ياسين ونور ج٣

​ياسين كان قاعد على باب الفيلا، وشه مليان تراب وهدومه متقطعة، بس عينيه كانت بتلمع بصفاء لأول مرة من سنين. الغرور انكسر، والعمى اللي كان مخليه مش شايف الحقيقة راح لحاله.
​سمع صوت خطواتها الهادية بتقرب. وقف وبصلها. كانت لسه بنفس شموخها، بتمسح التراب من على هدومها، وماسكة شنطتها الصغيرة.
​”المهمة خلصت يا ياسين بيه.” قالتها بصوت هادي، مفيش فيه القسوة بتاعت الكام ساعة اللي فاتوا. “الخطر زال، طارق اعترف بكل حاجة، وفلوسك وشركاتك رجعتلك بأمان. المحامي بتاعي هيتواصل معاك بكرة الصبح عشان ننقل كل الأملاك باسمك ونتمم إجراءات الطلاق، زي ما كان متفق مع الباشا الله يرحمه.”
​ياسين بصلها، حس إن قلبه بيتخطف. الكام ساعة اللي فاتوا عاش فيهم عمر كامل. شاف فيها القوة، والذكاء، والتضحية، والأهم.. شاف نفسه على حقيقتها.
​”انتي ماشية؟” سألها بصوت خافت.
​ابتسمت بهدوء: “أيوة.. أنا (عقرب)، مهمتي الحماية وقت الخطر، ولما الخطر بينتهي، برجع للظل تاني.”
​ياسين بلع ريقه، وقرب منها خطوة وقال بتردد مكنش متعود عليه:
“أنا.. أنا حتى معرفش اسمك الحقيقي.”
​بصتله بعمق وقالت: “ليلى… اسمي ليلى.”
​ياسين ابتسم ابتسامة باهتة بس صادقة جداً:
“طيب يا ليلى.. أنا مش ياسين المغرور اللي رميتي له الورق الصبح. أنا النهاردة اتولدت من جديد بفضلك وبفضل أبويا. أنتي أنقذتي حياتي، وأنقذتي اسم عيلتي.”
​سكت لحظة، وبص في عينيها بثقة جديدة:
“أنتي بتقولي إن مهمتك خلصت.. بس أنا شايف إن مهمتنا إحنا الاتنين لسه بتبدأ. إمبراطورية الجارحي محتاجة شريك حقيقي، مش مجرد ورقة في درج. وأنا.. أنا محتاج العقل اللي يوزنني، والقلب اللي يقدر يواجهني بعيوبي من غير ما يخاف.”
​ليلى رفعت حاجبها باستغراب: “أنت تقصد إيه؟”
​ياسين مد إيده ليها، كأنه بيعاهدها قدام نفسه وقدام الدنيا:
“أقصد إن المأذون اللي جابوه من ست شهور ده ملوش لازمة.. أنا عايز أكتب كتابي عليكي من أول وجديد. مش وصية من أبويا، ولا مهمة حماية.. أنا بطلب إيدك يا ليلى، تبقي شريكتي في الجارحي جروب، وشريكتي في حياتي اللي جاية. تقبلي تبدئي معايا من الصفر الحقيقي؟”
​ليلى بصت لإيده الممدودة، وبعدين بصت لعينيه اللي كانت بتنطق بالصدق والرجاء. لأول مرة من سنين، درع “عقرب” الحديدي نزل، وظهرت ابتسامة رقيقة جداً، ابتسامة بنت لقت السند الحقيقي اللي كانت طول عمرها بتحمي الناس وتتمناه لنفسها.
​حطت إيدها في إيده وقالت بصوت دافي:
“لو جاهز للمواجهة كل يوم يا ياسين.. فأنا موافقة.”
​ياسين ضحك من قلبه لأول مرة من يوم ما أبوه مات، وشد على إيدها بقوة:
“جاهز.. جاهز جداً.”
​وسط نور الفجر اللي بدأ يشق السما فوق إسكندرية، خرجوا هما الاتنين من الفيلا. مش سايبين وراهم ماضي مكسور، لأ.. سايبين وراهم أوهام، ورايحين يبنوا إمبراطورية جديدة، أساسها القوة، الذكاء، والحب اللي اتولد من قلب العاصفة.
تمت للكاتبه سهر محمد
لو عجبتك الروايه متنساش التفاعل معاها ومتابعه لصفحتي سهر الحكايات

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *