غدر تحت سقف واحد ج١ منى السيد

آدم اللي بياكل في نفسه عشان شايف الحق ضايع بالباطل، وشايف شقى جوزه اللي بيطلع من غبشة الفجر يشتغل بنار الشمس، بيروح لناس شايفة إنه عبد عندهم في بيت العيلة!
حامد دخل بعد المغرب، وشه معفر بتراب الشغل، وقميصه غرقان عرق، ورمى المفاتيح على الترابيزة ورمى جسمه على الكنبة بتنهيدة شقت صدري. رحت حطيت قدامه كباية المية الساقعة، وقعدت قصاده على طرف الكرسي.
حامد… عاوزة أتكلم معاك في موضوع ومتقاطعنيش.
بصلي باستغراب وهو بيمسح وشه بفوطة صغيرة خير يا نادية؟ وشك أصفر كده ليه؟ العيال فيهم حاجة؟
لا، العيال مالهومش حاجة، إحنا اللي فينا المصيبة. أنا سمعت مرات أخوك بتكلم جوزها تحت. وحكيتله كل كلمة اتقالت بالحرف، من غير ما أزود نقطة، وصوت الراجل وهو بيقول ده عايش في خير أبويا والبيت نصه بتاعي.
وش حامد اتغير ١٨٠ درجة. الملامح الهادية التعبانة اتحولت لغضب مكتوم، عرقه اتجمد على جبينه، وفضل ساكت دقيقة كاملة، وبعدين قام وقف وبصلي بعينين حمرا وإنتِ بتتصنتي عليهم ليه يا نادية؟! إنتِ نزلتي ليه أصلاً؟! مش قولتلك متفتحيش سيرة الفلوس دي خالص؟!
اتجننت من رده، قومت وقفت قصاده والدمعة نزلت غصب عني أنا متصنتش! أنا رايحة أطلب حقي وحق عيالي بالذوق، لقيت الباب موارب وصوتهم طالع للسابع! بقى ده جزاتك؟ بقى ده اللي واخد ابن أخوك في عز الفجر بين الحياة والموت، وفاتح صدرك وصارف فلوس لبس عيالك، وفي الآخر يقول عليك عايش في خيرهم وقاعد برضاهم؟! إنت نسيت مين اللي شال أبوك في مرضه تلات سنين لحد ما مات تحت إيدك وهو في التكييفات هناك بيبعت ملاليم؟!
اخرسي يا نادية! حامد زعق بصوت هز الشقة، صوته كان طالع مخنوق بالقهر أكتر من الغضب، قهر الراجل اللي حاسس بالطعنة في ضهره بس عاجز يعترف بيها ده أخويا الكبير، ومهما قال هو في الغربة ومرعوب ومضغوط! مش عشان ألف وخمسمية جنيه هروح أخرب البيت وأولعها بيني وبينه، الفلوس تروح وتيجي، المهم البيت ميتفركش وأمي اللي تحت دي متشلش هم وتمرض!
وأنا وعيالي يا حامد؟! صرخت فيه وأنا بشاور على الأوضة اللي فيها إسلام وأخته هدوم المدارس هنجيبها منين؟ كشاكيل العيال وكتبهم اللي المدرسين طلبوها هنجيبها منين؟ الجمعية اللي عليا قسطها بعد أسبوع هندفعه من الهوا؟ إنت حابس نفسك جوة كلمة ابن أخويا وهما تحت شايفينك عيل شغال عندهم!
سكت ومردش عليا. أخد علبة السجاير بتاعته، وفتح باب الشقة ونزل، سابني واكلة في نفسي.
تاني يوم الصبح، كانت الصدمة التانية في انتظاري، بس المرة دي مش من سلفتي… دي من حماتي ذات نفسها.
نزلت عشان أشتري عيش، لقيت حماتي قاعدة قدام باب شقتها في الدور الأول بتنقي رز. أول ما شافتني، بصتلي من فوق لتحت بقلبة وش ما شفتهاش منها قبل كده. جيت أقول صباح الخير يا أمي، ردت بقرف أهلاً يا نادية.. تعالي هنا عاوزاكي.
