ولاده تؤام الثلاثه ج٢ منى السيد
الجزء الثالث
صوت جرس التليفون كان يرن في الأوضة فاضية، بس رنته كانت كأنها جاية من عالم تاني.
مي مسكت التليفون بإيد بتترعش، وشاشته نورت باسم “أحمد”. فتحت الخط، وصوت أحمد كان طالع مشوش من زحمة المطار:
— مي! حبيبتي أنتِ كويسة؟ أنا في مطار دبي، فتحوا لي حجز طارئ وطيلتي كمان نص ساعة. المستشفى قالوا لي إنك ولدتي والولاد كويسين، بس صوتك مش عاجبني.. فيه إيه يا مي؟ أنتِ بتعيطي؟
مي حاولت تبلع الوجع اللي في حلقها، بس دموعها خانتها ونزلت بصوت مكتوم:
— أحمد… أرجوك انزل بسرعة. تعالالي يا أحمد… أنا لوحدي هنا.
أحمد قلبه وقع في رجليه، ونبرة صوته اتغيرت للرعب:
— مي، إيه اللي حصل؟ أمك فين؟ أبوكي فين؟ مش أنا مكلمهم وموصيهم عليكي؟
مي اتنهدت بتعب وكأن روحها بتنسحب:
— أهلي… أهلي كانوا جايين يسرقوا واحد من ولادنا يا أحمد.
السكون اللي حصل على الناحية التانية من الخط كان يرعب. أحمد ما نطقش لمدة خمس ثواني كاملين، وكأن عقله بيمسح الكلمة ويرفض يصدقها:
— أنتِ بتقولي إيه؟ يسرقوا مين؟
— أبويا ضربني لما منعتهم، وكانوا مجهزين ورق وشهادة ميلاد مزورة مع دكتور عشان ياخدوا عيل يدوه لكريم ومنى… الشرطة خدتهم كلهم يا أحمد. خدوا أبويا وأمي وأخويا ومراته!
أحمد صرخ في التليفون بصوت جنوني:
— أنا جاي! أنا جاي في أول طيارة، ساعة زمن وأكون عندك.. ما تخافيش يا مي، محدش هيلمس شعرة منك ولا من الولاد تاني!
قفلت المكالمة، وسندت رأسها على المخدة وهي حاسة إن جسمها كله مهدود. العسكري اللي سابه الضابط واقف حراسة بره الأوضة كان باين من الزجاج الخارجي، ووجوده كان الشيء الوحيد اللي بيديها إحساس كاذب بالأمان.
لكن جوه دماغ مي، كان فيه نار بتأكل في بعضها.
ليه؟
ليه كريم بالذات؟ وليه أبوهاعماد يوصل بيه الفجر إنه يمد إيده عليها وهي لسه طالعة من أوضة العمليات وبتنزف؟ هل عشان بيحب كريم أكتر؟ ولا الموضوع فيه حاجة أكبر من مجرد “عيل لأخوكي الملهوف”؟
بعد حوالي ساعتين، الأوضة اتفتحت.
دخل أحمد، وشه كان شاحب، وعينيه أحمر من قلة النوم والخوف، هدومه كانت متبهدلة من الجري في المطارات. أول ما شاف مي، أترمي جنب السرير واحتضن إيدها بلهفة، وبص على وشها وشاف أثر الخبطة الخفيفة والمكان المحمر على خدها.
أحمد أيده اترعشت وهو بيلمس خدها:
— ابن (…) مد إيده عليكي؟ أبوكي ضربك يا مي؟
مي هزت رأسها بالنعف ودموعها نازلة:
— أحمد… أنا حاسة إني كنت عايشة مع ناس غريبة. دول مش أهلي. دول كانوا جايين ياخدوا ضنايا وكأنهم بياخدوا حاجة من السوبر ماركت!
أحمد قام وقفل الباب، وبص لها وبص للحضانات التلاتة اللي كانوا جنبها، وصوته كان مليان غضب مكتوم:
— أنا مش هسيبهم يا مي. المحضر اللي اتعمل في النقطة تحت أنا هكمل فيه للآخر. والنيابة دلوقتي شغالين معاهم فوق في قسم الشرطة.
— هم في القسم دلوقتي؟
— أيوه. الضابط كلمني وأنا في الطريق، وقال لي إن الموضوع كبر جدًا. التليفون اللي اتحرز بتاع منى طلع عليه بلاوي.
مي بصت له باستغراب:
— بلاوي إيه؟
أحمد قعد على الكرسي وقرب منها، وصوته نزل للهمس:
— الدكتور اللي اسمه سامح ده… طلع مش مجرد دكتور معمل. ده إدارة الأموال العامة والبحث الجنائي متبعينه من فترة في ق\ضية تزوير إخطارات ولادة وتسهيل تبني غير قانوني ومبيعات أوراق رسمية!
مي فتحت بؤها بصدمة:
— يعني إيه؟
أحمد اتنهد وقال:
— يعني أخوكي كريم ومراته منى مش مجرد ناس ظروفهم صعبة ونفسهم في عيل… منى وكريم دفعوا عربون للدكتور ده من شهرين عشان يجهز لهم ورق طفل ملهاش أصل، ولما عرفوا إنك حامل في تلاتة، عماد أبوكي هو اللي اقترح عليهم الفكرة!
مي حسّت بدوخة شديدة:
— أبويا؟ أبويا هو اللي اقترح؟
أحمد هز رأسه بأسى:
— للأسف يا مي. أبوكي قال لكريم بدل ما تدفع ألوفات للدكتور وتجيب عيل غريب ما نعرفش أصله إيه، أختك جيبا تلاتة مرة واحدة، وهي مش هتقدر تربي تلاتة، ونستغل إن جوزها مسافر، ونحطها قدام الأمر الواقع. ولو رفضت… نعمل الورق ونقول إن واحد منهم اتولد ميت!
مي صرخت بصوت مكتوم وغطت وشها بإيديها:
— يا نهار أسود! كانوا عايزين يقولوا لي إن ابني مات؟!
— أيوة يا مي… دي كانت الخططة البديلة لو أنتِ صممتي وما وافقتيش بالرضا! كانوا هيستغلوا إنك تحت تأثير البنج بعد القيصرية، وياخدوا الطفل فورًا، ويبصموا الدكاترة أو يزوروا إخطار إن فيه طفل نزل غير مكتمل النمو ومات، ويطلعوا بيه على المعمل بتاع الدكتور سامح يسجلوا الطفل باسم كريم ومنى!
مي كانت بتسمع الكلام وكأن حد بيطعنها بكسين في قلبها. اللغز بدأ يكتمل، والأسباب اللي كانت مش مفهومة بقت واضحة وبتصرخ بشاعتها.
الاستعجال…
الإصرار إنها تستنى لما تسافر…
مكالمة أبوها الباردة في نص الليل لما قالت له الحقوني أنا بولد، ورفضهم يجوا معاها عشان تروح لوحدها في الإسعاف وتولد من غير حد يسندها أو يتابع الأوراق!
كانوا مستنيين الخطة تظبط، مستنيين اللحظة اللي تكون فيها أضعف ما يكون.
وفجأة، الباب اتخبط.
دخل الضابط النقيب بنفسه، ومعاه حراسة، وبص لأحمد ومي:
— مساء الخير يا أستاذ أحمد. حمد الله على السلامة.
أحمد وقف بسرعة:
— أهلاً يا حضرة الظابط. إيه الأخبار عندك؟ النيابة قالت إيه؟
الضابط اتنهد وبص لمي بنظرة ألم وهو ماسك في إيده ملف أوراق:
— التحقيقات في القسم كشفت حاجة ثانية خالص يا مدام مي. حاجة أفتكر إنك لازم تعرفيها لأنها هتغير مجرى الق\ضية كلها.
مي بلعت ريقها وسألت بصوت خايف:
— خير يا حضرة الظابط؟ فيه إيه تاني؟
الضابط قعد على طرف الكرسي وقال:
— لما فتشنا بيت والدك عماد بناءً على إذن النيابة بعد الاعترافات الأولية بتاعة منى… لقينا خزنة صغيرة في أوضة نومه. ولما فتحناها لقينا فيها أوراق ومستندات، غير مبالغ مالية.
أحمد اتكلم بقلة صبر:
— أوراق إيه يا فندم؟
الضابط بص لمي بثبات وقال:
— لقينا عقود تنازل ووصولات أمانة بمبالغ ضخمة ممضية من أخوكي كريم لصالح والدك عماد.
