بعد ما حبيت بنته وراعيتها سنين
”لما كان عندي أول انترفيو شغل، جيهان جابت المكواة وجات لي أخر الدنيا عشان أنا حرقت القميص بتاعي.”
الناس ضحكت تاني.
”ولما تعبت في أول سنة في الكلية، سافرت لي إسكندرية بشربة خضار وشالتني، لأن بابا كان فاكر إن نصيحته ليا في التليفون بـ ‘اشربي مية كتير’ دي رعاية طبية كاملة!”
”عندها حق بصراحة!” أحمد قالها وضحك.
”ولما كنت عايزة أسيب تمريض، قعدت جنبي لحد الساعة اتنين بالليل، وعمرها ما قالت لي أعمل إيه أو تملي عليا حاجة.. كانت بس بتسألني: أنتي عايزة إيه يا هدى؟”
صوت هدى بدأ يترعش: “على مدار ثمان سنين، جيهان حبتني من غير ما تطلب أي حاجة في المقابل.. من غير ما تشرط عليا لقب ولا مكانة.”
كل حاجة في القاعة اختفت وما بقاش فيه غير صوتها.
”بابا أداني القوة.”
بصت لطارق.
”وأمي إديتني الحياة وكل حاجة في شخصيتي.”
إيدها لمست دبابيس اللؤلؤ اللي في شعرها: “وجيهان…”
صوتها اتقطع من البكا: “جيهان علمتني يعني إيه حب اختياري.. حب بالاسم والمواقف مش بالدم.”
وبعدين سابت تربيزتها ومشت ناحيتي والمايك في إيدها.
أنا وقفت قبل ما توصل لتربيزتي.
هدى مسكت إيدي وحضنتني بكل قوتها.
همست لي: “أنا شفتك.”
”إيه؟”
بعدت شوية وقالت: “شفتك في الكنيسة والكتب… شفتك قاعدة في الصف التاني.”
ما قدرتش أرد.
”وشفت إن ما كانش عليكي وردة الإيد بتاعتك.”
بصيت ناحية طارق، وشّه كان أصفر زي الليمونة.
”أنا ما أعرفش مين اللي فهمك أو حسسك إنك لازم تختفي النهاردة وتتراجعي لورا.”
صوتها كان واطي، بس المايك كبّره ووصله لكل شبر في القاعة.
”أنتي مش كومبارس ولا شخص زيادة في حياتي.”
ركبي كانت هتخونني وأقع.
”عمرك ما كنتِ كده.”
هدى قطفت وردة بيضا صغيرة من الفلوريست اللي على تربيزتنا، وبكل رفق حطتها وثبتتها في فستاني الكحلي فوق قلبي بالظبط.
”أنا ما كنتش هبقى الست اللي واقفة بتتجوز أحمد النهاردة دي من غيرك.”
بصت في عينيا: “أنتي ما خلفتنيش.”
هزيت راسي.
”وعمرك ما طلبتِ أقول لك يا ماما.”
الدموع نازلة على خدودها: “بس أنتي كسبتي ثقتي واحترامي كل يوم عن اليوم اللي قبله.”
حضنتني تاني: “أنا بحبك أوي.”
”وأنا بحبك يا روح قلبي.”
مرفت وقفت تصقف الأول.
وبعدها أحمد.
وبعدين القاعة كلها وقفت وتصقيف حار هز المكان.
من فوق كتف هدى، شفت طارق واقف جنب كرسيه وراسه متوطية في الأرض.
ولما رفع عينيه وبص لي.. ملامحه ما كانتش مجرد كسوف ولا إحراج، كان فيها إدراك وصدمة الحقيقة.
بقاله أيام بيفكر ويحدد إيه المكانة اللي مسموح لي أخدها في حياة هدى.. وهدى في ثواني فكرته إن ده عمره ما كان قراره هو أصلاً.
بعدها بشوية، هربت من زحمة الدوشة والرقص وطلعت على البلكونة المطلة على النيل.
هوا المعادي بتاع بالليل كان ساقط وجميل، حطيت إيدي على الوردة البيضا اللي فوق قلبي.
طارق طلع ورايا وهو ماسك كاسين عصير.
قعدنا يجي دقيقة محدش فينا بيتكلم.
بعدين قال: “أنا كنت غبي وأحبل.”
لتفت له.. الجملة دي مش من العادي إن طارق يقولها على نفسه.
”كنت فاكر إني بحمي ذكرى هدى الله يرحمها.”
”عارفة.”
”كنت فاكر إني لو إدتك حقك واعترفت بيكي أوي، يبقى أنا كده بقلل منها.”
”عارفة.”
هز راسه: “الكلام طالع شكله يفضح ويضايق لما يتقال بصوت عالي.”
”وكان وجعه صعب أوي لما اتقال في المطبخ.”
اتألم وقال: “أنا آسف يا جيهان.”
من ورا الإزاز، هدى كانت بترقص مع أحمد، ودبابيس اللؤلؤ بتلمع تحت النور.
طارق كان باصص لها وقال: “كنت دايماً فاكر إن الحب له مساحة محدودة.. لو هدى إدتك حتة منها، يبقى هدى أمها خسرت الحتة دي.”
”الحب والذكريات مش بيتحسبوا كده يا طارق.”
”أنا عرفت ده.. دلوقتي.”
”كويس.”
نزل عينيه: “أنا أخدت كل اللي بتعمليه كأنه حق مكتسب وعادي عشان أنتي عمرك ما اشتكيتي.”
سبته يتكلم.
”أنتي كنتِ بتبيني إن الموضوع سهل وبسيط.”
”ما كانش سهل.”
”عارف.”
”لأ يا طارق.” بصيت له وعيني بتلمع: “الموضوع ما كانش سهل خالص.. أنا حبيت بنت مراهقة وزعلانة على أمها، وكانت ساعات بتكرهني، وأنا كنت مستحملة عشان فاهمة هي بتمر بإيه ومحتاجة تطلع غضبها في مين.”
كان بيسمعني بإنصات.
”أنا قضيت ثمان سنين خايفة خطوة لشيء أكون بدوس على مكان مش مكاني.. أنا اللي شلت لؤلؤ أمها وحافظت عليه.. وأنا اللي اقترحت نحط صورتها على ترابيزة الذكرى.. وعمري ما طلبت من هدى غير الاحترام.. وأنت من أربع أيام لخصت كل ده في إني ‘بساعد في البيت’!”
غمض عينيه بألم: “ده اللي أنا عملته بالظبط.. ما عنديش مبرر ولا دفاع.. أنا آسف.”
”أنا مصدقاك.. بس الجرح ده مش هيختفي في ليلة وضحاها عشان هدى قالت خطبة حلوة.”
”عارف.. وأنا موعدك إني هغير ده، وهبين لك مكاني ومكانتك صح.”
مسك إيدي بالراحة، ولأول مرة يتردد قبل ما يمسكها: “ممكن؟”
السؤال ده كسر الباقي من قسوتي. حطيت إيدي في إيده.
”أنت كنت بتحمي الماضي يا طارق.. وهدى عايشة في الحاضر، وإحنا لازم نعيش معاها.”
الباب اتفتح ومرفت طلعت: “كويس إنكم هنا.”
طارق رفع حاجب: “خير؟”
”شكلك يعر يا طارق ومكسور، وده المطلوب.”
بص لها بذهول، وهي كملت: “أختي الله يرحمها كانت بتحبك.. وكانت هتضايق أوي من اللي عملته مع جيهان الأسبوع ده.. أم هدى ما كانتش غيورة ولا ضعيفة عشان تفتكر إن وجود حد بيحب بنتها هيقلل من أمومتها.”
وبعدين بصت لي وقالت: “تعالي جوه يا جيهان، بنت جوزك بتدور عليكِ عشان ترقصوا.”
كلمة “بنت جوزك” لأول مرة ما تطلعش غريبة ولا تقيلة.. كانت بتوصف بالظبط إزاي لقينا بعض.
دخلت جوه، هدى مسكت إيدي: “يلا، عليكِ رقصة ليا!”
وفضلنا نرقص ونضحك وسط القاعة، ولما هدى قربت مني همست: “هو بابا قال لك إيه من أربع أيام؟”
اتسمرت مكان: “عرفتي منين؟”
”مرفت حسّت إن فيه حاجة غلط وشكّت، ولما زنقت بابا اعترف لها بكل حاجة.. ما عاش ولا كان اللي يقلل منك يا جيهان، ولا هو ولا غيره يحدد أنتِ إيه بالنسبة لي.”
دموعي نزلت، وهدى حضنتني وقالت: “أنتِ ربيتيني برضه.. الحب مش مسألة طرح وطرح ذكريات.. الحب بيزيد وبيكبر.”
عدت السنين..
وطارق علق الصورة بتاعة هدى وهي بتحضنني في القاعة على حيطة الطرقة جنب صور أمها الله يرحمها وجنب صور الفرح.. من غير مفاضلة، دي عيلتنا وده تاريخنا.
وبعد سنتين، هدى كلمتني من السوبرماركت وهي بتعيط من الفرحة وبتعلمني إنها حامل، ولما جابت بنوتة، سمتها “أمل هدى” (على اسم أمها).. وقالت لي في المستشفى: “أنتِ طبعاً تيتة جيهان.. تيتة هدى في الحكايات والقصص، وتيتة جيهان معانا في الأوضة وبتشيل وتربي.”
وفي الآخر، دبابيس اللؤلؤ رجعت تاني في درج شقتي، بس المرة دي جنبها صور الأم، وصور العروسة، وصورتي وأنا لابسة الوردة البيضا..
أنا عمري ما حاولت أخد مكان حد.. أنا بس فضلت واقفة في مكاني بثبات وحب، لحد ما المكان نفسه كبر وشالنا كلنا.