رجعت بيتنا

كلام شكل.
مرة تقول سافروا.
مرة تقول تعبانين.
مرة تقول قاعدين عند قرايبهم.
ومرة تقول مش عايزين حد يزورهم.
ياسين سكت.
عم صبحي قرب أكتر وقال
وقبل ما الست زينب اللي كانت بتساعد أمك تمشي من البيت بأربع شهور، جاتلي وهي بتعيط.
قالت لك إيه؟
الراجل اتردد.
قالت إن أبوك وأمك في مشكلة وإنك لو بتحبهم لازم ترجع.
ياسين حس بقشعريرة في جسمه.
وليه ماحدش كلمني؟
عم صبحي بص في الأرض.
قالت إنها حاولت، بس أختك منعتها.
رجع ياسين البيت وهو عامل نفسه طبيعي.
لكن جواه كان مولع.
على العشا، حاول يفتح الموضوع تاني.
أنا عايز أكلم بابا.
نجلاء ردت فورًا
الشبكة وحشة عندهم.
فين يعني؟
عند قرايبنا.
طيب هاتي رقمهم.
مش معايا.
رقم بابا مش معاكي؟
اتلخبطت.
يعني موبايله مقفول.
ياسين فضل باصص لها.
طيب إمتى راجعين؟
بعد رأس السنة غالبًا.
غالبًا؟
يا ياسين، إنت لسه داخل البيت ومحقق معايا ليه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ولا يهمك.
لكن من جواه كان متأكد إن فيه مصيبة.
الساعة قربت من اتنين بعد نص الليل.
البيت كله كان ساكت.
نجلاء دخلت أوضتها.
وياسين كان نايم على الكنبة في الصالة، لكنه في الحقيقة ماكانش نايم.
كان بيفكر.
أبوه وأمه اختفوا بقالهم شهور.
أخته بتكدب.
نضارة أبوه مكسورة.
أوضتهم مقفولة.
والبيت نفسه بقى غريب.
وفجأة
سمع صوت.
خَبطة.
فتح عينه.
سكت.
وبعد ثواني
خَبطة تانية.
ياسين قام من مكانه.
بص ناحية المطبخ.
البيت كله كان ساكت.
قرب خطوة.
وفجأة
خَبطة تالتة.
لكن المرة دي كانت أوضح.
الصوت جاي من تحت أرضية المطبخ.
وقف مكانه وقلبه بدأ يدق بسرعة.
نزل على ركبته وحط ودنه على الأرض.
وسمع حاجة خلته يتجمد.
صوت مكتوم
كأنه حد بيحاول يخبط من تحت.
ياسين همس
مين هناك؟
مفيش رد.
قرب أكتر.
وبعدين سمع نفس الخبطات تاني.
ثلاث خبطات.
مد إيده على بلاط المطبخ، وبدأ يتحسس المكان.
لحد ما لقى جزء من الأرض صوته مختلف.
خبط عليه.
طَق. طَق.
صوت أجوف.
رجع خطوتين.
وبص حواليه.
وبعدين افتكر حاجة.
كان فيه سرداب قديم تحت البيت، أبوه كان دايمًا يحذره وهو صغير إنه مايقربش منه.
قال له وقتها
المكان ده اتقفل من سنين وممنوع تنزل هناك مهما حصل.
ياسين بص ناحية الباب الصغير الموجود في آخر المطبخ.
كان عليه قفل حديد جديد.
قفل مش موجود في ذكرياته.
مد إيده ناحية القفل.
وقلبه كان بيقول له إن اللي ورا الباب ده هو الإجابة على كل حاجة.
لكن أول ما بدأ يفك القفل
سمع صوت أمه من تحت الأرض.
صوت ضعيف جدًا، لكنه واضح.
ياسين؟
اتجمد مكانه.
عينيه اتملت دموع.
ماما؟!
وجاله الرد من تحت
متصدقش نجلاء
بسرعة البرق، التقط ياسين عتلة حديدية صغيرة كانت مرمية جانب خزانة المطبخ، وبكل قوة وغضب أعماه عن أي تفكير، هشم القفل الحديدي الجديد الذي وضدته أخته. اندفع لفتح الباب الخشبي القديم للسرداب، فخرجت منه رائحة رطوبة خانقة وممزوجة برائحة الموت واليأس. نزل الدرج المظلم خطوة بخطوة على ضوء شاشة هاتفه، وعيناه تبحثان في زوايا المكان المظلم، حتى وقع نظره على كرسي خشبي قديم مربوطين فيه بحبال سميكة.. أبوه الحاج عبد الرحمن وأمه الحاجة سعاد.
كانت الهيئة التي عليها والداه تصدم أي قلب؛ جثتان هامدتان ملامحهما شاحبة، وآثار التعذيب والإهمال تملأ أجسادهما. لكن صوت أمه الذي ناداه لم يكن سوى صدى لذكريات رعب حفرتها الأيام الأخيرة في عقليهما، أو ربما صوت خافت تخيله من شدة الصدمة، إذ كانا قد فارقا الحياة قبل أسابيع طويلة متأثرين بالجوع والعطش والقهر تحت الأرض.
قبل أن يستوعب ياسين كارثة موتهما، سمع صوت خطوات ثقيلة خلفه على درج السرداب. التفت ببطء، فوجد أخته نجلاء واقفة عند المدخل. لم تكن تبكي، ولم تكن ملامحها تحمل أي ذرة ندم. كان وجهها باردًا كالحجر، وفي يدها حقيبة جلدية صغيرة ثقيلة مليئة بالسبائك الذهبية وأموال حسابات شركاته التي استولت عليها طوال السنين الماضية.
قالت نجلاء بصوت هادئ ومقشعر للأبدان كنت فاكرة إني هعرف أهرب بكل حاجة لوحدي بعد ما يخلصوا أكل وشرب بس إنت اللي جيت برجليك عشان تقفل الدائرة يا ياسين.
وقبل أن يخطو ياسين خطوة واحدة تجاهها، انغلق باب السرداب الخشبي الثقيل فوقه فجأة وبقوة، تلاه صوت قفل حديدي ضخم يُغلق من الخارج بمفتاح دار ببطء شديد، وانطفأ النور تمامًا، ليجد ياسين نفسه محبوسًا في الظلام الدامس مع جثتي والديه، ويدرك أخيرًا أن الكابوس قد بدأ للتو وأنه لن يرى النور أبدًا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *