زباله ابني
الخط قطع في وشي، وبصيت لوائل وأنا متوقعة إنه هيهجم على التليفون يزعق لحماته وينتصر ليا، بس لقيته باصصلي بنظرة كلها كسر ووجع، عينيه اتملت دموع وقال بصوت يرعش من القهر: «انتي بتعملي فيا كده ليه يا أمي؟ بقى أنا اللي طالع عيني في الشغل وكنت مستني أفرحك بالليل وأقولك نيرة حامل وهتبقي جدة، تروحي تفضحي مراتي قدام أهلها وتبعتي صور زبالة بيتي للشارع كله؟ أنا اللي كنت بطلب الأكل، وأنا اللي بجيبلها الحاجة عشان أفرّحها، والفلوس دي كلها من شقايا وتبييت رجلي في الشغل.. إنتي بكلامك ده ما فضحتهاش هي، إنتي كسرتي ضهري وصغرتيني قدام نسايبي وقدام الجيران».
بلع ريقه بصعوبة ووشه بقى خالي من أي تعبير، وبصلي بصة برود وجحود خلت قلبي يقع في رجلي، وقال بصوت حاسم ما سمعتوش منه طول عمره: «لحد هنا والمهازل دي لازم تنتهي يا أمي. بيتي وعرضي مش فرجة للجيران، وأنا من النهاردة مش هقعد في العمارة دي دقيقة واحدة زيادة بعد ما ألاقي شقة. أنا هدور على شقة إيجار في مكان تاني خالص، مكان محدش يعرفنا فيه ولا يشاور علينا ويقول دول اللي زبالتهم متصورة على الواتساب.. البيت هنا هسيبهولك تشبعي بيه وبالحيطان بتاعته».
وقفت مبرقة مش مصدقة اللي بيتقال، ولساني اتشل من الصدمة وأنا شايفة ابني الوحيد اللي ربيته وشقيت عليه بيقولي هسيبلك البيت وأمشي عشان خاطر واحدة غريبة! جيت أفتح بقي أزعق، لقيته بيشاور بإيده عشان أسكت، ووطى على الأرض بكل هدوء، مد إيده ولم علبة التحليل، والروشتة، وكل قشاية وإيصال وقعوا من كيس الزبالة، حطهم جوه الكيس، وربطه بإحكام وهو باصص في عيني بتحدي ومرارة وقال: «والزبالة دي؟ الزبالة دي أنا هاخدها في إيدي وأنا نازل دلوقتي أرميها بنفسي تحت، عشان أتأكد إنك مش هتحطي عينك ولا إيدك فيها تاني وكل يوم وانا رايح الشغل هاخد بنفسى الزباله ارميها
لف ضهره ومسك نيرة بإيد، وكيس الزبالة بالإيد التانية، ونيرة كانت ماشية جنبه راسها في الأرض وما نطقتش بنص كلمة ولا حتى بصت وراها. طلعوا من باب الشقة، ورزع الباب وراه رقعة سمعت في العمارة كلها، كأنه قفل باب حياته في وشي للأبد.
جريت على البلكونة ورا الستارة، شفت وائل وهو ماشي في الشارع شايل كيس الزبالة رماه في الصندوق الكبير بعيد عن العمارة، وأجر تاكسي وركب نيرة وركب جنبها ومشيوا. الجيران كانوا باصين من الشبابيك يتهامسوا، وتليفوني في الصالة ما بطلش زن رسايل، وأنا واقفة في مكاني، حاسة ببرد غريب دخل في عضمي، بعد ما أدركت إني عشان أراقب كيس زبالة خسرت ابني وكسرت فرحته، وبقيت قاعدة في شقة واسعة فاضية مفيهاش حس ولا ونيس غير صدى فضايحي.
عدت الأيام والتليفون مابيرنش، كل ما أسمع خطوة على السلم أجري على العين السحرية بلهفة، أقول وائل رجع، بس ما ألاقيش غير الجيران طالعين نازلين، واللي منهم يلمحني خارجة من الشقة يبص في الأرض ويسرع خطوته كأنه خايف يكلمني، أو يرمي عليا «صباح الخير» مسمومة من طرف مناخيره.
بقيت أخرج اشتري طلباتي وأنا مدارية وشي بالطرحة، النسوان اللي كانوا بيقعدوا يسمعوني ويشجعوني بقوا يتهامسوا أول ما أعدي: «أهي.. أهي الحما اللي فضحت ابنها وصورت زبالته عشان شيبسي!». النار كانت بتاكل في قلبي، لا وائل بيرد على تليفوني ولا بيبعت حتى يسأل عني، وكل ما أطلبه ألاقي الخط بيديني مشغول أو مقفول، عرفت إنه عملي بلوك.. ابني الوحيد اللي ربطت عمري بيه عمل لأمه بلوك!