بعد ما حبيت بنته وراعيتها سنين
صباح الفرح جه والشمس طالعة صافية.
القاعة والكنيسة الصغيرة اللي على أطراف التجمع كانت الشبابيك الملونة رمية ألوان أزرق وأحمر على الكراسي الخشب القديمة.
وصلت وأنا لابسة فستان كحلي دانتيل بسيط.
من غير تسريحة معقدة.
من غير شنطة كبيرة مليانة إبر وخيط وطوارئ الفرح.
قعدت بره الأوضة بتاعة العروسة ومستنية أساعد بس لو حد طلب مني بالاسم.
منظمة الفرح جات تجري وهي ماسكة الورد.
وبعدين وقفت.
”جيهان، اتفضلي وردة الإيد (الكرساج) بتاعتك.”
فتحت العلبة.
ورد أبيض.
ورق أخضر رقيق.
ووشاح ستان أوف وايت.
وردة إيد أم العروسة الفخمة.
زي صدري ما اتخنق.
”أعتقد دي المفروض تروح لـ أخت أمها، طنط مرفت.”
المنظمة رمشت بذهول: “بس هدى طالباها مخصوص عشانك أنتِ!”
”عارفة.”
”طب ليه—”
”لو سمحتي.”
جبرت نفسي على الابتسامة.
”اديها لطنط مرفت أو حطيها جنب صورة أمها على ترابيزة الذكرى. وردة صغيرة بالدبوس على الفستان كفاية عليا أوي.”
كانت باصة لي وهي مش فاهمة.
في الوقت ده، طارق معدي وبيظبط كرافتته الفحمية.
شاف الوردة.
وشاف إيدي الفاضية.
”كل حاجة تمام؟”
”أه.”
المنظمة شرحت له.
طارق بص لي.
وهز راسه بلمحة موافقة.
”اختيار صح بصراحة.”
وطى صوته وقال: “عشان الأمور تفضل واضحة وما يحصلش لخبطة.”
ما حسيتش بوجع ساعتها.
الوضع كان ألعن.. أنا حسيت بتلميل وبرود تام.
مشيت ودخلت القاعة وقعدت في الصف التاني.
كان فيه مكان فاضي جنب طارق في الصف الأول.
سبته فاضي.
المزيكا بدأت.
الكل وقف.
الأبواب الخلفية اتفتحت.
هدى ظهرت في النور.
كانت زي القمر وطالعة تنطق.
الطرحة نازلة من ضفيرة معقدة وشيك جداً.
وملفوف في الضفيرة دي.. ست دبابيس اللؤلؤ بتوع أمها.
لثانية واحدة، نسيت كل حاجة.
افتكرت البنت اللي كان عندها أربعتاشر سنة واللي كانت زاهداني وما بتتكلمش معايا أول ما سكنت معاهم.
البنت اللي عندها سبعتاشر سنة وهي قاعدة معايا على أرضية المطبخ بناكل أيس كريم فراولة بعد أول جرح في حياتها.
والبنت المرعوبة في أول سنة كلية اللي كلمتني نص الليل.
والعروسة اللي ماشية دلوقتي رايحة للراجل اللي اختارته.
طارق كان ماشي جنبها وبيسلمها.
لما هدى وصلت للوش، حضنت أبوها.
وبعدين وقبل ما تلتفت لأحمد، بصت على الصفوف الأولى.
عينيها جابتني.
الصف التاني.
بعدين عينها نزلت على إيدي.
فاضية من غير الوردة.
وبصت للمكان الفاضي اللي جنب أبوها.
ضل صغير من الحيرة واللخبطة عدى على وشها.
وبعدين مراسم كتب الكلام والفرح بدأت.
السيشن والحفلة كانت في قاعة على النيل في المعادي.
أنوار دافية نازلة من السقف، وتربيزات خشب طويلة عليها شموع وزرع. وقريب من المدخل كانت فيه ترابيزة ذكرى لـ أم هدى عليها صورها وورد.
الوردة بتاعة الإيد اللي أنا رفضتها كانت محطوطة جنب صورتها.
بعد العشا، طارق مسك المايك.
صوته كان بيترعش وهو بيتكلم عن هدى وهي بتكبر.
وبعدين اتكلم عن أمها الله يرحمها.
”لما أمها توفت، أخدت عهد على نفسي إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أربيها وتبقى الست اللي أمها تتمنى تشوفها.”
الناس صقفت.
ومرفت مسحت دموعها.
طارق شكر أهله.
وإخواته.
ومرفت.
وعيلة أحمد.
وأصحابه القدام.
اتكلم عن العيلة، والذكريات، والأيام الصعبة، والناس اللي شالوه وساعدوه في السنين الثقيلة دي.
ما قالش اسمي.
ولا مرة.