دخلت وقفت في الصالة، لقيتها بتقولي بصوت واطي بس حاد زي السكين هو إنتِ بتملي ودان حامد على أخوه ليه؟ مش عيب عليكي تعملي فتنة بين اللحم والدم عشان قرشين مالهمش عازة؟ مكنتش أعرف إن عينك فارغة أوي كده على تعب غيرك، ده بدل ما تقولي فدا رجله والحمد لله إن الواد خف؟!
وقفت مذهولة فتنة إيه يا حماتي؟! هو عشان بقول العلاج كلفنا كذا، وإحنا مزنوقين في قرش المدارس، أبقى بعمل فتنة؟! هي مقالتلكيش جوزها قال إيه على حامد؟ مقالتلكيش إنها شايفة إن حامد ملوش حق في البيت ده؟
حماتي رمت الطبق من إيدها وزعقت البيت ده بيت ابني الكبير اللي بنى وعلا وسافر وشقي! وحامد قاعد في شقته معزز مكرم من غير ما يدفع إيجار، بقى عشان دفعله حبة علاج تعملي فيها مناحة؟! الفلوس دي اعتبريها حق قعدتك في البيت، وبلاش تبوظي العلاقة بين الولاد، عشان لو حامد فكر يفتح بوقه بكلمة، لا هو ابني ولا أعرفه!
الكلام نزل زي الرصاص، حسيت فجأة إن الحيطان اللي كنت فاكراها سانداني وستراني هي سجن بيخنقني أنا وعيالي، وإن العطاء والجدعنة في بيت العيلة بتتقلب رخص وإهانة لو البني آدم كان غلبان وعلى باب الله.
طلعت شقتي وأنا بجر في همومي، قفلت الترباس، وبصيت لإسلام ابني وهو بيطلع البنطلون بتاع السنة اللي فاتت يقيسه، البنطلون كان قصير عليه وضيّق، وبصلي بكسرة نفس وقالي ماما.. هو بابا مش هيجيبلي الطقم الجديد زي ابن عمي تحت؟ شفته لابس طقم الكورة الجديد ونازل بيه الشارع.
خدته في حضني وغصب عني دموعي بللت راسه هيجيبلك يا حبيبي.. بابا هيجيبلك أحسن منه كمان.
فضلت طول اليوم قاعدة أفكك في الجمعيات، وأحسبها يمين وشمال، لحد ما العصر أذن، والباب خبط خبطات سريعة ومرتبكة. قومت فتحت، افتكرت حامد رجع بدري من الشغل، بس مكنش حامد.
كان راجل غريب، لابس بدلة ومعاه شنطة جلد سودة، وبيبص في ورقة في إيده وبيبص على نمرة الشقة مساء الخير يا فندم، دي شقة الأستاذ حامد عبد الرحيم؟
رديت بقلق وخوف أيوه يا فندم، أنا مراته، خير في إيه؟ هو حامد جراله حاجة؟!
الراجل طلع من شنطته ظرف رسمي كبير عليه ختم المحكمة والشهر العقاري، وقدمهولي بجمود لا يا فندم خير، بس ده إخطار رسمي وقضائي موجه للأستاذ حامد ولورثة المرحوم عبد الرحيم، بخصوص دعوى فرز وتجنيب وطرد من الشقة، مقامة من وكيل الأستاذ إبراهيم عبد الرحيم في الإمارات، ومطلوب إخلاء الشقة دي في خلال شهر لو ماتمتش التسوية!
الدنيا لفت بيا، والأرض مالت تحت رجلي، الظرف وقع على عتبة الباب، وحسيت بصدمة شلت كل أطرافي… هما
مش بس كانوا بيستكتروا الفلوس اللي صرفناها، دول كانوا مبيتين النية يرمونا في الشارع من قبل حتى ما الواد يتعب!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *