بقلم اماني السيد ج٣

وفي يوم، دخلت عليها بعد ما الجبس اتفك وبدأت خطوتها تدب في الأرض بصعوبة، لقيتها واقفة قدام الشباك، شاردة في السما وضهرها ليا. قربت منها بالراحة، وحطيت إيدي المرتعشة على كتفها بحذر:
— عاملة إيه النهاردة يا حبيبتي؟ عملتلك الشوربة اللي بتحبيها بإيدي.. تاكلي معايا؟
حسيت بجسمها بيتصلب تحت إيدي، ولفت وشها ليا ببطء. كانت أول مرة تثبت عينها في عيني من شهور. وشها كان لسه باهت، والكدمات راحت بس سابت مكانها هالات سودة محفورة في ملامحها، عيونها كانت هادية هدوء مخيف، هدوء اللي مات ومبقاش فارق معاه حاجة.
نزلت عينيها لإيدي اللي على كتفها، وقالت بصوت واطي ومبحوح، لكنه نزل عليا زي الصاعقة:
— متلمسنيش.

— حقك عليا.. والله حقك على راسي، أنا عارف إني غلطت وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم فديتك بعمري، اطلبي أي حاجة، قوليلي اعمل إيه عشان تسامحيني وترجعي بنتي حبيبتي بتاعة زمان؟ هعمل أي حاجة ترضيكي!
ابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة، وهزت راسها بنفي يوجع القلب:
— مفيش حاجة تتعمل.. أنت متأخر أوي يا بابا. متأخر سنين. زمان كنت محتاجة كلمة حلوة، كنت محتاجة أحس إن ليا ضهر، كنت ببوس إيدك عشان تكملي تعليمي، وكنت بصرخ تحت رجلين جوزهولي وأقول يارب أبويا يجي ينجدني.. مجيتش. دلوقتي بتجيبلهم ياكلوني ويشربوني؟ أنت فاكر الوجع كان في بطني؟ الوجع كان هنا..
شاورت بصباعها الضعيف على نص صدرها، ودمعة يتيمة نزلت على خدها وهي بتكمل:

— الكسر اللي في جسمي خف والجبس اتفك.. بس الكسر اللي جوة هنا ملوش جبس. أنا مش مغلولة منك، ولا بدعي عليك.. أنا بس اتعلمت إني يتيمة بجد، واليتيم لما بيكبر مبيعرفش يرجع عيل تاني يحتمي في حضن أبوه.
خلصت كلماتها، وخدت خطوتين ورا وسابتني واقف مكاني في نص الأوضة. مكنش في إيدي حاجة أقولها، حسيت إن لساني اتقطع، وعرفت إن أصعب عقاب ممكن الأب يدوقه، مش إن بنته تدعي عليه.. عقابه الحقيقي لما تفقد الأمل فيه وتشوفه مجرد غريب، غريب فات الأوان على وجوده.
عدت السنين، وبنتي اتبدلت تماماً.. البنت المكسورة اللي كانت بتمشي جنب الحيط وتخاف من لحد ما دخل حياتها راجل مختلف..

كان مهندس شريك في مشاريع الشركة، راجل هادي، عينه مليانة احترام ورجولة بجد. مكنش بيطاردها ولا بيحاول يرمي شباكه زي غيره، كان شايف الوجع المستخبي ورا قناع القوة اللي لابساه. بدأ يتعامل معاها بتقدير حقيقي لشخصها وشغلها، لو تعبت يلاقي طريقة يخفف عنها من غير ما يجرح كبريائها، ولو وقفت في مشكلة يلاقي حلول بهدوء ويكون في ضهرها كأنه جبل.
كان صبور معاها لأبعد حد، مستعجلش، واستحمل صدها ونفورها كذا مرة، لحد ما في يوم واجهت فيه أزمة كبيرة في الشركة كادت تطيح بشغل سنين، ووقفت لوحدها متوقعة الغدر والخذلان كالعادة.. بس لقته هو اللي واقف في وش العاصفة بدالها، حماها وحمى مجهودها من غير ما يطلب مقابل ولا حتى كلمة شكر.
في الليلة دي، وهي واقفة في مكتبها بتبص عليه وهو بيلم أوراقه، سألته بصوت بيترج لأول مرة من سنين:
— ليه بتعمل كل ده؟ أنا ست معقدة ومستهلش حد يرمي نفسه في النار عشاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *