رجعت بيتنا

رجعت بيتنا في عيد الميلاد بعد 12 سنة، وأختي استقبلتني وقالتلي بابا وماما سافروا. ما جادلتهاش بس وطيّت عيني وبدأت أفتش في البيت. لحد ما لقيت نضارة أبويا مكسورة، وباب أوضة مقفول بالمفتاح، وسمعت 3 خبطات جاية من تحت المطبخ ولما فتحت السرداب، فهمت ليه محدش شافهم بقاله شهور.
الجزء الأول
بابا وماما مش هنا يا ياسين سافروا يقضوا كام يوم عند قرايبنا، والأحسن تستنى لما يرجعوا.
دي كانت أول جملة قالتها نجلاء لأخوها، بعد ما دخل من باب البيت القديم لأول مرة من 12 سنة.
كان ياسين عبد الرحمن وصل بلدهم يوم 23 ديسمبر، من غير ما يقول لحد إنه جاي.
كان عايز يعمل مفاجأة لأبوه وأمه.
أبوه، الحاج عبد الرحمن، وأمه، الحاجة سعاد، كانوا عايشين بقالهم أكتر من أربعين سنة في قرية صغيرة جنب المنصورة، معتمدين على أرضهم الزراعية، وكام راس مواشي، وكشك بقالة صغير قدام الطريق الزراعي.
ياسين سافر القاهرة وهو عنده 23 سنة.
في الأول اشتغل في مخزن شركة شحن، وكان بيروح وييجي شايل كراتين طول اليوم.
وبعد سنين من الشغل والتعب، قدر يعمل شركة نقل وشحن خاصة بيه، وكبرت واحدة واحدة لحد ما بقى عنده فروع في كذا محافظة.
أهله كانوا عارفين إنه ناجح وإن حاله اتحسن.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه إن ابنهم بقى غني جدًا.
ياسين عمره ما كان بيحب المنظرة.
حتى بعد ما الفلوس بقت معاه، فضل راكب عربية عادية، وبعيد عن الحوارات

بتاعة المظاهر والبرستيج.
وكان كل شهر بيحوّل لأبوه وأمه 35 ألف جنيه.
فلوس للأكل، والعلاج، وصيانة البيت، وأي حاجة يحتاجوها.
وكان دايمًا يقول لهم
الفلوس دي خليها معاكم، ومتقولوش لي أنا عملت إيه ولا جبتها منين.
بس كان عنده ذنب واحد عمره ما قدر يهرب منه.
إنه بطل يزورهم.
في الأول قال
الشغل واخدني.
وبعدين
السفر كتير.
وبعدها بقى كل مرة يجهز نفسه ينزل، يطلع له سبب جديد يمنعه.
لحد ما عدت 12 سنة كاملة.
وعشان كده قرر السنة دي يرجع من غير ما يقول لحد.
كان نفسه يدخل عليهم فجأة، يلاقي أمه بتقوله
يا ابني! إنت جيت من غير ما تقول؟!
وكان نفسه يشوف أبوه قاعد في نفس الكرسي القديم، ماسك الجرنال وبيتخانق مع أخبار الدنيا.
لكن أول ما دخل البلد
حس إن فيه حاجة غلط.
ست أم رضا، اللي كانت بتبيع فطير ومشلتت جنب الجامع الكبير، أول ما شافته فضلت باصة له ثواني كأنها مش مصدقة عينيها.
ياااه ياسين؟!
ابتسم لها.
أيوه يا أم رضا.
قربت منه وقالت بصوت واطي
حمد لله على السلامة يا ابني كويس إنك رجعت.
استغرب.
مالك بتقوليها كده ليه؟
بصت حواليها قبل ما ترد
مفيش مفيش يا ابني. روح شوف أبوك وأمك.
وبعدها سكتت.
أما عم صبحي، صاحب أبوه وصاحبه من أكتر من تلاتين سنة، فكان أغرب.
قابله عند مدخل البلد، ولما عرف إنه رايح البيت، سأله
هتشوف أبوك وأمك دلوقتي؟
أيوه.
عم صبحي سكت شوية.
وبعدين قال
يبقى روح بسرعة.
ليه؟
لكن الراجل ما ردش.
بس فضل واقف يبص له لحد ما ياسين اختفى عن عينه.
وصل ياسين البيت.
ولأول وهلة حس إنه مش بيته اللي فاكره.