مي عقدت حواجبها:
— أمانات؟ بين كريم وأبويا؟ ليه؟
الضابط رد ببرود حاسم:
— لأن الموضوع ما كانش مجرد “عاطفة أب” عايز يفرح ابنه المهروم من الخلف.. والدك عماد كان بايع ابنك لكريم ومنى بمبلغ نص مليون جنيه!
الكلمة نزلت على الأوضة كأنها قنبلة اتفجرت.
مي اتخشبت مكانها، عينها اتفتحت على آخرها، وصوتها قطع تمامًا.
أحمد اتنطط من مكانه وصرح:
— إيه؟! بايع ابني؟! بايع حفيدوووو؟!
الضابط كمل بهدوء شديد:
— منى اعترفت في النيابة لما أتحاصرت بالتسجيلات. منى أهلها ناس مبسوطين ماديًا جدًا، وكانت مستعدة تدفع أي رقم عشان تجيب عيل وتضمن إن جوزها ما يطلقهاش أو يتجوز عليها. عماد أبوكي استغل العقدة دي، واشترط على منى وأهلها نص مليون جنيه كـ “مساعدة” عشان يقنعك أو يستغل الوضع وياخد الطفل يكتبوه باسم كريم. وعشان يضمن حقه، خلا كريم يمضي على وصلات أمانة بالعربون والمبلغ الباقي!
مي بدأت تضحك… ضحكة هستيرية طالعة من بين الدموع والذهول.
أبوها… الراجل اللي كانت بتعتبره السند، الراجل اللي كانت بتهرب له من مشاكل الدنيا…
ما كانش بس حاسم وقاسي…
أبوها كان تاجر!
كان بيبيع أحفاده، بيبيع ولدها اللي استنته 6 سنين بعذاب ودكاترة وحقن، عشان نص مليون جنيه من مرّات ابنه!
أحمد مسك إيد مي وهو بيصرخ في الضابط:
— الكلام ده حقيقي؟ فيه أب يعمل كدا في بنته وفي ضناها؟!
الضابط هز رأسه بأسى:
— للأسف الشديد يا أستاذ أحمد. النيابة دلوقتي وجهت لهم تهمة الشروع في الاتجار بالبشر، والتزوير في محررات رسمية، والاعتداء بالضرب. والتهم دي عقوبتها السجن المشدد، ومفيش فيها أي كفالة أو خروج.
مي كانت بتسمع والكلام بيلف في دماغها زي الدوامة.
سعاد أمها… اللي كانت فاكراها طيبة ومغلوبة على أمرها، كانت واقفة ومتسترة على المهزلة دي عشان تاخد نصيبها أو تسكت جوزها!
وكريم… الأخ اللي كانت بتحن عليه وبتبكي عشان ربنا ما رزقوش، كان مستعد يشتري ابن أخته بفلوس مراته ويحرم أخته منه للأبد!
أحمد بص للضابط وقال بصوت حاد:
— أنا مش هتنازل عن حبة تراب من الق\ضية دي. حتى لو جايبين ميت محامي. الأربعة دولزم يتربوا، والنيابة تاخد مجراها!
الضابط وقف وقال:
— تمام يا أستاذ أحمد، بكره الصبح حضرتك ومدام مي هتتطلبوا في النيابة عشان تصريح أقوالكم الرسمية وتفريغ الكاميرات. ودلوقتي الحراسة هتفضل مشددة على الأوضة هنا عشان محدش من قرايبهم يضايقكم.
خرج الضابط وقفل الباب وراه.
الأوضة رجعت تسكت تاني، بس المرة دي السكوت كان مليان بغضب كاسح. أحمد قعد جنب مي وأخدها في حضنه بكل قوته، ومي كانت بتعيط بحرقة كأنها بتغسل السنين اللي عاشتها مع العيلة دي.
أحمد وهو بيطبطب عليها بحنان:
— خلاص يا مي… الكابوس خلص. محدش يقدر يلمس ولادنا. أنا هنا ومش هسيبك تاني أبدًا.
مي مسحت دموعها بإيدها، وبصت للثلاث حضانات اللي كانوا هاديين والأطفال نايمين في أمان.
وفجأة، تليفون أحمد رن.
أحمد بص على الشاشة لقي الرقم “رقم مجهول”.
