زباله ابني

بعد تلات أسابيع، الباب خبط خبطتين ناشفين. فتحت بلهفة وكنت مستنية أشوف وائل يترمي في حضني ويقولي سامحيني يا أمي، لقيت وائل واقف ومعاه تلات رجالة غُرب وعربية نقل واقفة تحت العمارة. كان وشه حجر، ناشف ومفيهوش دمعة واحدة ولا حتى عتاب. مد إيده بمفتاح الشقة حطه في إيدي، ومن غير ما يرفع عينه في عيني قال بصوت جامد: «إحنا أجرنا شقة في أول فيصل، وجايين ناخد هدومنا وعفشنا.. مش هنسيب هنا حاجة، ولا حتى كيس بلاستيك تدوري فيه بعد ما نمشي».
جيت أصرخ، ألطم على وشي، أقوله «يا ابني حرام عليك بيتك وعزك وأهلك!»، لقيته مش سامعني، واقف يشرف على العمال وهما بيفكوا غرف النوم والصالون وينزلوا بالكراتين. كل كرتونة كانت بتنزل كان حتة من كبدي بتتقلع معاها، والجيران متجمعين في البلكونات بيتفرجوا على الفضيحة الحقيقية.. ابني بيعزل وسايب أمه!
قبل ما ينزل آخر كرتونة، بصيت عليه بنكسار وقولتله: «هتسيبني لوحدي يا وائل؟

طب والعيّل اللي في بطنها ده.. مش هشوف حفيدي؟».
وقف على أول درجة في السلم، وبصلي بصة أخيرة كانت أقسى من الموت، وقال: «ابني هيتربى في بيت نظيف وسره جواه ومحدش يعرف هو بياكل إيه ولا بيشرب إيه، ومش هيشوف جدة تستعر من أهلها وتفضح أبوه عشان كام كيس شيبسي.. اعتبري نفسك وفرتي تمن الزبالة يا أمي».

نزل ورزع باب العمارة تحت، وسابني واقفة على البلاط العريان وسط حيطان فاضية، مفيهاش غير صوت بكايا اللي ملقاش حد يسمعه.
مرت شهور تقيلة كأنها سنين، الشقة حيطانها بقت تاكل فيا، والسكوت كان بيصرخ في ودني ليل ونهار. التليفزيون شغال ع الفاضي، والأكل بيبات بالأيام في التلاجة ماليش نفس أمد إيدي عليه. عرفت يعني إيه ضنى يبعد، وعرفت إن كل اللي عملته كان جهل وعما عين خسرني حتة مني عشان كلام نسوان مالوش عازة.
لحد ما جه يوم جمعة بعد العصر، سمعت المفتاح بيلف في الباب.. قلبي دق في صدري زي الطبلة، وقفت مذهولة والباب بيتفتح ودخل وائل، كان وشه أهدى شوية بس عينه لسه فيها شجن، وجايب في إيده فاكهة وحاجة حلوة. رميت نفسي عليه وأنا بنهار من العياط، حضنته بكل قوتي كأني خايفة يطير، وبوست كتفه ودماغه وقولتله وأنا بتوسل ودموعي مغرقاني: «سامحني يا ابني، حقك على راسي، والله العظيم اتعلمت، الوحدة كانت هتموتني وكفرت عن غلطتي ألف مرة.. ارجعوا يا وائل، ارجعوا والبيت ده يبقالكم كتمان، مش هسأل في تفصيلة، ولا هتدخل في خصوصياتكم ولا هبص حتى ع الباب، اعتبرني هوا.. بس ما تحرمنيش منكم ومن ريحة حفيدي!».

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *