يوم عيد ميلادي حكايات توتا
دخل العملية.
الساعات اللي استنيتها قدام غرفة العمليات كانت أطول ساعات عشتها في حياتي.
مريم كانت جنبي.
ليلى عند جدتها من ناحية مريم.
وأنا كنت باصص للباب.
كل مرة حد يخرج، قلبي يقف.
لحد ما الدكتور ظهر.
قال
العملية تمت بنجاح.
غمضت عيني.
ولأول مرة من يوم الحادثة، سمحت لنفسي أتنفس.
دخلت له بعد شوية.
كان لسه تحت تأثير المخدر.
قربت منه.
أنا هنا يا بطل.
مريم وقفت عند الباب.
وبعدها قالت
وليد، المحامي عايز يقابلك.
خرجت.
المحامي كان اسمه كريم.
راجل هادي، ملامحه مفيهاش انفعال.
سمع مني كل حاجة.
وبعدين شاف الفيديو.
سكت شوية.
قال
الفيديو مهم.
كفاية؟
كفاية إنه يغير شكل القضية.
يعني؟
يعني لو الصوت واضح، والشخصيات واضحة، والواقعة مترابطة مع اللي حصل، فده دليل مهم جدا.
سألته
وأهلي؟
أهلك إيه؟
هما هيحاولوا يضغطوا عليا.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
أكيد.
أعمل إيه؟
ما تتناقشش.
يعني؟
أي كلام عن الصلح، أو إن الموضوع عائلي، أو إن سامح غلط، كله خليه عن طريق المحامي.
هزيت راسي.
قال
وفي حاجة تانية.
إيه؟
ما تنفعلش.
ضحكت بمرارة.
أخويا كسر ابني، وإنت بتقولي ما انفعلش؟
قال
أنا مش بقولك ما تغضبش.
وسكت لحظة.
أنا بقولك ما تديهمش فرصة يستخدموا غضبك ضدك.
الجملة دي علقت في دماغي.
لأنها كانت الحقيقة.
سامح ضرب ابني.
وأنا ضربت سامح.
كنت عارف إنهم ممكن يحاولوا يساووا بين الاتنين.
لكن الفرق إن أنا ضربت شخصا بالغا بعد ما شفت ابني واقع.
هو اختار يضرب طفل.
والفيديو ممكن يثبت إن الموضوع لم يكن عفويا تماما.
بعد يومين، سامح اتصل.
المرة دي رديت.
قال
وليد.
قول.
أنا عايز أشوف نوح.
لأ.
سكت.
هو ابن أخويا.
وهو مش عايز يشوفك.
كان ده كذب.
نوح ماكانش سأل.
بس أنا ماكنتش هعرضه عليه.
سامح قال
أنا عايز أعتذر.
اعتذر من بعيد.
إنت قاسي.
ضحكت.
أنا؟
سكت.
إنت عايز تعرف أنا ليه قاسي؟
ما ردش.
قلت
لأن ابني لما كان بيتوجع، أنا شفتك واقف. وشفت أبويا وأمي واقفين حواليك. ولا واحد فيكم جري عليه.
صوته اتغير.
أنا كنت مصدوم.
بس كنت واعي كفاية تقول للناس إن الموضوع خناقة.
وليد…
إنت كنت عايز تخبي.
سكت.
وأنا مش هخبي.
قفلت.
بعدها بساعات، جالي اتصال من أمي.
ما رديتش.
اتصلت تاني.
ولا رديت.
التالتة.
رديت.
قالت
إنت قاسي على أخوك.
قلت
ابني في المستشفى.
وأخوك حياته هتضيع.
الحياة اللي ضاعت هي طفولة ابني الطبيعية.
سامح مش مجرم.
هو ضرب طفل بمضرب.
كان غضبان.
الغضب مش تصريح.
سكتت.
وبعدين قالت
إحنا أهل.
قلت
الأهل ما يطلبوش من الضحية تسكت عشان الجاني.
قفلت.
في اليوم الثالث، حصل شيء ماكنتش متوقعه.
جالي ياسين.
ابن سامح.
كان واقف قدام باب المستشفى.
بصيتله.
إنت هنا ليه؟
قال
عايز أكلمك.
دخلنا مكان هادي.
قعد قدامي.
كان متوتر.
قلت
قول.
قال
أبويا كان متخانق مع جدي قبل الحفلة.