فتح الخط وفتح الميكروفون:
— ألو؟
صوت ست كانت بتعيط وبتحايل، طلعت حنان… أخت سعاد (خالة مي):
— أحمد! الحقنا يا أحمد! سعاد أختي محجوزة في الحجز ومغشي عليها، وعماد هيروح فيها! أرجوك يا أحمد خلي مي تتنازل… دول أهلها! العيلة هتتدمر يا بني!
أحمد بص لمي، ومي أخدت التليفون من إيد أحمد بثبات غريب، وقربته من بؤها.
صوت مي كان طالع جاف، مفيش فيه نقطة رحمة واحدة:
— يا خالتو… العيلة اتدمرت من اللحظة اللي أبويا فكر فيها يبيع ابني بالنص مليون جنيه. قوليلهم يستعدوا للنيابة… لأن اللي جاي مش مجرد محضر، اللي جاي حساب السنين كلها.
وقفلت التليفون في وشها.
بصت لأحمد وقالت بجمود:
— أحمد… اتصل بالمحامي بتاعك. أنا مش هكتفي بالحبس. أنا هرفع ق\ضية حرمان من الرؤية، وشطب للورق ده كله. الناس دول ماليش دعوة بيهم من النهاردة.
أحمد ابتسم بنصر هز رأسه:
— اللي تؤمري بيه يا أم الولاد.
لكن في نفس اللحظة دي… تليفون أحمد استقبل رسالة نصية ثانية من رقم غريب، الرسالة كانت فيها جملة واحدة خلت أحمد ومي يتجمدوا مكانهم:
“فاكرين إن الموضوع وقف عند الدكتور سامح والأربعة دول؟ افتحوا الإيميل بتاع أحمد وشوفوا الصفقة اللي سافر عشانها الإمارات… مين اللي كان مريبها من ورام!”
يتبع…
الجزء الرابع والأخير
الرسالة كانت عاملة زي صفعة تانية على الوش، بس المرة دي كانت في الضلمة.
أحمد مسك التليفون، إيده ثابته بس عينيه فيها ذهولمش طبيعي. بص لمي، لقيها بتبص له بعيون متسعة، الخوف والذهول راجعين يطلوا من ملامحها من جديد بعد ما كانت فاكرة إن الموضوع انتهى عند باب القسم.
— أحمد… افتح الإيميل.
قالتها مي بصوت طالع بالعافية، كأنها مستنية ضربة جديدة وهي أصلًا مش قادرة تقف على رجلها.
أحمد طلّع اللابتوب من شنطته بسرعة، صوابعه كانت بتتحرك على الكيبورد بانهيار مكتوم. فتح الإيميل الخاص بشغله، وفعلاً… لقي رسالة جديدة معنونة بـ “خاص وجميع المستندات مرفقة”. الرسالة كانت مبعوثة من عنوان إيميل وهمي، بس المرفقات اللي جواها كانت كفيلة تتلف العقل.
الإيميل كان فيه صور لمستندات، عقود، وتفريغ لمحادثات “واتساب” بين الشركة الإماراتيّة اللي أحمد سافر يتعاقد معاها… وبين شريكه الرئيسي في مصر!
الشريك اللي اسمه “تامر”… أسرع واحد أنقذ شركة أحمد من سنتين وساعده يكبرها، واللي كان يعتبر صديق عمره.
المستندات كانت بتثبت إن سفرية الإمارات ما كانتش صفقة عادية! تامر بالاتفاق مع عماد (أبو مي) وشركة تسويق عقاري وهمية، هم اللي دبروا سفرية أحمد في التوقيت ده بالذات. تامر هو اللي أصر إن أحمد يسافر بنفسه للإمارات ويطول هناك أسبوع عشان “ينهي الصفقة”، وفي المقابل، عماد كان واخد نسبة من العقد ده غير المباشر، وتامر كان بياخد نسبة ثانية من أرباح تسبق بيع حصة أحمد في الشركة لو غاب أو اتأخر عن التوقيع في مصر!
الخطة كانت شيطانية ومترتبة بالساعة:
أحمد يتدبس في سفرية الإمارات وما يقدرش يرجع بسرعة…
مي تولد طارئ بسبب الضغط والخوف لما أهلها يتخلوا عنها في نص الليل…
عماد وكريم يتدخلوا وياخدوا الطفل ويغيروا أوراقه بالاتفاق مع الدكتور سامح…
ولما أحمد يرجع، يلاقوا الموضوع اتنفذ والطفل “مات” أو “تعب واتنقل لمستشفى تاني وما لحقوهوش”، ومي في حالة انهيار عصبي مش هتستوعب حاجة، وتامر يمتلك الشغل في مصر بالكامل بحجة إن أحمد مش مركز ومقصر في إدارة الشركة!
أحمد ضرب اللابتوب بإيده على الطاولة بغل صرخ بصوت هز جدران الأوضة:
— يا ابن الحرام! تامر؟! تامر اللي كان بياكل معايا في بيت واحد؟! تامر اللي كنت مأمنه على مالي وشغلي؟!
مي كانت بتبص للانتهاك اللي بيحيط بيها من كل ناحية. اللعبة ما كانتش مجرد طمع أب في فلوس مرات ابنه، أو غيرة أخت من أختها… اللعبة كانت شباك ملعوبة من كل اللي حواليهم، استغلال لضعفها، ولحملها، ولأطفالها التلاتة اللي ما كملوش ساعات في الدنيا!
الدموع جفت في عين مي. تحول الخوف اللي كان جواه لشيء تاني خالص… تحول لحجر. حجر مفيش فيه نقطة ضعف واحدة.
بصت لأحمد وقالت بصوت هادي جدًا، بس يقطع العرق والدم:
— أحمد… اطلب الظابط تاني. واطلب المحامي. الليلة دي مش هتعدي غير لما الكل يتربط في نفس السلسلة.
بعد ساعتين، كانت الأوضة اتحولت لمقر قيادة صغير.
النقيب إبراهيم، ضابط النقطة اللي مسك الق\ضية من الأول، كان قاعد قدام اللابتوب بتاع أحمد وبيراجع الرسائل والمستندات المرفقة، ومعاه محامي أحمد، أستاذ مصطفى، اللي جاب معاه وكيل نيابة مختص بعد ما الكارثة كبرت وبقت ق\ضيّة شبكة اتجار بالبشر وتآمر وتزوير وإضرار عمدي.
وكيل النيابة بص لأحمد وقال:
— المستندات دي قاطعة يا أستاذ أحمد. تامر شريكك كده داخل معانا كمتهم رئيسي في التآمر والشروع في الخطف والابتزاز، غير قضايا النصب التجاري. التسجيلات اللي بينه وبين والد زوجتك ممتازة قانونيًا لأنها كاشفة للنية والمخطط.
المحامي مصطفى اتكلم بحماس:
— يا فندم، إحنا نطلب تحريك قوة فورية لمقر شركة الأستاذ أحمد ولمنزل المدعو تامر قبل ما يحس إن الكارت اتكشف ويهرب بره البلد!
الضابط إبراهيم وقف بثبات وقال:
— تامر تحت النظارة من ساعة ما الإيميل ده وصل. أنا أبلغت مباحث الأموال العامة، وفعلاً صدر أمر ضبط وإحضار ضده، ومأمورية خرجت تجيبه من بيته في التجمع.
مي كانت قاعدة على السرير، ساندة ظهرها بالمخدات، بتبص للحضانات التلاتة اللي فيها أطفالها نايمين في سلام، مش حاسين بالحرب الشرسة اللي بتدور عشان تحميهم.
قرب أحمد منها ومسك إيدها:
— مي… أنتِ قوية. أنا آسف إن الشغل والسفر كان السبب في كل ده… أنا السبب إنك وقفتِ لوحدك في الوجع ده كله.
مي بصت في عينيه، ولأول مرة ابتسمت ابتسامة صغيرة بس مليانة حزن وشموخ:
— أنت ما عملتش حاجة يا أحمد. بالعكس… ربنا كشفهم كلهم مرة واحدة. بدل ما نعيش طول عمرنا مخدوعين فيهم ونأمنهم على ولادنا، ربنا قطع عرقهم من حياتنا في أول يوم لولاد التلاتة. دول مش أهلي يا أحمد… دول كانوا الأعداء اللي عايشين وسطنا.
على الساعة أربعة الفجر، الباب اتفتح وتدخل قوة من المباحث، ومعاهم تامر!
تامر كان داخل ومكلبش، وشه أصفر زي اليمونة، وعينيه زايغة في الأوضة مش قادر يرفعها في عين أحمد أو مي.
الضابط إبراهيم وقف قدامه وقال بصوت حاد:
— أهو… الأستاذ تامر جه عشان يواجه شركاؤه في القسم.
أحمد قام وقف، قرب من تامر بخطوات هادية، وتامر رجع خطوة لورا بالرغم من الكلابشات. أحمد ما ضربهوش، ولا صرخ في وشه… أحمد بس بص له بقرف، وتف على الأرض تحت رجليه وقال:
— العيش والملح اللي أكلته في بيتي… الفلوس اللي عملتها معايا… كل ده ما يملاش عينك الخسيسة؟ كنت عايز تبيع ابني عشان تاخد حصتي في الشركة؟
تامر اتكلم بصوت متقطع وبيرتعش:
— أحمد… والله عماد هو اللي أغراني! قال لي أحمد مش في دماغه الشغل، وأنت اللي بتتعب، وإحنا لو عملنا كدا أنت هتاخد الشركة وأنا هاخد نص مليون ومي مش هتخسر حاجة، دي جابت تلاتة مرة واحدة!
مي صرخت من على السرير بحدة هزت المكان:
— خدوووووه من هنا! خدووووه مش عايزة أشوف وشه!
الضابط أشار للعساكر، وسحبوا تامر لبره الأوضة فورًا عشان يتنقل للقسم وينضم لباقي الشبكة: عماد، سعاد، كريم، منى، والدكتور سامح.
مرت ثلاث أيام…
الأيام دي كانت أصعب أيام عدت على مي وأحمد، بس كانت الأيام اللي اتبنت فيها حياتهم الجديدة على نظافة ورسخ.
في قسم الشرطة والنيابة العامة، التحقيقات كشفت المهزلة بالكامل.
أبو مي، عماد، حاول في الأول يعمل فيها راجل كبير ومريض وسكر وضغط عشان يخرج بكفالة، بس النيابة رفضت تمامًا بعد ما ثبت تورطه في شبكة الاتجار بالتنسيق مع الدكتور سامح وتلقيه مبالغ مالية ووصولات أمانة، وحبسته 15 يوم على ذمة التحقيق مع التجديد.
سعاد، أمها، انهرت في التحقيقات واعترفت بكل حاجة، وقالت إن عماد هو اللي كان ممشي البيت بالخوف والتهديد، وإنها كانت خايفة منه عشان كده سكتت ومشت معاه في اللعبة. بس النيابة وجهت لها تهمة التستر والتآمر في الجري\مة.
أما كريم ومنى… فكانت الصدمة الأكبر لهم. منى أهلها اتخلوا عنها لما عرفوا الق\ضية والتزوير، وأبوها رفض يدفع لها محامي، وكريم قعد في الحجز يبكي ويندم، بس الندم ما ينفعش بعد ما كان مستعد يشتري ابن أخته بفلوس مراته ويحرم أخته منه للأبد.
أما تامر… فشريك أحمد اتوجهت له تهم النصب والإضرار العمدي بالتجار والتآمر الجنائي، وأحمد رفع عليه ق\ضية حجر وتصفية شركة واسترداد كافة مستحقاته بالقانون.
في اليوم الرابع، كان ميعاد خروج مي والأطفال التلاتة من المستشفى.
الجو كان شتوي جميل، والشمس طالعة بتدفي المكان.
أحمد كان جاهز، مجهز عربية كبيرة ومعاه حراسة خاصة طلبها بنفسه عشان يطمن على أسرته لحد ما القضايا تتقفل تمامًا.
الممرضات كانوا شايلين الأطفال التلاتة: “عمر”، و”علي”، و”فريدة”… الأسماء اللي مي وأحمد اختاروها لهم بعد ما الكابوس انقضى.
مي كانت واقفة قدام المراية في أوضتها بالمستشفى، بتلبس طرحتها. كانت باينة أضعف جسمانيًا من أثر العملية والوجع، بس عينيها كان فيها نظرة قوة وثبات مش معقولة. مفيش دموع، مفيش حزن على اللي راحوا… فيه بس حماية للجيل اللي جه.
أحمد دخل الأوضة وبص لها، وقرب منها ومسك إيدها:
— جاهزة يا أم عمر؟
مي بصت له وابتسمت ابتسامة صافية:
— جاهزة يا أحمد. جاهزة نبتدي حياتنا صح.
