غدر تحت سقف واحد ج١ منى السيد
أنهارده قبل الفجر، والبيت كله غرقان في نوم عميق وصوت السكون يوجع الودان، شق الهدوء فجأة صوت صريخ مكتوم. أمه كانت بتنده من بير السلالم بصوت يرعب الحجر إلحقني يا بني! إلحق أخوك يا حامد!
جوزي قام منتور من السرير زي الملسوع، قلبه كان بيدق بصوت مسموع في الأوضة، ونزل يجري حافي على السلالم، وأنا وراه بطرحتي مش فاهمة في إيه. نزل لقى مرات أخوه قاعدة على درجات السلم، ساندة ضهرها للحيطة، وبتعيط بانهيار هستيري وهي حاضنة ابنها الصغير، والواد وشه قالب أزرق شفايفه متلجة ومش عارف ياخد نفسه خالص، بيشهق بالراحة وكأن روحه بتتسحب منه في عز الضلمة.
جوزي ما فكرش ثانية، خطف الولد من حضنها من غير ما ينطق حرف، وجرى بيه على الشارع كالمجنون يوقف أي تاكسي. روحنا المستشفى وإحنا في حالة رعب، الأطباء اتلموا في الطوارئ والولد اتركب له أكسجين ومحاليل، والدكتور طلع بعد ساعتين قلق وقال إن عنده ميكروب سبحي شديد مأثر على زوره وصدره. فضلنا معاه لحد ما النهار شقشق والولد فاق ونفسه هدي شوية، ودفعنا اللي في الجيب كله في طوارئ المستشفى وتحاليل الفجر.
رجعنا البيت مهدودين، وجوزي شغال على دراعه؛ نَفَس اليوم بيومه، لا عنده مرتب ثابت ولا قرش متشال على جنب. بالليل كان صرف كتير جداً فوق طاقته، بس قلنا ده ابننا ودمنا وأبوه متغرب في
الإمارات وبيسافر عشان لقمة العيش، فمفيش فرق.
لكن الصدمة بدأت تاني يوم بعد العصر بالظبط.
لقيتها طالعة تخبط على باب شقتي ببرود عجيب، وبتقولي بلهجة عادية كأنها بتطلب كباية سكر خلى جوزك يجي ياخد الولد يكشف عليه، الواد تعبان ومحتاج دكتور شاطر مخصوص. وقفت متنحة مكاني… جوزي شغال باليومية، وأبوه في الخليج بيقبض بالدرهم، وبالليل صرفنا دم قلبنا في الطوارئ! لكن جوزي أول ما سمع الكلمة، نسي كل التعب، أكلته النخوة وجرى أخده وراح بيه كشف عليه في عيادة استشاري، ومنها على الصيدلية وجاب كل العلاج اللي اتكتب.
والصيدلي كتب سعر العلاج على العلبة بخط عريض… الرقم وجع بطني أول ما شفته، كانت فلوس جمعية أنا شايلاها قرش على قرش عشان لبس المدرسة وكتب الولاد اللي خلاص داخلين عليها ومش معايا ليهم مليم أحمر. أخدت العلاج منها بابتسامة باهتة ودخلت قفلت بابي والحرقة واكلاني.
عدى أسبوع بحاله… الواد بقي تمام الحمد لله، بيرمح في البيت وصحته زي البمب. لكن مرات أخوه؟ ولا عبرتنا، ولا فكرت تحاسبنا ولا حتى تقول حسابكم كام يا جماعة هرجعهولكم أول ما جوزي يحول الفلوس. أسبوع كامل وهي بتتعامل وكأن كل اللي اتصرف ده فرض عين علينا ومال سايب.
والله العظيم لو المصاريف بسيطة، مية ولا ميتين، كنا شيلناها وقولنا فداه وأجر وثواب، لكن الحسبة عدت ألف ونص جنيه كاش من لحم الحي! أنا مزنوقة فيهم وداخلة المدارس هتخرب بيتي، وعاوزة اطلبها منها عشان الحق نفسي، بس عارفة إنها هتقلب الدنيا وتقول بيعايروني، وجوزي طبعاً قفل الكلام في وشي وقالي بزعيق خلاص هو ابن اخويا وعادي، متصغرنيش مع أهلي!
طيب أنا الفلوس دي هتفرق معايا في لقمة عيالي وهدومهم، وهي ظروفها مرتاحة والتحويلات بتجيلها بالدولار أول بأول ومكندشة بيتها.
فضلت ساكتة وبغلي، لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه أكسر القاعدة وأنزل أتكلم معاها بالعقل عشان أسترد حقي. خبطت على بابها وأنا بحسب كل كلمة في سري، بس أول ما الباب اتفتح، سمعت ورا ضهرها مكالمة سبيكر كانت مشغلاها مع جوزها في الإمارات، وجملة واحدة اتقالت خلت الدم يهرب من عروقي، وعرفت إن القصة مش مجرد شوية مصاريف علاج اتنسوا… دي كانت مصيبة تانية متفصلة لبيتي وأنا معرفش!
الجملة اللي رنت في الصالة على لسان جوزها من التليفون، نزلت على دماغي زي مية سخنة بتغلي. كان صوته واضح أوي من السبيكر، بنبرة عصبية ومليانة غل يا بنتي إنتِ اتجننتي؟! تحاسبيهم إيه؟! حامد طول عمره عايش في خير أبويا، والبيت ده بتاعي نصه وهو قاعد فيه ببركة دعايا، ده لو دفع دم قلبه مش هيوفي حق قعدته في الشقة دي! حسك عينك تطلعيله مليم واحد، خليه يصرف ويسكت، ده عيل من عيلته ولازم يشيله غصب عنه وعن اللي معاه!
وقفت متيبسة في مكاني قدام عتبة الباب، صوابع إيديا متلجة ومش قادرة أرفع عيني في عينها. هي كانت ماسكة التليفون في إيدها، وبصتلي ببرود ونظرة فيها لؤم وانتصار، وراحت قافلة المكالمة ببطء شديد، وقالت بنبرة ناعمة زي الحية خير يا أم إسلام؟ واقفة على الباب كده ليه؟ في حاجة ناقصاكي من تحت؟
لساني كان تقيل، الكلمة مش راضية تطلع من صدري من كتر القهرة. بصيت على ريسبشن شقتها، السجاد العجمي، التكييف اللي صوته بيهمس في الصالة، والشاشات الكبيرة، والخير اللي مالي كل ركن من ورا الغربة والتحويلات. رجعت بذاكرتي لشكلي الصبح وأنا بفتح درج التسريحة أعد الجنيهات اللي فاضلة من قرش الجمعية عشان أشتري بس كشاكيل سلك لابني عشان ما يتكسفش قدام زمايله في أول يوم دراسة.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت مابينش إني سمعت السم اللي اتنقط في المكالمة لا… مفيش، كنت بس نازلة أطمن على الواد الصغير، أشوف الحرارة نزلت ولا لسه؟
ردت وهي بتمط شفايفها الحمد لله يا حبيبتي، بقى زي الحصان، علاج الدكتور شاطر أوي.. معلش بقى تعبنا حامد معانا، بس هو عمه برضه، والضفر ما يخرجش من اللحم.
طلعت درجات السلم وخطوتي تقيلة كأن رجلي متكلبشة في حديد. دخلت شقتي، رزعت الباب وسندت عليه وبدأت أعيط من كتر القهر. مش عياط ضعف، ده عياط البني
لمحة نيوز