ركزت معاه.
على إيه؟
فلوس.
سكت.
فلوس إيه؟
قال
مش عارف كل حاجة.
وبعدين أضاف
بس سمعت أبويا بيقول لجدي إنك مش هتساعده.
فهمت.
سامح كان عايز فلوس.
كان طالب مني إيه؟
فلوس.
كام؟
مش عارف.
ياسين حرك إيده بعصبية.
بس أبويا قال إنك لو رفضت، هتندم.
سألته
قال كده إمتى؟
قبل عيد ميلادك بيوم.
حسيت حاجة بتتقفل جوايا.
سامح ماكانش بس غضبان من موقف الاسكوتر.
كان شايل غضب أقدم.
لكن لسه مش فاهم الصورة كلها.
سألت ياسين
إنت سمعت إيه تاني؟
قال
أبويا كان بيقول لجدي إنك بقيت شايف نفسك عليهم.
وبعدين بص للأرض.
وجدي قال له سيبه، هو لازم يتعلم إن الفلوس مش هتخليه أعلى مننا.
سكت.
كل حاجة بدأت تركب.
الغيرة.
الفلوس.
التحكم.
الإحساس إن نجاحي إهانة ليهم.
لكن ليه نوح؟
ليه ابني؟
ياسين قال
أبويا كان شايل عليك.
عليا أنا؟
هز راسه.
آه.
بس ليه؟
قال
عشان إنت رفضت تدفع ديون عليه قبل كده.
سكت.
وفجأة افتكرت.
من حوالي ست شهور، سامح جه بيتي.
كان طالب مني مبلغ كبير.
قال إنه داخل مشروع.
أنا رفضت.
مش بخلا.
لكن لأني كنت عارف إنه بيصرف من غير حساب.
وقتها قال
هتندم إنك سبت أخوك.
وأنا اعتبرت الجملة مجرد عصبية.
طلع إنها كانت وعد.
بعد ما مشي ياسين، رجعت عند نوح.
كان صاحي.
بصلي.
قال
بابا.
أيوه.
مين كان هنا؟
ياسين.
اتوتر.
هو زعلان مني؟
لأ.
قال إيه؟
ولا حاجة.
نوح سكت.
وبعدين قال
أنا مش عايز عمو سامح ييجي.
مش هييجي.
وعد؟
وعد.
بعد أسبوع، خرج نوح من المستشفى.
لكن حياته ما رجعتش طبيعية.
كان لازم يستخدم عكاز.
وكان ممنوع عليه مجهود.
والدكتور قال إن التعافي هيحتاج وقت طويل.
في أول ليلة رجع فيها البيت، وقفت عند باب أوضته.
كان بيبص للسقف.
قلت
إيه؟
قال
حاسس إن البيت اتغير.
قعدت جنبه.
يمكن إحنا اللي اتغيرنا.
بصلي.
بابا؟
نعم؟
إنت زعلان مني؟
اتصدمت.
إيه اللي خلاك تقول كده؟
عشان كل اللي حصل.
اسمعني.
سكت.
اللي حصل مش ذنبك.
بس لو كنت رجعت الاسكوتر…
قاطعته.
ولا حتى لو أخدت الاسكوتر وجريت بيه.
وبصيتله في عينه.
مفيش أي حاجة تدي حد حق يضربك.
دموعه نزلت.
أنا كنت خايف.
قلت
وأنا كنت خايف أكتر.
ضحك وسط دموعه.
إنت؟
آه.
بس إنت ما بتخافش.
قلت
الآباء بيخافوا. بس ساعات بيخبوا خوفهم.
في نفس الليلة، وصلني خطاب رسمي.
كان من محامي سامح.
عرض صلح.
تعويض.
وسحب البلاغ.
قريت الورقة.
ضحكت.
مريم قالت
إيه؟
ناولتها لها.
قرت.
قالت
عايزين يشتروا سكوتنا.
قلت
بالظبط.
هترد؟
آه.
تقول إيه؟
بصيت لها.
لأ.
وفي اليوم التالي، بدأت المواجهة الحقيقية.
سامح حاول يغير الرواية.
قال إن نوح استفزه.
قال إن المضرب كان مجرد تهديد.
قال إنه ماكانش متوقع الإصابة.
قال إن اللي حصل حادث.
لكن الفيديو كان موجود.
والشهود موجودين.
والتقرير الطبي موجود.
والأهم…
كان فيه شيء جديد.
كريم المحامي اتصل بيا وقال
وليد، لازم تقعد.
ليه؟
لأننا وصلنا لحاجة.
إيه؟
في تسجيلات كاميرات.
كاميرات إيه؟
كاميرا عند باب الجراج.
قلبي دق.
موجودة؟
آه.
والتسجيل؟
موجود.
شفتوه؟
سكت.
آه.
وفيه إيه؟
قال
سامح دخل الجراج قبل نوح بحوالي دقيقتين.
وبعدين؟
وقف هناك.
وبعدين؟
المضرب كان معاه من قبل ما نوح يدخل.
قفلت عيني.
الموضوع ماكانش لحظة غضب.
سامح دخل الجراج ومعاه المضرب.
كان مستني.
كريم قال
وفي حاجة أخطر.
إيه؟
في الفيديو، أبوك ظاهر وهو واقف بعيد.
بيعمل إيه؟
بيشوف سامح وهو داخل.
سكت.
ومش بيوقفه.
حسيت حاجة باردة في صدري.
أبويا كان عارف.
ربما ماكانش متوقع إن سامح هيضرب نوح.
لكن كان عارف إن فيه مواجهة.
وسابه.
بعدها بأيام، حصلت جلسة أولى.
دخلت وأنا ماسك ملف.
سامح كان واقف في الناحية التانية.
بصلي.
أنا ما بصيتش له.
المحامي قال لي
ما تتكلمش إلا لما أسألك.
هزيت راسي.
القضية بدأت.
وبينما كنا خارجين، لقيت أبويا واقف.
قال
وليد.
وقفت.
عايز إيه؟
قال
أنا غلطت.
أول مرة أسمعها.
لكنها ما أثرتش فيا زي ما كنت متوقع.
قال
ما توقعتش الموضوع يوصل لكده.
قلت
دي مش إجابة.
أنا كنت فاكر إن سامح هيخوف نوح بس.
قلت
وده كان كفاية بالنسبة لك؟
سكت.
إن حفيدك يتخاف؟
كنت فاكر…
قاطعته
إنت طول عمرك بتقول كنت فاكر.
قربت منه.
بس عمرك ما فكرت أنا كنت حاسس بإيه.
دموع ظهرت في عينه.
إنت ابني.
قلت
وأنا أبويا.
وبصيتله.
كان نفسي أحس إنك أبويا يوم ما ابني كان واقع.
سكت.
ومشيت.
لكن وأنا ماشي، سمعت صوته
وليد…
ما وقفتش.
قال
سامح مش هو المشكلة الوحيدة.
وقفت.
لفيت.
يعني إيه؟
بص حواليه.
وبعدين قال
في حاجة إنت ما تعرفهاش.
وقتها، لأول مرة، حسيت إن القصة لسه مخبية جزء أكبر.
إيه؟
قال
سامح عليه ديون كتير.
عارف.
لأ.
هز راسه.
إنت مش عارف قد إيه.
وسكت.
هو ماكانش طالب منك فلوس عشان مشروع.
سألته
أمال عشان إيه؟
بص في الأرض.
وقال
كان مطلوب منه يسدد مبلغ كبير خلال أيام.
لمين؟
رفع عينه.
ناس أنا نفسي خايف منهم.
وقتها فهمت إن ضرب نوح ماكانش نهاية المشكلة.
كان مجرد بداية.
لأن سامح كان غارق في شيء أكبر.
والأسوأ؟
إنه كان بيحاول يجرني معاه.
الفصل الثالث لما الحقيقة قالت كلمتها
ما نمتش الليلة دي.
فضلت قاعد في المكتب، قدامي كل الورق اللي عندي.
حسابات.
عقود.
رسائل.
محاضر.
وتقرير نوح الطبي.
كل حاجة كانت بتقول إن الموضوع مش مجرد خلاف عائلي.
سامح كان غارق في ديون.
وكان بيحاول يضغط عليا عشان أطلعه منها.
ولما رفضت، غضبه اتحول لابني.
لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر أجاوب عليه.
أبويا قال إن فيه ناس خطر.
مين؟
تاني يوم الصبح، اتصلت بكريم.
حكيتله.
قال
ما تدخلش في أي مواجهة.
قلت
أنا مش هعمل حاجة.
كويس.
بس لازم أعرف.
قال
هنعرف بالطريقة القانونية.
وفي نفس اليوم، بدأت تظهر الحقيقة.
سامح كان عامل أكتر من قرض.
دخل في مشروع تجاري فشل.
وبعدين اقترض من أشخاص بشكل غير رسمي.
وبعدها حاول يسدد قرض بقرض.
لحد ما الرقم كبر.
وأصبح عاجز عن السداد.
لكن اللي صدمنا إن جزء من الأموال كان مربوط بشركة صغيرة باسمي.
من غير علمي.
حد استخدم بيانات قديمة من أوراق كنت مديها لسامح من سنين.
وقتها فهمت ليه كان عايز مني فلوس.
مش عشان يساعد نفسه.
كان عايز يغطي آثار حاجة عملها بالفعل.
ولما رفضت…
بدأ يضغط.
أبويا وأمي كانوا عارفين جزء من الموضوع.
لكنهم اختاروا السكوت.
لأنهم كانوا مقتنعين إن العيلة تستر بعضها.
المشكلة إن الستر لما يبقى على حساب طفل، بيتحول لجريمة في حقه.
بعد أيام، طلبت النيابة الاطلاع على المستندات.
وتم التحقيق مع سامح.
في البداية أنكر.
لكن لما اتواجه بالمستندات، بدأ كلامه يتغير.
قال
أنا كنت مضغوط.
وبعدين
وليد ماكانش بيساعدني.
وبعدين
كنت محتاج أخوف ابنه.
أخوفه؟
السؤال اتوجه له.
قال
آه.
بمضرب؟
سكت.
التسجيل كان واضح.
والكاميرا كانت أوضح.
في الفيديو، سامح دخل الجراج والمضرب في إيده.
وقف منتظر.
وبعدها دخل نوح.
كان الحوار بسيطا.
لكن سامح هو اللي صعّد.
وفي لحظة، ضرب.
المشهد كان كفاية.
مافيش تفسير يخلي الضربة بريئة.
ولا حادث.
ولا تربية.
ولا سوء تفاهم.
كان اعتداء.
وبعد أسابيع من التحقيقات، صدر قرار بإحالته للمحاكمة.
أبويا وأمي اختفوا من حياتنا تماما.
مفيش مكالمات.
مفيش زيارات.
ولا حتى سؤال عن نوح.
وبصراحة؟
ده وجعني أكتر مما كنت متوقع.
لأن جزء صغير جوايا كان لسه مستني منهم كلمة.
أي كلمة.
إحنا غلطنا.
لكن مفيش.
لحد يوم…
جالي ظرف.
من أمي.
فتحته.
لقيت ورقة مكتوبة بإيدها.
كانت بتقول إنها ماعرفتش تحمي ولادها بالطريقة الصح.
وإنها طول عمرها كانت بتخاف على سامح لأنه أضعف.
وإنها اكتشفت متأخر إن خوفها عليه خلاها تظلم وليد.
وفي آخر الورقة كتبت
أنا عارفة إنك ممكن ما تسامحنيش، ومن حقك. بس نفسي أعرف إن نوح كويس.
قريت الورقة مرتين.
وبعدين حطيتها على المكتب.
مريم كانت واقفة جنبي.
قالت
هترد؟
قلت
مش عارف.
بعد يومين، نوح سألني
جدتي سألت عليا؟
بصيتله.
آه.
هي زعلانة مني؟
لأ.
طيب ليه ما جتش؟
سكت.
وبعدين قال
ممكن تكلمها.
بصيتله.
إنت عايز؟
هز راسه.
هي غلطت.
سكت.
بس هي جدتي.
ابتسمت بحزن.
الولد اللي اتأذى كان عنده قلب أكبر من الكبار.
اتصلت بأمي.
ردت بعد أول رنة.
ما اتكلمتش.
أنا قلت
نوح كويس.
سمعتها بتبكي.
قالت
الحمد لله.
بس لسه بيتعالج.
أنا آسفة.
سكت.
قالت
أنا عارفة إن الاعتذار مش كفاية.
قلت
مش كفاية.
بس…
قاطعتها
أنا مش هطلب منك تختاري بيني وبين سامح.
سكتت.
أنا بطلب منك بس ما تدافعيش عن الغلط.
قالت
مش هعمل كده