يوم عيد الام
”أيوة.”
”ليه عملتي كده؟”
وقفت جنب الرخامة في المطبخ.
”عشان هي مبقاش ليها بنت خلاص.”
سكت شوية.
وبعدين أحمد وطي صوته وقال:
“جري إيه يا ندى، كبري عقلك.. دي كانت غضبانة وبتقول أي كلام.”
”لا، هي كانت محددة كلامها كويس جداً.”
”ماكانتش تقصد!”
”حاجة مريحة جداً إنها ماكانتش تقصد.”
صوته حد وقسي:
“أنتِ ماينفعش تعاقبيها في فلوسها وبيتها عشان جملة اتتقالت في لحظة زعل!”
”أنا ما بعاقبش حد. أنا مجرد بطلت أدفع وأصرف على حد بيعلن قدام الكل إنه بيتمنى ما أكونش موجودة في حياته.”
أحمد أخد نفس طويل وبصوت عالي:
“أنتِ عارفة إنها مش هتقدر تكفي المصاريف دي كلها لوحدها!”
”خلاص، ساعدها أنت.”
سكت تاني.
وهي دي بقى المشكلة الحقيقية.
أحمد عنده أربعين سنة، وبيكسب مبالغ محترمة جداً من شغله في المبيعات، وراكب عربية أحدث موديل، وبيطلع يصيف مرتين في السنة، وسبحان الله، عمره ما كان معاه فلوس لما أمي تكون محتاجة أي مساعدة!
في الآخر قال: “أنا عندي بيت وعيال ومصاريف!”
”وانا مالي؟”
”يا ندى..”
”أنت إمبارح قايل عليّ إني درامية وبكبر الموضوع. والنهاردة صاحي من النجمة بتتصل بيا عشان الدراما دي طلعت بتكلفك فلوس!”
بدأ يتكلم فوق صوتي ويقاطعني.
قفلت السكة في وشه.
على الساعة تسعة، صاحبة أمي الأنتيم اتصلت.
وبعدها خالتي.
وبعدها ابن عمتي اللي ما اتكلمتش معاه من سنة 2019.
القصة كانت خلاص انتشرت وتوزعت على العيلة كلها: ندى سابت أمها المكسورة في محنتها عشان “سوء تفاهم بسيط”!
والغريبة بقى، إن محدش فيهم جاب سيرة الجملة اللي أمي قالتها أصلاً!
على الضهر، جالي إيميل منها، وكان عنوانه: أنا آمل إنك تكوني فرحانة بنفسك وبإنجازك.
تلات فقرات كاملين عن الإهانة، والتضحية، والواجب العائلي.
ولا جملة واحدة فيها: “أنا أسفة.”
عملت فوروارد للإيميل لطارق.
اتصل بيا على طول.
”ما ترديش.”
”ما كانش في نيتي أرد أصلاً.”
سكت شوية وقال:
“أنتِ عارفة هي مستنية إيه، صح؟”
”اه.”
”مستنياكي تترعبي وتجري تصالحيها.”
بصيت من شباك مكتبي على الزحمة في الطريق الدائري.
”للمرة الأولى في حياتها، هي اللي هتقلق وتترعب.”
في اليوم ده بعد الضهر، اكتشفت مصاريف تانية.
فاتورة الكهرباء كانت باسم أمي، بس كارت البنك بتاعي هو اللي كان مربوط بالسحب التلقائي من يجي تلات سنين.
شلت الكارت.
وبعدين اشتراكات القنوات والتلفزيون.
وبعدين خدمة الصيانة بتاعت العربيات.
وبعدين اشتراك الصيدلية والتوصيل الشهري.
وفاتحة الشيت وبجمع.
مش عشان أنا غضبانة.
عشان كنت عايزة اعرف التكلفة الحقيقية لأني أكون “البنت اللي أمها بتتمنى لو ما كانتش خلفتها.”
المبلغ الإجمالي في السنة صدمتي.
31,842 دولار! (يعني فوق المليون ونص جنيه!)
وده غير الطوارئ، وموتور المية الجديد اللي غيرتهولها، وتصليح السقف، والمحامي بتاع أحمد، وزراعة الأسنان بتاعت أمي، والمبلغ اللي حولتهولها لما قالت إنها “على وش إفلاس وهتترمى في الشارع.”
بالليل، طارق جه وجاب معاه أكل جاهز، ولقاني قاعدة أوفس في الشيتات والفلوس.
”وصلت لكام؟”
”فوق المليون ونص في السنة.”
سحب الكرسي وقعد جنبي.
”أنتِ كنتِ عارفة إنه مبلغ كبير.”
”ماكنتش اعرف إني يعتبر دافعة ثمن شقة تانية لحسابها!”
تليفوني نطق.
رسالة من خالتي خديجة:
أمك بتقول إنك عايزة ترميها في الشارع وتخليها من غير بيت.
كتبتلها رد:
لا. أنا بس بطلت أدفع إيجار بيت مش بتاعي.
خالتي ردت في ساعتها:
دي أمك!
بصيت للشاشة قبل ما أرد:
وهي إمبارح كانت بتتمنى ما أكونش بنتها.
ما جاليش أي رد بعديها.
لمدة يومين، المكالمات ما وقفتش.
صباح يوم الأربع، أحمد ظهر في الشركة عندي في المكاتب من غير ميعاد، ورفض يمشي من موظفين الاستقبال تحت إلا لما ينادوني.
”أخوكي بيقول إن فيه حالة طوارئ عائلية.”
كنت هرفض أنزله أو أخليه يطلع.
بعدين غيرت رأي.
لما أحمد دخل أوضة الاجتماعات، وشه كان أحمر من الغضب.
”أنتِ لازم تحلي القرف ده فوراً!”
سندت ضهري لورا.
”إيه اللي حصل؟”
”أمي اتكلمت مع البنك.”
”وايه يعني؟”
”فاضيلها ست سنين في أقساط الشقة. ومش هتقدر تعمل إعادة جدولة على مرتبها ومعاشها ده!”
”دي معلومات كان المفروض هي تكون عارفاه من زمان.”
صوته علي:
“كده هي هتضطر تبيع الشقة!”
استنيت وما نطقش.
أحمد كان باصصلي بغل.
وفجأة.. فهمت كل حاجة!
”عشان كده أنت هنا.”
”إيه؟”
”أنت مش فارق معاك إني مجروحة. أنت فارق معاك إنها لو باعت الشقة، أنت هتروح منك الشقة الكبيرة اللي كنت فاكر إنك هتوصلها وتورثها يوم ما هي تروح!”
وشه اتغير تماماً.
وفجأة، كل “الطوارئ العائلية” دي بقى ليها معنى واضح جداً.
الجزء الثالث
وش أحمد اتغير بسرعة كبيرة لدرجة إنه كان ناقص يعترف بعظمة لسانه.
”ده كلام فارغ وعبط!”
”حقيقي؟”
”أيوة طبعاً!”
ربعت إيدي.
”طب قوللي أنت جاي هنا ليه؟”
”عشان أمك عندها سبعين سنة!”
”عندها تمانية وستين.”
”أنتِ عارفة قصدي إيه!”
”لا يا أحمد، مش عارفة.”
بدأ يروح ويجي في أوضة الاجتماعات وهو متوتر.
”العيلة دي طول عمرها بتشيل بعضها وبتسند بعض!”
كنت هضحك بصوت عالي من الظرف.
بدال كده، فتحت اللاب توب بتاعي.
”عايز تتكلم عن إننا بنشيل بعض؟”