الواجهة كانت متدهانة جديد.
العفش اتغير.
وفي الصالة كانت فيه شجرة عيد ميلاد كبيرة متزوقة بشكل مبالغ فيه، كأن حد عاملها عشان منظرها قدام الناس.
نجلاء خرجت له وهي لابسة هدوم شيك جدًا، ووشها عليه ابتسامة واسعة زيادة عن اللزوم.
ياااااه! أخويا! ده إنت نورت الدنيا!
حضنته بسرعة.
لكن ياسين أول ما بعد عنها سألها
بابا وماما فين؟
الابتسامة اختفت للحظة.
وبعدين رجعت.
سافروا كام يوم عند خالو حمدي.
ياسين عقد حواجبه.
خالو حمدي؟ أنهي خالو حمدي؟
أخو ماما طبعًا.
بص لها باستغراب.
ماما ملهاش أخ اسمه حمدي.
وشها اتغير.
ما أنا قصدي خال ماما يعني قرايبها. أصلّي اتلخبطت.
ياسين ما ردش.
دخل البيت بهدوء.
لكن عينه بدأت تلف في كل حتة.
وفي أول الحوش، شاف الجلابية الصوف الرمادي بتاعة أبوه.
نفس الجلابية اللي كان بيلبسها كل شتاء.
كانت مرمية على كرسي وعليها تراب.
دخل الصالة.
على الترابيزة لقى نضارة أبوه.
إزازها سليم، لكن الدراع مكسور.
وقف مكانه.
أبوه مستحيل يسيب نضارته كده.
ده كان بيحافظ عليها أكتر من أي حاجة.
دخل المطبخ.
لقى طبق واحد بس مستخدم، ولسه فيه بقايا أكل ناشفة.
بص على الحوض.
مفيش أطباق تانية.
مفيش حاجة توحي إن فيه اتنين كبار في السن كانوا عايشين هنا.
وبعدين عينه راحت ناحية أوضة أبوه وأمه.
الباب كان مقفول بالمفتاح.
هو باب أوضة بابا وماما مقفول ليه؟
نجلاء ردت بسرعة
عادي أنا اللي قفلته.
ليه؟
عشان الأوضة مليانة حاجات قديمة، وماما كانت عايزة ترتبها.
بص لها ياسين شوية.
وبعدين قال
طب افتحيها.
اتوترت.
دلوقتي؟ ليه يعني؟
عشان أشوف حاجاتهم.
ما تستنى لما يرجعوا.
فضل ساكت.
لكن حاجة جواه قالت له إن أخته بتكدب.
نجلاء حاولت تغير الكلام وقالت
وبعدين متشغلش بالك بالحاجات دي. من ساعة ما إنت رجعت القاهرة وأنا اللي شايلة البيت كله. أنا اللي بخلص مصالحهم، وأنا اللي بتابع حساباتهم، وحتى الفلوس اللي إنت بتحولها أنا اللي بشتري بيها كل اللي محتاجينه.
ياسين بص لها فجأة.
الفلوس اللي بحولها؟
أيوه.
يعني إنتِ اللي بتتصرفي فيها؟
ما هو بابا وماما كبروا في السن، مش ناقصة وجع دماغ.
الجملة دي ضايقته جدًا.
أبوه وأمه كبروا، آه.
لكن عمرهم ما كانوا عاجزين عن إدارة حياتهم.
وفي نفس الليلة، خرج ياسين يتمشى شوية بحجة إنه عايز يشوف البلد.
لكن الحقيقة إنه كان عايز يعرف الناس شايفين إيه.
وأول ما وصل عند آخر الشارع، لقى عم صبحي مستنيه عند سور الأرض.
الراجل قرب منه وقال بصوت واطي
ياسين لازم أكلمك.
في إيه يا عم صبحي؟
بص حواليه، وبعدين قال
أبوك وأمك محدش شافهم بقاله شهور.
ياسين حس إن الدم اتسحب من وشه.
شهور؟!
أيوه.
يعني إيه محدش شافهم؟
لا بيروحوا الجامع ولا أبوك بيفتح الدكان ولا أمك بتروح للدكتورة ولا حتى بيظهروا في المناسبات.
ياسين اتوتر.
ونجلاء قالت إيه؟
ضحك عم صبحي بسخرية وحزن.
كل مرة تقول
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *