بقلم اماني السيد ج٣
قرب منها بهدوء، وثبت عينه في عينها بنظرة مفهاش غير الصدق والأمان، وقالها كلمة واحدة هدت كل الحصون اللي بنتها حوالين قلبها:
— أنتِ متستاهليش تتحاربي، أنتِ تستاهلي الدنيا كلها تتحارب عشانك.. وأنا مش عايز أكون في حياتك عبء، أنا بس عايز أكون الضهر اللي كان المفروض تلاقيه زمان وملاقتيهوش.
الكلمة دي بالذات لمست الجرح القديم وطهرته، وبكت.. بكت بنتي لأول مرة من سنين وهي حاسة إن ربنا عوضها عن كل دمعة وكل إهانة، بحد مش شايفها رخيصة ولا عالة، بحد عرف قيمتها بجد ومستعد يشيلها فوق راسه قدام الدنيا كلها.
مرت الأيام، وبدأت بنتي ترجع تظهر في حياتي، بس مش البنت اللي كنت أعرفها زمان.. كانت بتعاملني بأصول الدين والواجب اللي يفرضه عليها ضميرها النقي، مش من باب المحبة أو الشوق.
كانت تيجي تزورني في مواسم محددة، تدخل البيت بهيبتها الجديدة، تسلم عليا من بعيد لبعيد، تسأل عن صحتي وعلاجي وتتأكد إن التلاجة مش ناقصها حاجة، وحتى مراتي وعيالي كانت بتتعامل معاهم بذوق وكياسة تحرجهم، بس بعين باردة مفيهاش أي مشاعر. كانت بتجيبلي أفخر أنواع الفاكهة وأغلى الهدايا، بس الهدايا دي كانت بتنزل على قلبي زي الجمر؛ كنت عارف إنها بتعمل كده عشان متسبش لربنا عليها حجة، مش عشان محتاجة حضني أو بتدور على حنيتي.
كنت أقعد قدامها وأنا كلي لهفة، عيني متشعلقة في ملامحها، أستنى منها نظرة عتاب واحدة أو حتى تصرخ في وشي وتطلع اللي في قلبها.. لكن السكوت والبرود كان ردها الوحيد. كنت أتمنى لو تمسك فيا، لو تقولي «يا بابا» بالنغمة اللي كانت بتنادي بيها زمان وهي عيلة صغيرة بتجري عليا عشان أحميها، بس الكلمة دي ماتت على لسانها؛ بقت دايماً تقول: «حضرتك محتاج حاجة؟»، «ألف سلامة عليك»، كلام موزون وناشف زي الصخر.
وفي يوم، قررت أكسر الحصار ده.. نزلت على ركبي قدامها ومسكت إيدها وحطيتها على راسي، وبقيت أعيط بشهقة تقطع النفس:
— ابوس إيدك يا بنتي.. قوليلي إنك سامحتيني، متسيبينيش أقابل وجه كريم وأنا شايل ذنبك في رقبتي.. قولي سامحتك عشان أرتاح، دنا بتمنى رضاكي زي ما كنتي زمان بتستجدي مني حنية!
سحبت إيدها بهدوء شديد ومن غير عصبية، وبصت في عيني بنظرة وجع راكدة، وقالت بصوت واطي وموجع:
— أنا مش كارهة ليك الخير، ولا بدعي عليك، وببرك وبراعيك بما يرضي الله عشان ربنا ميسألنيش عنك.. بس السماح حاجة تانية خالص يا بابا. السماح ده محتاج قلب سليم، وأنت كسرت قلبي حتت ومسبتش فيه حتة واحدة تعرف ترجع تحبك زي الأول.
قامت وقفت، وعدلت هدومها وسابتني على الأرض، وبصتلي النظرة الأخيرة قبل ما تقفل وراها الباب:
— ربنا يعفو عنك وعني.. بس اللي مات فيا زمان، مبيرجعش يعيش تاني.
خرجت وسابتني في حسرتي، أدركت ساعتها إن أكبر عقاب للإنسان مش إنه يفقد اللي بيحبهم، لكن إنه يشوفهم قدام عينه كل يوم، يتنفسوا معاه نفس الهوا، لكن بينهم وبينه بحر من الجليد ملوش شط.. وبقيت عايش كل دقيقة بتمنى رضاها، وعارف إن التمن اللي دفعته من لحمها ودمها ملوش أي توبة في قلبها.