كنت شايله الصينيه فاضيه ج١
منال علي
الجزء الاول
كنت شايلة صينية الكنافة الفاضية وداخلة بيها المطبخ، بعد ما قضينا طول اليوم بنحتفل بأول أيام عيد الفطر، لما لقيت مرات ابني بتخبط بالمعلقة على الكوباية بتاعتها وقالت وهي بتبتسم:
“قبل ما الناس تمشي… عندي خبر حلو أوي يخص طنط نادية.”
وقفت مكاني.
كل اللي قاعدين على السفرة الكبيرة بصوا لها.
السفرة دي… أنا وجوزي الله يرحمه، عم حسن، اشتريناها من أكتر من تلاتين سنة، ولسه عليها نفس الخدوش اللي عملها الولاد وهما صغيرين.
أحفادي كانوا لسه بياكلوا بواقي الكنافة.
أختي كانت بتلم باقي الأكل وتحطه في علب.
وابني الوحيد… كريم… فجأة بقى مركز أوي في مفرش السفرة اللي قدامه، كأنه خايف يرفع عينه في عيني.
ابتسمت مرات ابني وقالت بثقة:
“أنا وكريم لقينا لطنط نادية دار إقامة محترمة جداً لكبار السن في الشيخ زايد… مكان راقي، فيه أكل، ودكاترة، وأنشطة، وعربيات توصلهم… يعني كل حاجة هتريحها على الآخر.”
سكت البيت كله.
حسيت صينية الكنافة اللي في إيدي بردت فجأة.
وكملت وهي بتتكلم وكأنها بتعلن عن مفاجأة تفرح:
“ولما طنط تستقر هناك، أنا وكريم هننقل نعيش هنا على طول. الشقة واسعة، والأولاد محتاجين أوضة زيادة، وبصراحة البيت كبير على شخص واحد.”
حد من الموجودين كح كحة خفيفة.
أنا بصيت لكريم.
ابني الوحيد.
الولد اللي كان وهو صغير أول ما يسمع صوت الرعد يجري ينام في حضني لأنه كان خايف يصحى يلاقيني اختفيت.
الولد اللي أنا وأبوه حرمنا نفسنا من الخروج والسفر سنين عشان ندفعله مصاريف الجامعة.
قلت بصوت هادي:
“كريم؟”
رفع عينه بالعافية.
وقال:
“يا ماما… كنا هنكلمك لوحدنا.”
بصيت له:
“كنا؟”
ضحكت مراته وقالت بسرعة:
“أيوه… أصل إحنا ما حبينش نشغلك بالتفاصيل. إحنا رحنا شفنا مكانين، وفي واحد منهم عجبنا أوي.”
حطيت الصينية على الرخامة بهدوء.
وبصيت لها:
“إنتوا… رحتم تتفرجوا عليهم فعلًا؟”
كريم مسح على وشه بتوتر:
“يا ماما… إنتي عندك تسعة وستين سنة… بابا بقاله تلات سنين متوفي… والبيت كله سلالم، وتنضيفه متعب… والمنطقي إنك ترتاحي.”
لفيت بعيني في الشقة.
الحيطة اللي أبو كريم دهنها بنفسه، وساب فيها ميل بسيط لأنه كان رافض يسمع كلام الصنايعي.
علامات الطول اللي كنا بنقيس بيها كريم كل عيد ميلاد على جنب باب المطبخ.
والخدش اللي جنب الصالة، يوم ما دخلنا أول سفرة كبيرة وخبطت في الحيطة، وفضل أبو كريم يضحك ويقول:
“ولا يهمك… البيت لما يعيش مع ناس لازم يبان عليه.”
البيت ده…
مش أربع حيطان.
البيت ده عمري.
واحد وأربعين سنة من الذكريات.
من الساعة سبعة الصبح وأنا واقفة في المطبخ.
عملت محشي.
وفتة.
ورقاق باللحمة.
وكفتة.
وسلطة.
وحلويات.
وفي وسط كل ده…
عيلتي كانت قررت هقضي باقي عمري فين…
من غير حتى ما حد يسألني أو ياخد رأيي.
مدت مرات ابني إيديها تمسك إيدي وقالت بابتسامة:
“هتحبيه أوي بعد ما تتعودي.”
سحبت إيدي بهدوء.
وشلت طبقين من على السفرة.
وقلت:
“ماشي.”
استغربت:
“ماشي؟”
هزيت راسي:
“بس أخلص المواعين الأول.”
ولأول مرة…
شفت الارتياح على وش كريم.
وده كان أكتر حاجة وجعتني.
ولا واحد فيهم دخل يساعدني.
ولا حد خد باله إن إيديا بترتعش وأنا برمي بواقي الأكل.
وقفت قدام شباك المطبخ.
الليل كان هادي.
افتكرت أبو كريم.
كل عيد كان يقف هنا يغسل المواعين معايا ويقولي:
“اللي طبخ يتدلع… وأنا أشيل الباقي.”
ابتسمت رغم الدموع.
ونشفت إيديا.
وطلعت أوضتي.
بعد حوالي نص ساعة…
نزلت وأنا شايلة ظرف أصفر قديم.
الكل سكت.
قعدت على كرسي أبو كريم…
الكرسي اللي عمري ما قعدت عليه من يوم وفاته.
بص كريم للظرف وقال:
“إيه ده يا ماما؟”
حطيته قدامه.
وقلت:
“دي حاجة أبوك سابهالي.”
طلعت منه تلات ورقات.
عقد الشقة. حكايات منــال عـلـي
وورقة تسجيل الملكية.
وجواب مكتوب بخط إيده.
زقيت عقد الشقة ناحية كريم.
وقلت:
“اقرأ اسم المالك.”
أول ما قرأ…
وشه اتغير.
مراته قربت تبص.
وكانت الصدمة واضحة على وشها.
اسم واحد بس مكتوب.
نادية عبد الرحيم.
لا كريم.
ولا مراته.
أنا… وبس.
بلع ريقه وقال:
“أنا كنت فاكر بابا كتبلي نصيب فيها من زمان.”
ابتسمت بحزن:
“كان بيفكر… لكن عمره ما عملها.”
اعترضت مراته بسرعة:
“بس كريم كان بيساعد في مصاريف البيت!” متوفره على روايات واقتباسات
بصيت لها بهدوء:
“الشقة دي أنا وأبوه خلصنا أقساطها قبل ما يموت بتسع سنين.”
فضل كريم يبص للورق.
وقال بصوت مكسور:
“طب ليه بابا كان دايمًا يقولي إن البيت ده بيتي؟”
ابتسمت:
“عشان إنت ابنه.”
فتحت الجواب.
وقلت: حكايات منــال عـلـي
“أبوك كتبه وهو تعبان قبل ما يتوفى.”
وقريت جزء صغير:
“يا نادية… البيت ده بيتك طول ما إنتي عايزة تعيشي فيه. أوعي في يوم تحسي إنك بقيتي ضيفة في المكان اللي بنيناه سوا. البيت بيتعمر بالمحبة… مش بالضغط ولا بالإحراج.”
سكت الكل.
ووش مرات ابني احمر من الخجل.
قفلت الجواب. حكايات منــال عـلـي
وقلت بهدوء:
“أنا ماكنتش ناوية أحرج حد.”
كلهم سمعوني وأنا بكمل:
“كنت ممكن في يوم أقرر أبيع الشقة أو أنقل منها… ويمكن أعمل كده فعلًا. يمكن ييجي يوم السلم يتعبني… ويمكن البيت يبقى كبير عليا.”
بصيت لكريم:
“لكن القرار ده… قراري أنا.”
دموعه نزلت:
“يا ماما…”
رفعت إيدي:
“استنى… لسه مخلصتش.”
فضل ساكت.
“أنا فاهمة إن أولادك كبروا… وإن الحياة بقت غالية… وإن البيت ده بالنسبة لكم حل سهل.”
سكت شوية.
“لكن أنا مش عقبة واقفة بينكم وبين شقة أكبر.”
وطى راسه في الأرض.
في اللحظة دي…
حفيدتي الصغيرة، ملك، قامت بهدوء، ومسكت إيدي.
ضغطت عليها بحنان.
وبعدين بصيت لكل اللي قاعدين:
“أنا قضيت واحد وأربعين سنة بخلي أي حد يدخل البيت ده يحس إنه في بيته.”
اتكسر صوتي لأول مرة:
“ماكنتش متخيلة ييجي يوم أحتاج أفكر عيلتي إني أنا كمان صاحبة البيت.”
همست مرات ابني:
“والله يا طنط… ما كان قصدي.”
قلت:
“عارفة.”
وده كان أصعب شيء.
هي مش شريرة.
وابني مش قليل الأصل.
بس كانوا مشغولين بحل مشاكلهم… لدرجة إنهم نسوا يشوفوني كإنسانة ليها حق تختار.
شافوا أرملة.
وشقة كبيرة.
وحل جاهز. حكايات منــال عـلـي
قام كريم من مكانه.
ولف لحد ما قعد على ركبه قدامي.
كان عنده خمسين سنة…
لكن أنا شفت فيه الطفل اللي كان يرجع من المدرسة هدومه كلها تراب.
قال وهو بيبكي:
“سامحيني.”
بصيت له:
“مش عشان الشقة مش هتبقى بتاعتك.”
هز راسه:
“عارف.”
وكمل:
“سامحيني عشان سيبتك طول اليوم واقفة بتطبخي وإحنا عارفين هي هتقول إيه… وما منعتهاش.”
دموعي نزلت.
وقلت:
“دي أكتر حاجة وجعتني.”
غطى وشه بإيده:
“كان لازم أوقفها.”
قلت بمنتهى الهدوء:
“أيوه… كان لازم.”
بعدين حطيت إيدي على كتفه.
وقلت:
“الغلط ممكن أي حد يعمله… المهم بعده هتختار تبقى راجل إزاي.”
(يتبع…)