مدرسه المتفوقين حكايات توتا

ثواني، الباب اتفتح.
وقفت قدامنا ست في أواخر الأربعينات.
وشها كان هادي.
لكن عينيها كان فيهم تعب سنين.
بصت لجوزي.
وقالت
محمود؟
هز راسه.
أيوه.
قالت
اتأخرت.
الكلمة كانت أقسى من أي عتاب.
جوزي دمعت عينه.
قال
أنا ماكنتش أعرف.
ردت
عارفة.
دخلنا.
قعدنا.
أنا كنت ساكتة.
نورهان قالت
أنا مش زعلانة منك.
جوزي قال
طب مين؟
ضحكت بحزن.
أنا زعلانة من السنين.
سكت.
وبعدين بدأت تحكي.
قالت إن وهي طفلة، كانت عندها مشكلة صحية محتاجة علاج طويل.
والدها كان وقتها مديون.
أمها كانت بتحاول تجمع فلوس.
لكن أخت جوزي كانت أكبر منها بسنة.
وكانت دايمًا بتحس إن البيت مهتم بنورهان أكتر.
في يوم حصلت خناقة كبيرة.
والدها قال إنه هيبيع جزء من ممتلكاته عشان علاج نورهان.
أخت جوزي سمعت الكلام.
وكانت وقتها مراهقة.
ومن اليوم ده بدأ الغضب.
بعد وفاة الأب، حصلت مشكلة.
أمهم حاولت تحافظ على حق نورهان.
لكن أخت جوزي كانت مصممة إنها تاخد نصيبها.
ولما نورهان دخلت دار الرعاية للعلاج، حصل التلاعب.
أخت جوزي قدمت أوراق مزورة.
وقالت إن الأم وافقت على نقل نورهان.
لكن الأم ماوافقتش.
قالت نورهان
أمي كانت بتيجي لي.
جوزي قال
طب ليه اختفت؟
لأن أختك منعتها.
وبعدين قالت
أمي ماتت وهي فاكرة إني هارجع يوم.
جوزي انهار.
نورهان قربت منه.
أنا مش بلومك.
قال
أنا كان لازم أدور.
إنت كنت طفل.
سكت.
وبعدين نورهان قالت
بس فيه حاجة لازم تعرفها.
أخرجت ملف.
حطته قدامنا.
قالت
أختك كانت بتاخد فلوس منك عشان حاجة واحدة.
فتح جوزي الملف.
كان فيه إيصالات.
تحويلات.
وأوراق.
قالت
كانت بتدفع فلوس لمحامي عشان تمنعني من المطالبة بحقي.
جوزي اتصدم.
يعني الفلوس اللي كنت بديهالك…
كانت بتستخدم جزء منها في ده.
وجزء؟
نورهان قالت
كانت بتدفع بيه لناس عشان يفضلوا ساكتين.
أنا قلت
عن إيه؟
بصت لي.
وقالت
عن إن ابني أخوها كان المفروض يبقى بعيد عني.
جوزي رفع عينه.
إيه علاقة ابني؟
نورهان قالت
ابنك كان ممكن يكتشف حاجة.
إيه؟
قالت
إنه عنده خال.
جوزي سكت.
نورهان قالت
ابني.
جوزي ما فهمش.
إنتِ عندك ابن؟
هزت راسها.
أيوه.
فين؟
ابتسمت.
قدامك.
أنا حسيت إن قلبي وقف.
بصيت لنورهان.
وبعدين لجوزي.
قالت
الولد اللي أختك طول السنين كانت بتصرف عليه فلوس… مش ابنها.
جوزي وقف.
إيه؟
قالت
هو ابني.
الصمت كان مرعب.
نورهان كملت
لما كنت صغيرة، اتاخدت من البيت. وبعدها اتربيت في مكان تاني. ولما كبرت، اتجوزت وخلفت.
وابنك؟
أيوه.
يعني ابن أختي…
قالت
ابني أنا.
جوزي قعد.
أنا ماعرفتش أتكلم.
فجأة كل حاجة بقت واضحة.
ليه كانت أخت جوزي مهتمة بالولد بشكل مبالغ فيه.
ليه كانت بتطلب فلوس.
ليه كانت بتدفع في تعليمه.
وليه كانت بتخاف إنه يفشل.
هي ماكنتش بتحاول تخلي ابنها أحسن من ابننا.
كانت بتحاول تفضل مسيطرة على ابن أختها اللي أخدته من أمّه.
لكن السؤال الأصعب كان
ليه؟
نورهان قالت
لأنها كانت شايفة إني اتظلمت.
قلت
مش فاهمة.
قالت
هي كانت عايزة تثبت لنفسها إنها انتصرت.
جوزي قال
على مين؟
علي.
وبعدين قالت
لما ابني كان صغير، أخدته منها.
جوزي اتصدم.
إزاي؟
بسبب ظروف معينة.
وبعدها بدأت تحكي تفاصيل السنين.
كانت أخت جوزي بتدفع مصاريف الولد وتظهر قدام الناس إنها المسؤولة عنه.
لكن نورهان كانت بتتابع من بعيد.
ولما حاولت ترجع ابنها، حصلت مشاكل.
أخت جوزي هددتها إنها لو ظهرت، هتفضحها وتقول إنها أم غير صالحة.
وبسبب الخوف، نورهان سكتت.
لحد ما ابني أنا نجح.
ولما اتقبل في مدرسة المتفوقين، كل حاجة انفجرت.
لأن نجاح ابني ذكرها إن ابنها، أو بالأصح ابن أختها، ماحققش اللي كانت عايزاه.
قلت
بس هي كانت بتقول إن ابنها محتاج دروس.
نورهان ردت
هو كان بياخد دروس فعلا.
ليه؟
لأنها كانت عايزة توصله لمكانة معينة.
جوزي قال
عشان يثبت إنه أفضل.
هزت راسها.
بالضبط.
وبعدين قالت
هي كانت بتقارن بينه وبينك من قبل ما تعرفي أصلا.
رجعنا البيت.
جوزي فضل ساكت ساعات.
وفي المساء، اتصل بأخته.
المرة دي ردت.
قال
أنا عرفت كل حاجة.
الصمت.
قال
نورهان عايشة.
صوتها اتغير.
محمود…
وعرفت إنك كنتي بتاخدي فلوسي عشان تمنعيها من حقها.
أنا كنت بحميك.
تحميني من أختي؟
إنت مش فاهم.
طب فهميني.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا كنت خايفة.
من إيه؟
إن كل حاجة تضيع.
إنتِ ضيعتيها بنفسك.
بدأت تبكي.
وقالت
أنا كنت فاكرة إني لو خليت ابن نورهان ينجح، يبقى أنا عوضتها.
جوزي قال
وعوضتيها إزاي؟
أنا ربيته.
لا. إنتِ ربيتيه بعيد عن أمه.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا كنت بحبه.
الحب مش معناه إنك تسرقي حق أمه.
ما ردتش.
بعدها قال
ليه زعلتي من ابني؟
هنا سكتت فترة طويلة.
ثم قالت
لأنه نجح من غير ما ياخد حاجة مني.
جوزي استغرب.
قالت
إنت طول عمرك بتصرف على ابني.
ده مش ابنك.
عارفة.
يبقى؟
كنت محتاجة أحس إن الفلوس اللي أخدتها منك ليها معنى.
سكت جوزي.
ثم قال
فلوس إيه؟
قالت
كل الفلوس.
يعني؟
أنا صرفت جزء منها على ابني، وجزء على نورهان من بعيد، وجزء على المحامين.
جوزي قال
بس ليه كذبتي؟
قالت
لأني كنت عارفة إنك لو عرفت إن نورهان عايشة، هتدور عليها.
وكان لازم أدور عليها.
قالت
وأنا كنت خايفة أخسرك.
جوزي قال
إنتي خسرتيني يوم ما كذبتي.
المكالمة انتهت.
بعدها بأسبوع، جوزي قرر يعمل حاجة ماكانش متوقع يعملها أبدا.
جمع أخته.
نورهان.
ابن نورهان.
وأنا وابني.
قعدنا كلنا في مكان واحد.
ابن نورهان كان مرتبك.
بص لنورهان.
وبعدين قال
ماما؟
الكلمة دي كانت أول مرة يقولها قدامنا.
نورهان دمعت.
حضنته.
أخت جوزي كانت قاعدة في الناحية التانية.
وشها مليان ندم.
ابني كان واقف بعيد.
قرب من ابن خاله.
وقال
مبروك.
الولد استغرب.
على إيه؟
ابني ابتسم.
إنك عرفت أمك.
الولد دمعت عينه.
وأنا وقتها فهمت إن النجاح مش دايمًا بيكون في المدرسة.
في ناس بتدخل مدرسة المتفوقين.
وفي ناس بتتعلم دروس عمرها كله في يوم واحد.
أخت جوزي اعتذرت.
مش اعتذار يمسح السنين.
لكن اعتذار حقيقي.
قالت لنورهان
أنا ظلمتك.
نورهان ردت
أيوه.
ومش عارفة أصلح.
ابدئي إنك ترجعي الحق.
وفعلا، بدأت الإجراءات القانونية.
كل ورقة.
كل حساب.
كل حق.
اتراجع.
جوزي أصر إن كل فلوس اتاخدت باسمه تتراجع.
وأي مبلغ يثبت إنه كان حق نورهان يرجع لها.
أما أنا، فأول حاجة عملتها كانت إني كلمت ابني.
قلت له
فاكر يوم ما كنت خايفة إن مشكلة عمتك تأثر عليك؟
قال
آه.
إيه رأيك دلوقتي؟
ضحك.
وقال
أنا دخلت مدرسة المتفوقين.
حضنته.
وقلت
وده أهم حاجة.
بعد شهور، بدأ ابني دراسته.
وكان كل ما يرجع يحكي لنا عن أصحابه ومدرسته.
أما ابن نورهان، فبدأ هو كمان يعيد ترتيب حياته.
ونورهان رجعت تدريجيًا للعيلة.
مش كل حاجة رجعت زي زمان.
لأن في جروح بتاخد سنين عشان تهدى.
لكن على الأقل الحقيقة ظهرت.
وفي يوم، أخت جوزي جت لي لوحدها.
قالت
أنا عايزة أقول لك حاجة.
قلت
اتفضلي.
قالت
أنا كنت بغير من ابنك.
ابتسمت بحزن.
عرفت.
بس مش عشان هو وحش.
عارفة.
عشان نجاحه فكرني بكل حاجة أنا فشلت فيها.
قلت
إنتِ ماكنتيش محتاجة تحاربيه.
بصت لي.
كنت محتاجة أتعالج من اللي جوايا.
هزيت راسي.
بالضبط.
وبعدين قالت
أنا آسفة.
المرة دي، أنا صدقتها.
مش لأن اللي حصل اتنسى.
لكن لأن الإنسان ممكن يغلط.
المهم يعرف غلطه.
بعد ما مشيت، جوزي قعد جنبي.
قال
تصدقي؟
في إيه؟
لو ابني ماكانش اتقبل في مدرسة المتفوقين، يمكن عمرنا ماكنا عرفنا الحقيقة.
بصيت له.
يمكن.
يعني نجاحه كشف كل حاجة.
ابتسمت.
أوقات النجاح مش بيكشف مين فرحان بيك.
سكت.
قلت
النجاح بيكشف مين كان مستني وقوعك.
وبصيت ناحية أوضة ابني.
كان بيذاكر.
نفس الطفل اللي كنا بنوفر له تمن الدروس.
نفس الطفل اللي عمره ما طلب حاجة زيادة.
نفس الطفل اللي تعب من غير ما يعرف إن نجاحه هيكون سبب في كشف أسرار عيلة كاملة.
وفي آخر الليل، جوزي قال لي
عارفة إيه أغرب حاجة؟
إيه؟
إننا طول السنين كنا فاكرين إن أختي بتاخد فلوس عشان ظروفها صعبة.
قلت
والحقيقة؟
قال
كانت ظروفها صعبة فعلا.
استغربت.
إزاي؟
قال
كانت عايشة طول عمرها جوه كذبة هي اللي صنعتها.
سكتنا.
وبعدين قال
بس ابني علمني حاجة.
إيه؟
إنك ممكن تخسر فلوس كتير، وتقدر تعوضها.
لكن لو خسرت ثقة الناس اللي حواليك…
كمل
صعب ترجعها.
بصيت له وقلت
والأهم إننا ما نكررهاش.
هز راسه.
وفي اليوم اللي ابني استلم فيه أول شهادة له من مدرسة المتفوقين، كانت العيلة كلها موجودة.
نورهان.
ابنها.
أخت جوزي.
جوزي.
وأنا.
ابني وقف وسطنا وهو ماسك الشهادة.
بص لنورهان.
وقال
خالتو، أنا سعيد إنك رجعتي.
نورهان حضنته.
وبعدين أخت جوزي قربت منه.
قالت
وأنا فخورة بيك.
ابني ابتسم.
وقال لها
وأنا كمان.
بصيت للمشهد.
وفكرت في أول يوم عرفت فيه إن عمته قاطعتنا بسبب نجاحه.
وقتها كنت فاكرة إن الحكاية كلها غيرة.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
كانت حكاية فلوس.
وغيرة.
وورث.
وأخت ضايعة.
وابن اتربى بعيد عن أمه.
وكذبة استمرت سنين.
لكن في النهاية…
النجاح اللي كانت شايفاه سبب للخلاف، طلع هو نفس النجاح اللي كشف الحقيقة.
وابني ماخسرش عمته.
هو كسب عيلة كاملة كانت متفرقة بسبب أسرار قديمة.
وأنااتعلمت إن مش كل شخص بيطلب منك المساعدة محتاجها فعلًا…
ومش كل حد بيقول لك أنا أخوك أو أنا أختك بيكون صادق معاك.
لكن أهم درس اتعلمناه كلنا كان
ماينفعش نحط أولادنا في سباق عشان نثبت مين أحسن.
لأن الطفل مش مسؤول عن عقد الكبار.
ولا عن أخطاء أهلهم.
ولا عن الفلوس اللي اتدفعت باسمه.
ابني دخل مدرسة المتفوقين.
لكن بالنسبة لي…
أكبر نجاح حققه ماكانش الشهادة.
كان إنه فضل طيب رغم كل اللي حصل حواليه.
وده كان النجاح الوحيد اللي ماحدش قدر ياخده منه.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *