ومذهول، كأنه لسه مش قادر يستوعب حجم المصيبة اللي عملها.
أما أنا، فكنت راكع جنب نوح.
حطيت إيدي تحت رقبته بحذر، لكن أول ما حاولت أساعده يتحرك، صرخ.
صرخة خلت الدم يتجمد في عروقي.
مريم قربت منه أكتر، وهي بتحاول تمنع نفسها من الانهيار.
قالت بصوت مهزوز
ما تحركوش… ما تحركوش خالص.
طلعت تليفوني بإيد بتترعش، واتصلت بالإسعاف.
وأنا بتكلم، سمعت أبويا بيقول من ورايا
وليد… استنى.
لفيت له.
إيه؟
كان واقف جنب سامح.
مش جنب حفيده.
جنب سامح.
قال
الموضوع خرج عن السيطرة، بس لازم نفكر.
بصيتله كأني مش فاهم.
نفكر في إيه؟
أمي كانت واقفة وراه، وشها أبيض.
قالت
الناس كلها موجودة.
بصيت حوالي.
فعلا.
كل الناس كانت موجودة.
أقارب.
جيران.
أولاد.
أصحاب.
ناس كانت من شوية بتضحك وتهزر.
ودلوقتي كلهم واقفين ساكتين.
لكن الجملة اللي أمي قالتها بعدها هي اللي خلتني أفهم إن المصيبة بالنسبة لهم مش إن نوح اتصاب.
قالت
لو الإسعاف والشرطة جم، الموضوع هيكبر.
بصيت لها.
وبعدين بصيت لابني.
ثم رجعت أبصلها.
ابني بيتألم على الأرض.
قالت بسرعة
أنا عارفة.
لأ. إنتي مش عارفة.
صوتي كان هادي بشكل غريب.
لو كنتي عارفة، ماكنتيش واقفة بتتكلميلي عن الناس.
مريم بصتلي.
وفي اللحظة دي، أنا شفت في عينيها نفس الحاجة اللي كانت في عيني.
القرار.
مش هنغطي على حاجة.
مش هنخبي حاجة.
مش هنسمح لحد يحول ابني من ضحية لمشكلة اجتماعية.
الإسعاف وصل بعد دقائق، لكنها بالنسبة لي كانت ساعات.
المسعفين دخلوا الجراج، وبدأوا يفحصوا نوح.
أحدهم سأل
إيه اللي حصل؟
قبل ما أجاوب، سامح قال
حصلت خناقة بين الولاد.
لفيت ناحيته.
قلت
لأ.
المسعف بصلي.
قلت
أخويا ضرب ابني بمضرب بيسبول.
الصمت رجع تاني.
سامح بصلي بصدمة.
أبويا قال
وليد…
قاطعت كلامه
أنا قلت الحقيقة.
المسعف سأل
المضرب فين؟
أشرت للأرض.
هناك.
المسعف التاني قرب منه.
محدش يلمسه.
نوح كان بيتألم بشدة.
حاول يفتح عينه ويبصلي.
قال بصوت ضعيف
بابا…
نزلت لمستواه.
أنا هنا يا حبيبي.
أنا… آسف.
حسيت قلبي بيتقطع.
آسف على إيه؟
دموعه نزلت.
أنا كنت بحاول آخد الاسكوتر.
قلت
ده بتاعك.
بس…
مفيش بس.
قربت وشي منه.
إنت ما عملتش حاجة غلط.
المسعفين ثبتوا جسمه ونقلوه على النقالة.
مريم مشت معاهم.
ليلى كانت لسه واقفة مكانها.
رحت لها.
ركعت قدامها.
ليلى.
ما ردتش.
بصيلي.
رفعت عينيها.
كانت بتبكي من غير صوت.
جسمها كان بيرتعش.
قالت
عمو سامح ضرب نوح.
عارف.
بالمضرب.
عارف.
هو كان ممكن يموت؟
السؤال دخل جوايا زي السكينة.
سكت ثانيتين.
وبعدين قلت
الدكاترة هيساعدوه.
هي عيطت أكتر.
أنا كنت شايفة.
مش ذنبك.
هزت راسها.
أنا كنت هجيب بابا… بس كنت خايفة.
إنتي عملتي الصح.
لكن الحقيقة؟
ماكنتش عارف إذا كنت بقول الحقيقة ولا بحاول أهون عليها.
دخلت العربية ورا الإسعاف، ومريم ركبت مع نوح.
وأنا قبل ما أتحرك، بصيت ناحية الجراج.
سامح كان واقف.
أبويا وأمي حواليه.
ولا واحد فيهم كان بيسأل
نوح حالته إيه؟
كل تركيزهم كان على سامح.
أمي كانت بتتكلم معاه.
أبويا كان بيحاول يهدّيه.
كأن هو اللي اتضرب.
كأن هو اللي اتصاب.
كأن حفيدهم اللي ممكن يكون عنده إصابة خطيرة مجرد تفصيلة جانبية.
ساعتها فهمت حاجة.
أنا طول عمري كنت فاكر إن تفضيلهم لسامح مجرد ظلم.
لكن الظلم اللي بيحصل مرة ممكن الواحد يستحمله.
إنما اللي حصل النهارده كان حاجة أكبر.
كان نظام كامل.
نظام بيحمي سامح مهما عمل.
حتى لو الثمن ابني.
وصلنا المستشفى.
دخلوا نوح الطوارئ فورًا.
مريم كانت واقفة جنبي، إيديها متشابكة قدامها.
كل شوية تبص على باب الطوارئ.
وأنا كنت ماشي رايح جاي.
بعد حوالي نص ساعة، الدكتور خرج.
قربنا منه.
قال
مين والد الولد؟
أنا.
ابنك عنده إصابة قوية في منطقة الحوض، وفيه كسر واضح، وإحنا محتاجين نعمل أشعات وفحوصات أكتر عشان نحدد حجم الإصابة.
حسيت الأرض بتتحرك تحتي.
يعني إيه؟
يعني محتاج متابعة دقيقة، وممكن يحتاج تدخل جراحي حسب نتيجة الأشعات.
مريم مسكت إيدي.
الدكتور كمل
هو واعي، لكن الألم شديد.
قلت
هيبقى كويس؟
الدكتور سكت لحظة.
إن شاء الله.
بس طريقة سكوته كانت كفاية تخوفني.
دخلت أقعد جنبه لما سمحوا لي.
نوح كان شاحب.
شايفني، لكنه حاول يبتسم.
بابا.
أيوه.
عيد ميلادك باظ.
ضحكت رغم دموعي.
إنت مجنون؟
كنت عايز أجيبلك هدية.
حطيت إيدي على شعره.
أحسن هدية إنك تقوملي بالسلامة.
سكت شوية.
وبعدين قال
بابا؟
نعم؟
هو عمو سامح هيتعاقب؟
السؤال ده كان لازم يتسأل.
لكن من طفل عنده 14 سنة؟
كان مؤلم أكتر.
قلت
اللي حصل مش هيتدفن.
بصلي.
وعد؟
وعد.
خرجت من الأوضة.
لقيت مريم مستنياني.
قالت
أهلك جم.
بصيتلها.
فين؟
في الاستقبال.
نزلنا.
أبويا كان واقف، وأمي قاعدة.
سامح ماكنش موجود.
أول ما شافوني، أبويا قال
طمني.
قلت
الدكتور قال عنده كسر في الحوض.
أمي شهقت.
يا حبيبي.
بصيتلها.
ابنك ولا حفيدك؟
سكتت.
أبويا قرب مني.
وليد، محدش قال إن اللي حصل بسيط.
أمال إيه؟
سامح كان منفعل.
وده يديه حق يضرب طفل بمضرب؟
هو ماكانش قاصد…
ضحكت.
ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة.
ماكانش قاصد إيه؟
أبويا قال
يمكن كان عايز يخوفه.
بمضرب؟
هو فقد أعصابه.
ودي أول مرة؟
سكت.
أنا كملت
لأني فاكر كل مرة كنتوا بتقولوا فيها نفس الجملة.
مريم وقفت جنبي.
أمي قالت
إحنا عايزين نحل الموضوع جوه العيلة.
بصيتلها.
الموضوع خلص.
يعني إيه؟
يعني أنا مش هخبي حاجة.
أبويا اتعصب.
هتدخل الشرطة في الموضوع؟
قلت
آه.
صمت.
أمي قامت.
وليد، ده أخوك.
وده ابني.
العيلة…
قاطعتها
العيلة كانت فين لما ابني وقع على الأرض؟
محدش رد.
العيلة كانت فين لما كان بيصرخ؟
ولا كلمة.
العيلة كانت بتفكر في شكلها قدام الناس.
أبويا قال
إنت هتندم.
بصيتله.
أنا ندمت على حاجات كتير.
قربت منه.
بس أكتر حاجة ندمت عليها إني صدقت إن السكوت بيحمي العيلة.
في اللحظة دي، مريم مدت إيدها لتليفونها.
وقالت
أنا اتصلت بالمحامي.
أبويا بص لها.
إنتي كمان؟
قالت بهدوء
أنا أم.
الجملة كانت بسيطة.
لكنها أنهت أي نقاش.
في نفس الليلة، تم تحرير محضر.
المضرب اتاخد كدليل.
والناس اللي كانوا موجودين اتسجلت شهاداتهم.
وأكتر حاجة أوجعتني؟
إن بعضهم كان مستعد يقول الحقيقة.
لكن كان خايف.
واحد من الجيران قال
أنا شفت سامح وهو بيضرب الولد.