خرجوا من المستشفى. وفي طريقهم للبيت، المحامي مصطفى اتصل بأحمد:
— ألو يا أستاذ أحمد. النيابة أصدرت قرارها قبل شوية… إحالة المتهمين جميعًا (عماد، سعاد، كريم، منى، سامح، وتامر) لمحكمة الجنايات العاجلة بتهم الشروع في الخطف، الاتجار بالبشر، التزوير في محررات رسمية، وتأليف شبكة إجرامية. المحاكمة هتكون الأسبوع الجاي ومفيش أي فرصة لتخفيف الأحكام.
أحمد بص لمي وفتح الميكروفون عشان تسمع.
مي اتنفس ببطء، وقالت بصوت هادي ومستقر:
— الحمد لله. بالقانون… وبالعدل. ربنا ما بيضيعش حق حد يا أستاذ مصطفى.
قفلت المكالمة، وبصت للشباك بتاع العربية. العمارات والشوارع كانت بتعدي بسرعة، وشريط حياتها القديم كان بيبعد ويتهاوى وراها.
أبوها اللي ياما خافت منه، وأمها اللي كانت فاكراها حنان الدنيا، وأخوها اللي حنت عليه… كلهم اختاروا يكونوا في القاع، واختاروا يبيعوا الدم عشان القرش والأنانية.
وصلوا شقتهم الجديدة اللي أحمد اشتراها ونقل فيها كل حاجة في الثلاث أيام اللي فاتوا، بعيد عن المنطقة القديمة وبعيد عن أي ذكرى تلمسهم بأهاليهم السابقين.
الأوضة اللي كانت زمان مكتب صغير، بقت دلوقتي أوضة الأطفال التلاتة. الثلاث حضانات الخشبية اللي أحمد جهزهم بإيده كانوا محطوطين جنب بعض، والأطفال اتثبتوا جواهم بهدوء.
أحمد وقف جنب مي، وحضنها من ظهرها وهما بيبصوا للتلات أطفال نايمين في أمان.
مي حطت إيدها على إيد أحمد وقالت:
— أحمد… توعدني بحاجة؟
— أؤمريني يا مي.
— ولادنا دول… عمرنا ما هنخبي عليهم حاجة لما يكبروا. هنعلمهم إن الأهل مش بالدم… الأهل بالرحمة، وبالأمان، وبالحماية. هنعلمهم إن اللي بيبيع مرة، يقدر يبيع ألف مرة، وإن الحق ما بيضيعش طول ما فيه حد بيقف يدافع عنه.
أحمد باس رأسها بحنان وقال:
— أوعدك يا مي. ولادنا هيربوا في العز والأمان، ومحدش في الدنيا كلها هيقدر يمسهم بشوكة.
مرت شهور…
وجت جلسة النيابة والجنايات.
مي ما راحتش المحكمة… أحمد والمحامي هم اللي حضروا.
وصدر الحكم التاريخي من القاضي اللي هز القاعة:
السجن المشدد 15 سنة لعماد والدكتور سامح وتامر…
والسجن 10 سنين لكريم ومنى…
والسجن 5 سنين لسعاد للتستر والتآمر.
لما أحمد رجع البيت ونقل الأحكام لمي، مي ما بكتش. ولا حتى فرحت بكسرتهم. هي بس سجدت لله سجدة شكر طويلة، وحست إن كابوس تقيل أخيرًا انزاح عن صدرها.
قامت من على سجادة الصلاة، وراحت لأوضة أولادها.
“عمر” كان بيبتسم وهو نايم، و”علي” بيحرك إيديه الصغيرة، و”فريدة” فتحت عينيها الواسعة وبصت لأمها.
مي رفعت فريدة بين إيديها، وضمتها لصدرها بكل الحب والدفء اللي في الدنيا، وقالت بصوت واطي وموسيقي:
— خلاص يا حبيبتي… الدنيا بقت أمان. محدش هيقدر ياخدكم مني… أبدًا.
وانتهت القصة… مش بنهاية حزينة، ولا بكسرة… انتهت ببدء حياة جديدة، نضفت من التزييف والطمع، وتبنت على الحق والقوة والأمومة اللي ما بتنكسرش.