بشرى ج١ اماني السيد
خرج رشاد من باب الشقة يجر أذيال الخيبة ورائه، وخلفه تسير “ندى” زوجته الجديدة بخطوات سريعة، ملامحها هادئة تداري وراءها نشوة الانتصار بعد أن خلى لها الجو تمامًا. ركبا السيارة في صمت مطبق، وتوجها إلى شقتهما الجديدة لتبدأ حياتهما معًا، تاركين خلفهما عائلة انقسمت، وكرامة جُرحت، وخسارة فادحة ستظل تطارد رشاد في كل لحظة يقف فيها وحيدًا.
فتحت ندى باب الشقة الجديدة، ودخلت بخطوات واسعة تتفحص الأرجاء بعينين تلمعان بالرضا، وكأنها تضع يدها أخيرًا على غنيمتها. أما رشاد، فدخل يجر قدميه جرًا، ألقى بحقيبته الصغيرة على أول مقعد قابله، وارتمى على الأريكة وهو يمسح وجهه بكفيه بأنفاس متلاحقة، يحاول استيعاب السرعة الرهيبة التي تحولت بها حياتهتحركت ندى بنعومة وجلست بجواره، وضعت يدها على كتفه وقالت بنبرة هادحة تحاول فيها رسم الحنان:ـ مالك يا حبيبي؟ اهدى كده واحمد ربنا إن الموضوع عدا على خير.. المهم إننا بقينا مع بعض في بيتنا، ومفيش حد هيقدر ينكد علينا تاني ولا يفرض عليك عيشة مش حاببها.
رفع رشاد رأسه ونظر إليها، ورغم أنه اختارها بملء إرادته وضحى بكل شيء من أجل هذه اللحظة، إلا أن كلامها لم يلمس قلبه. غلبت عليه نبرة الجفاء والضيق وهو يجيبها:ـ عدا على خير؟ أنتِ مش مستوعبة اللي حصل يا ندى؟ أنا خسرت أبويا وعميلم يعجب ندى كلامه، فتبدلت ملامحها للحظة وقالت بعتاب مكتوم:ـ وأنا فين في كل ده يا رشاد؟ مش أنا البنت اللي قولتلها إنك مستعد تخسر الدنيا علشانها؟ وبعدين الشغل زي ما هو ما جرالوش حاجة، وأبوك وعمك ما قفلوش الشركة في وشك، يعني خسارتك كلها في الآخر مجرد وقت وهتعدي.
. المهم إننا بقينا مع بعض في النور.رفع رشاد رأسه ونظر إليها، وعلى الرغم من أن كلامها حقيقي وأن الشراكة لم تتأثر وأبوه وعمه لم يمسوا حصته في العمل، إلا أن هناك غصة في حلقه لم تذهب. هز رأسه بضيق وهو يجيبها:ـ الشغل ماشي يا ندى ومحدش هيهد الشراكة عشان دي فلوس داخلة للكل، بس الموضوع مش فلوس وبس.
. أنا خسرت هيبتي قدامهم، خسرت قعدتي في وسط عيلتي، واتطردت من بيتى كأني غريب!التفت رشاد بوجهه عنها ونظر إلى الفراغ أمامه. اسم “بشرى” وهو يتردد في عقله أحدث في صدره نغزة قوية. تذكر نظرتها الأخيرة قبل أن يغلق المأذون دفتره؛ لم تكن نظرة انكسار، بل كانت نظرة استغناء كامل وكأنها نفضت يدها منه تماماً. رشاد كان يعلم أن عمله ومكانته المالية في السوق بأمان، ولم يتأثر منهما قرش واحد، لكن الشعور بالخسارة المعنوية كان ينهش في صدره؛