قريبي التاني قال
وأنا شفته ماسك المضرب.
حتى ياسين، ابنه، كان موجود.
ولما سألوه، قال
أبويا كان غضبان.
سامح حاول يتصل بيا.
ما رديتش.
بعتلي رسالة.
وليد، أنا غلطت.
ما رديتش.
رسالة تانية
والله ما كنت عايز أوصله لكده.
قفلت الموبايل.
مش عشان أنتقم.
لكن عشان لأول مرة في حياتي، كنت فاهم إن الكلام مش كفاية.
بعد ساعات طويلة، الدكتور خرج.
قال إن الأشعات أكدت وجود كسر في الحوض، وإن نوح محتاج عملية وتثبيت ومتابعة لفترة طويلة.
وقفت قدامه.
العملية خطيرة؟
كل عملية لها مخاطر، لكن الحالة مستقرة.
مريم بدأت تبكي.
وأنا حمدت ربنا بصوت منخفض.
دخلت لنوح.
كان نايم.
وقفت جنبه.
وبصيت لوشه.
طفل.
ابني.
الولد اللي كان من ساعات بيضحك في الجنينة.
دلوقتي مربوط بأجهزة.
في تلك اللحظة، اتخذت قرار.
مش بس هحاسب سامح.
هحاسب نفسي كمان.
على كل مرة سكت.
كل مرة قلت خليها تعدي.
كل مرة سمحت لأهلي يقنعوني إن الحفاظ على الهدوء أهم من وضع الحدود.
لأن الهدوء اللي مبني على خوف مش سلام.
ده تأجيل للانفجار.
وفي الليلة دي…
الانفجار حصل.
لكن اللي محدش كان يعرفه وقتها…
إن الحقيقة لسه ما ظهرتش كلها.
لأن في اليوم التالي، وأنا قاعد جنب سرير نوح، دخلت ليلى الأوضة.
كانت ماسكة حاجة في إيدها.
قالت
بابا.
أيوه؟
أنا لازم أقولك حاجة.
بصيتلها.
فتحت إيدها.
وكان فيها تليفون صغير.
قالت
أنا صورت حاجة قبل ما عمو سامح يضرب نوح.
اتجمدت.
صورتي إيه؟
قالت
كل اللي حصل.
رفعت عينيها لي.
بس فيه حاجة تانية.
إيه؟
قالت
عمو سامح ماكنش رايح الجراج صدفة.
قلبي دق بسرعة.
إنتي عرفتي منين؟
قالت
سمعته بيتكلم مع جدي.
سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة
كان بيقول له إن النهارده لازم يحصل حاجة تخلي نوح يتعلم الأدب.
نظرت لها.
لأول مرة، حسيت إن اللي حصل مش لحظة غضب.
يمكن كان فيه شيء أكبر.
شيء اتخطط له.
وشيء أهلي كانوا عارفينه قبل ما يحصل.
أخدت التليفون منها.
وقلت
ليلى… إنتي متأكدة؟
هزت راسها.
أنا سمعتهم.
فتحت الفيديو.
والصوت بدأ يشتغل.
وصوت أبويا ظهر بوضوح
خليه يتعلم، بس من غير ما الموضوع يكبر.
وبعده صوت سامح
سيبه عليا.
وقفت الصورة عند اللحظة دي.
بصيت لمريم.
هي كانت واقفة ورايا.
وشها اتغير.
قالت
وليد…
قلت
أيوه.
دي مش خناقة.
بصيت للفيديو.
أنا عارف.
وفي اللحظة دي، عرفت إن عيد ميلادي الأربعين ماكانش مجرد اليوم اللي اتصاب فيه ابني.
كان اليوم اللي انتهت فيه أكذوبة اسمها العيلة.
وبدأت معركة جديدة.
معركة أنا ماكنتش ناوي أخسرها.
الفصل الثاني الحقيقة اللي محدش كان عايزها تظهر
الفيديو ماكانش طويل.
دقيقتين وسبعتاشر ثانية.
لكن الدقيقتين دول كانوا كفاية يهدوا أربعين سنة من الأعذار.
قعدت أسمعه مرة.
وبعدين مرة تانية.
وفي كل مرة، كنت بكتشف حاجة جديدة في نبرة صوت أبويا.
ماكانش متفاجئ.
ماكانش بيحذر سامح.
كان بيديله مساحة.
خليه يتعلم.
الجملة فضلت ترن في دماغي.
مريم قالت
لازم الفيديو ده يبقى عند المحامي.
قلت
هيبقى.
ونسخة تانية.
وتالتة.
عملت أكتر من نسخة، وبعتها على أكتر من مكان.
مش عشان أنا شكاك.
لكن عشان اتعلمت أخيرا إن الأدلة أهم من الثقة.
في اليوم التالي، نوح