كنت قاعد على تربيزة أربعة وإيديا حطاها تحت المفرش.
حد من معارف العيلة بص ناحيتي.
وبعدين دارى وشه بسرعة.
فكرت نفسي إن ده يوم هدى.
لو مكاني بس إني أقعد ساكتة وأكون مبسوطة إنها فرحانة، أنا هقدر أعمل كده.
طارق خلص.
القاعة كلها صقفت.
وبعدين سلم المايك لهدى.
وقفت جنب أحمد، وهي بتظبط فستانها.
”شكراً يا بابا.”
صوتها كان واضح وواصل لكل القاعة.
”كل كلمة قلتها عن بابا وماما صح.”
بصت ناحية ترابيزة الذكرى بتاعة أمها.
”أنا حبيت ماما من كل قلبي، ولسه بحبها.. ومحدش بياخد مكانها.”
وطيت عيني في الأرض.
بالظبط.
ده كل اللي كنت بآمن بيه طول عمري.
لكن هدى كملت كلامها:
”بس لما بتفقد أمك وأنت صغير، الحياة مش بتبطل تطلب منك حاجات.. بتفضل محتاج حد…”
لكن هدى كملت كلامها:
”بس لما بتفقد أمك وأنت صغير، الحياة مش بتبطل تطلب منك حاجات.. بتفضل محتاج حد يعلمك إزاي تكوي ياقة قميصك قبل أول انترفيو شغل ليك.”
الناس ضحكت ضحك خفيف وبحب.
”حد يقعد جنبك في الطوارئ نص الليل عشان كابرت وطنشّت الكحة ست أيام متواصلة.”
قلبي اتنفض في مكاني.
”حد يقول لك إن سقوطك في امتحان الكيميا مش معناها إنك لازم تسيب الكلية وتروح تربي معيز في الأرياف!”
أحمد خطيبها نادى بصوت عالي وسط القاعة: “على فكرة دي كانت خطة حقيقية!”
الضحك انتشر في كل القاعة.
هدى ابتسمت، وبعدين بصت لي عدل في عيني.
”النهاردة أنا عايزة أشكر بابا.”
ولفت لطارق.
”وأشكر مرات بابا.. جيهان.”
مرات بابا..
الجملة كانت صح رسمياً، بس توجع وتغرب.
حضّرت نفسي لإشادة دافية بس رسمية.
لكن هدى كملت: “أنا اخترت الجملة دي بالذات ومقصودة.”
رفعت عيني بصيت لها.
”لما جيهان اتجوزت بابا من ثمان سنين، كان عندها كل الأسباب إنها تدخل بيتنا وتفرض نفسها وتطلب مكانة معينة.”
المكان كله سكت وما حدش كان بيتحرك.
”كان ممكن تطلب مني أناديها بـ ‘بابا وماما’ أو أقول لها ‘يا ماما’.”
زوري اتخنق بالدموع.
طارق اتسمر مكانه.
”عمرها ما عملت كده.”
هدى هزت راسها: “كان ممكن تشيل صور أمي عشان المكان ما يبقاش محرج بالنسبة لها.. لكنها أخدت صورة بروازها اتكسر وهو بيتنقل، وصلحت البرواز وعلقته بنفسها.”
أنا كنت شبه نسيت الموضوع ده! صورة لطارق وهدى الله يرحمها في عيد جوازهم كانت اتكسرت وهي بتتنقل، وأنا اللي غيرت البرواز.
”كان ممكن تشتكي لما أنا، وأنا عندي أربعتاشر سنة، كنت بطنشها وما بكلمهاش.”
الناس ضحكت.
”أنا كنت غلسة وبشعة بصراحة.”
همست بصوت واطي: “كنتي أربعتاشر سنة بس يا هدى.”
سمعتني: “صح، بس كنت متقنة الدور أوي!”
الضحك زاد، وبعدين ملامحها بقت جادة جداً.
”في مرة قلت لـ جيهان إن مالهاش حق تسألني كنت فين ولا جيتي منين لأنها مش أمي.”
طارق بص لي بذهول.
”ما قالتش لبابا وما اشتكتش.”
عيني طارق اتوسعت من الصدمة.
”وتاني يوم الصبح عملت لي أكل المدرسة وحطت لي فيه ورقة.”
شفايفي بدأت تترعش.
هدى غمضت عينها لثانية: “كان مكتوب فيها: ‘أنا في ضهرك وفي صفك في أي وقت تطلبي فيه’.”
موجة هادية من التأثر مشيت في القاعة كلها.
”أنا لسه شايلا النوتة دي عندي.”
حطيت إيدي على بقي وأنا بداري شهقتي.
”لسه شايلاها في صندوق عندي في الشقة.”
طارق نزل راسه في الأرض.