يوم عيد الام

حصري لصفحة روايات رولا
في يوم الأم، أمي بصت في عيني على طول وقالتلي: “يا ريتك ما كنتِ بنتي.” قمت وقفت، ورزعتها الجملة: “خلاص، عيشي كأن ما لكيش بنت أصلاً،” وركبت عربيتي ومشيت. وتاني يوم الصبح، التليفون مابطلش رن—وفجأة، الكل بقى عايزني أرد.
​”يا ريتك ما كنتِ بنتي.”
​أمي، هدى، قالتها قدامي وهي قاعدة على الترابيزة اللي كانت مليانة ورد يوم الأم، وتورتة لسه محدش لمسها، وأكل غالي في مطعم فخم أنا اللي دافعة حسابه كله.
​بصت في عيني مباشرة وهي بتقولها.
​ولكام ثانية، جسمي اتخشب ومقدرتش أتحرك.
​أخويا الكبير، أحمد، كان باصص في طبقُه ومش راضي يرفع عينُه. ومراته، مروة، فجأة بقت مهتمة جداً بتمسح إيدها بالمناديل. محدش فيهم نطق كلمة واحدة يدافع بيها عني.
​أمي ربعت إيدها وقالت:
“أنتِ سمعتيني كويس يا ندى. من ساعة ما اتجوزتي طارق، وكل حاجة بقت عن شغلك، وبيتك، وحياتك أنتِ. مبقتيش تفتكري إن ليكي عيلة أصلاً.”
​أنا كان عندي أربعة وتلاتين سنة، مديرة عمليات إقليمية في التجمع الخامس في القاهرة. بشتغل ستين ساعة في الأسبوع، وسددت لأمي أقساط الشقة بعد ما بابا اتوفى، ودفعت مصاريف المحامي لأحمد أيام طلاقه الأولاني، وقضيت ليلة رأس السنة اللي فاتت راكبة عربيتي أربع ساعات في المطر والبرد القارص عشان أمي قالت إنها “مش متحملة تقعد في بيت فاضي.”
​وبرغم كل ده، برضه في نظرهم طلعت مقصرة وماينفعش أكون بنت.
​سألتها بصوت هادي: “هو ايه بالظبط اللي كان هيخليني بنت كويسة في نظرك؟”
​ردت: “واحدة بتحط عيلتها في الأول.”
​أحمد أخيراً نطق وقال: “يا ندى، يمكن ده مش الوقت المناسب للحديث ده.”
​ضحكت ضحكة مكسورة.
أكيد طبعاً.
عمر ما كان فيه “وقت مناسب” لما أكون أنا الشخص اللي بيتأذي.
​أمي زقت الكرسي ووقفت: “أنا ضحيت بكل حاجة عشانكوا.”
​رديت عليها: “وأنا قضيت نص عمري بطوله وبدفعلِك تمن تضحيات أنا ما طلبتش منك تفضلي تذليني بيها طول العمر.”
​وشها اتغير وقسي أكتر.

وبعدين قالت الجملة اللي نهت كل حاجة بينّا:
​”لو يرجع بيا الزمن تاني، ما كنتش خلفت بنت أصلًا.”
​مديت إيدي وجبت شنطتي.
​طارق مسك إيدي: “ندى.. اهدي.”
​هزيت رأسي بالرفض.
من غير زعيق. من غير دموع.
​قمت وقفت.
​”خلاص، عيشي كأن ما لكيش بنت أصلاً.”
​أمي برشت بعينيها: “أنتِ بتقولي إيه؟”
​”مش بتتمني إني ما أكونش بنتك؟ تمام. من النهاردة، انتِ ما لكيش بنت.”
​أحمد اتريق وقال: “ما تبقيش درامية بزيادة.”
​بصيتله وقلت: “هتفهم بكره.”
​طارق مشي ورايا للشارع من غير ما ينطق ولا كلمة.
​ركبت عربيتي الجيب السودا، دورت الموتور، ومشيت وأمي واقفة ورا إزاز المطعم بتتفرج عليا وأنا ببعد.
​في الليلة دي، عملتلها بلوك على الرقم.
​وبعدها لأحمد.
​وبعدها لمروة.
​ونمت ليلتها أحسن نومة نمتها من شهور.
​الساعة 6:17 الصبح، التليفون بدأ يتهز ويرن على الكومودينو.
​مكالمة.
​وبعدها مكالمة تانية.
​وبعدها ست مكالمات ورى بعض.
​طارق مسك تليفونه هو.
​وشه اتغير فجأة.
​”ندى.”
​”إيه فيه إيه؟”
​ديرلي الشاشة ناحيتي.
​23 مكالمة فائتة.
​3 رسائل صوتية.
​ورساليلتين من أحمد.
​أحدث رسالة كان مكتوب فيها:
ردي عليا حالا يا ندى! البنك بتاع أمك بيقول إن قسط الشقة ما اتدفعش وشيك التأمين اترمى! أنتِ عملتي إيه؟!
​فضلت باصة للرسالة.
​وفجأة ظهرت رسالة تانية منه:
يا ندى الحركة دي مش وقتها خالص، أمك كده بيتها هيتخرب وممكن تترمي في الشارع!
​قعدت على السرير بالراحة.
​ولأول مرة من سنين طويلة، ابتسمت من قلبي من غير ما أحس بأي ذنب.
اللي أحمد ما كانش فاهمه، إن مفيش أي حاجة “باظت” ولا حصلت فيها مشكلة.
​كل الموضوع إنني ببساطة بطلت أدفع فواتير هي أصلاً مش فواتيري ولا مستحقاتي.
​على مدار أربع سنين كاملة بعد وفاة بابا، كانت أمي بتقول لكل الناس إنها عايشة على المعاش البسيط اللي سابُهولها وعلى معاش التأمينات.
​ومن الناحية النظرية، الكلام ده كان حقيقي.
​بس اللي هي كانت بتطنش تقوله، إنني أنا اللي كنت بدفع الفرق كله من جيبي.
​كل شهر، كان بيفوت من حسابي بتاع 15 ألف جنيه عشان أقساط الشقة. وكمان بتاع 3 آلاف جنيه لتأمين الشقة والمصاريف الإدارية والخدمات. ده غير إنني كنت دافعة خط التليفون بتاعها، وتأمين العربية، واشتراك علاج وخدمات طبية شهرية عشان كانت طول الوقت خايفة تتعب وما تلاقيش حق العلاج.
​يعني في المجمل، كنت بصرف يجي 25 ألف جنيه كل شهر بس عشان أحافظ لها على مستوى المعاش والمرتاحة اللي هي عايشة فيه.
​أحمد كان عارف جزء من الكلام ده.
بس هو كان بيفضل إنه ما يعرفش التفاصيل الكاملة ولا المبلغ كام بالظبط عشان يريح دماغه.
​الساعة 7:05 الصبح، رن تليفوني من رقم غريب.
​رديت.
​صوت أحمد جالي على طول من الناحية التانية.
​”ندى؟”
​كان مستلف تليفون حد تاني يرن منه.
​”أنتِ عاملالي بلوك؟”
​”اه.”
​”أنتِ جرى لعقلك إيه؟! فيه إيه مالك؟”
​نزلت تحت للماكينة في المطبخ وكان طارق بيجهز القهوة.
​”صباح الخير عليك أنت كمان.”
​أحمد ماضحكش طبعاً.
​”أمي طالع عقلها والبيت هيتخرب! حساب قسط الشقة في البنك بيقول إن السحب التلقائي اتلغى!”
​”أيوة، اتلغى.”
​”أنتِ اللي لغتيه؟”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *