الملياردير صرف حكايات بسمه
بصيت لمدام سميحة.
وشها كان شاحب.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد مرض غامض.
في حد في البيت كان عارف أكتر مما بيقول.
لكن الصدمة الحقيقية حصلت لما آسر خرج من أوضته، وقال جملة خلت آدم نفسه يسكت:
— بابا… ماما كانت بتقول لنا ما نقربش من الحيطة دي أبدًا.
آدم رفع عينه للحيطة.
وبص لي.
وأنا لأول مرة بدأت أسأل نفسي:
لو أم الولدين كانت عارفة إن في حاجة خطيرة وطلبت منهم يبعدوا عن المكان ده… ليه ماتت قبل ما تقول الحقيقة؟
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت خفيف جاي من جوه فتحة التهوية.
صوت مروحة بدأت تشتغل.
والريحة انتشرت فجأة في الطرقة كلها.
لكن المرة دي…
ما كانتش ريحة لافندر.
كانت ريحة مادة كيميائية نفاذة.
آدم سحب الولدين بعيد عن المكان.
وأنا قربت من فتحة التهوية.
ولقيت على طرفها من الداخل…
آثار مسحوق أبيض.
مدام سميحة شافت المسحوق، وبدأت تبكي.
وقالت بصوت مرتعش:
— يا بنتي… إنتِ ما كانش لازم تكتشفي ده.
بصيت لها.
— ليه؟
ردت وهي بتبص ناحية كاميرا المراقبة فوقنا:
— لأن اللي بيحط الحاجة دي… مش غريب عن البيت.
حكايات بسمة
تسمرت الأقدام في الممر الفاخر، وساد صمتٌ مرعب خنق الأنفاس بعد الجملة المترعشة التي ناطقت بها مديرة البيت سميحة وهي تنظر لكاميرات المراقبة الموزعة في السقف: “لأن اللي بيحط الحاجة دي… مش غريب عن البيت!”
آدم المنصوري وشه اتسحب منه الدم تماماً، وعينيه اتثبتت على المسحوق الأبيض الملتصق بفتحة التهوية. سحب ولديه عمر وآسر ورا ظهره بلهفة وحزم، وصرخ في سميحة بصوت هز جدران القصر الملكية:
— “سميحة! اتكلمي فوراً! مين اللي بيحط المسحوق ده؟! ولادي بقالهم سنة ونص بيموتوا بالبطء وأنتِ عارفة ومخبية?!”
سميحة سقطت على ركبتيها وهي بتبكي بحرقة وارتجاف:
— “والله يا آدم بيه أنا ماليش ذنب! أنا كنت خايفة على حياتي وحياة ولادي! الدكتور شريف كامل هو اللي كان بيجبرني أسيب له مفتاح غرفة الصيانة المركزية كل أسبوع لما ييجي يعمل الفحص الدوري للولاد!”
توقف عقلي لثانية واحدة، وأنا بجمع الخيوط بسرعة فائقة.
الدكتور شريف كامل… الطبيب المعالج صاحب البدلة الفاخرة، الذي استخف بي في مكتب آدم قبل قليل واستنكر وجود مربية جديدة!
قلت لآدم بصوت حاد، حازم، وبارد كالثلج:
— “المسحوق ده مش مجرد منظف أو عطر يا آدم بيه… ده مركب مادة ‘الفوسفيد السام الكيميائي’ الممزوج بعطور لافندر صناعية! المادة دي لما بتتسرب في خطوط التهوية بتركيزات خفيفة ومتواصلة، بتسبب هبوط مناعي حاد، تلف في الأنسجة، إرهاق مزمن، وتسمم بطيء جداً ما بيبانش في التحاليل الطبية العادية غير كـ ‘مرض مناعي غامض’!”
آدم بصلي بذهول وشعور صدمة لا يوصف:
— “دكتور شريف؟! ليه؟! الدكتور اللي أمنته على ولادي وبديله ملايين المصاريف والشهريات يكون هو اللي بيسممهم?!”
أنا قربت من الحيطة وركزت في فتحة التهوية، ونزلت لمستوى أطول طفلين، وسألتهم بحنان ودفء:
— “عمر… آسر… افتكروا كويس يا حبايبي، مامتكم الله يرحمها قالتلكم إيه بالظبط عن الحيطة دي قبل الحادثة؟”
عمر مسك إيد أخوه آسر وقالو بنبرة طفولية خائفة:
— “ماما قبل ما تسافر وتعمل الحادثة… كانت بتتخانق مع دكتور شريف في الممر هنا، وسمعناها بتقول له ‘أنا اكتشفت لعبتك وتزويرك في أوراق الشركة وأدوية المجموعة، ولو ما بعدتش عن ولادي وأجبرت آدم يكتب لك الأسهم… أنا هبلغ النيابة!’… وبعدها ماما قالت لنا ما نقربش من الحيطة دي عشان سمعته بيفتحها!”
الصدمة نزلت على آدم كالزلزال المدمّر!
الحقيقة انجلت كالشمس الناصعة:
أم الولدين الراحلة لم تمت في حادث عفوية مجرد؛ كانت قد اكتشفت محاولات دكتور شريف الشيطانية للسيطرة على أصول ومجموعات آدم الطبية والعقارية من خلال إضعاف الأطفال وتسميمهم البطيء، ليجبر آدم تحت وطأة العجز والمرض الغامض على توقيع عقود إدارة وتنازلات عن مستشفياته ومجموعته لصالحه!
الفخ المحبوك وسقوط الجاني:
آدم ضغط على قبضتي إيديه بدموع غضب وانتقام، وكان رايح يطلب أمن القصر والشرطة، لكنني مسكت إيده بصلابة وقدرة على إدارة الأزمة:
— “استنى يا آدم بيه! لو اتصلت بالشرطة دلوقتي من غير ما نمسكه متلبس… المحامين بتوعه هيطلعوه براءة بحجة إن المسحوق ممكن يترمي من أي حد! هو تلاقيه راجع القصر دلوقتي لما يعرف إن المربية الجديدة شمت الريحة عشان يتخلص من أدلة خط التهوية!”
آدم بصلي بتقدير وعمق، وهز رأسه فوراً:
— “عايزاني أعمل إيه يا داليا؟”
قلت له بثبات:
— “هنعمل نفسنا ما اكتشفناش حاجة… وأنت هتطلبه في التليفون بصوت مرعوب وتقول له إن الولاد انهمروا وفي حالة إغماء حادة ومحتاجين تدخله السريع في غرفة الصيانة!”
بالفعل… اتصل آدم بالدكتور شريف، وصوته ينطق بالذعر المصنوع.
خلال 20 دقيقة فقط…
وصلت عربية الدكتور شريف الفاخرة القصر، ودخل مسرعاً وهو يحمل حقيبته الطبية الجنائية ومعه علبة المادة الكيميائية لإزالة أي أثر باقي في جهاز التهوية المركزي بالدور الثاني.
أول ما فتح باب غرفة الصيانة المغلقة وبدأ يمسح خطوط التهوية بفرشاة كيميائية خاصة…
انفتحت الأنوار القوية في الغرفة!
وقف آدم المنصوري ورجال أمن القصر، وم معهم رجال الضبط القضائي والمباحث الجنائية الذين استدعوا سراً وبثوا مقطع الفيديو المباشر من كاميرا خفية زرعتها في فتحة التهوية!
دكتور شريف الشاحب المصدوم سقطت من إيده علبة السموم، وشه اصفر كالج\ثة الميتة، وصوته خرج ببحّة هيستيرية:
— “آدم؟! أنت… أنتم بتعملوا إيه هنا?!”
تقدم آدم نحوه بخطوات كالجبل، وسدد له صفعة وثباتاً قاطعة هزت جدران الغرفة:
— “بتسمم ولادي وتقتل مراتي يا خاين الأمانة؟! كل أوراقك وتزويرك والسموم اللي كنت بتحطها في خط التهوية بقت تحت إيد النيابة العامة دلوقتي!”
تم ألقاء القبض على دكتور شريف ورجاله فوراً بالحديد، واقتيادهم للمحاكمة الجنائية بتهم الشروع في قتل طفلين عمداً، القتل العمد لزوجة آدم، والتزوير والنصب المالي!
النهاية:
تغيرت الحياة في القصر الملكي بالكامل بعد ذلك اليوم المشهود.
تلقى عمر وآسر العلاج الكيميائي العكسي والبروتوكول الطبي الصحيح على أيدي أكبر الأطباء الشرفاء، وخلال أشهر قليلة استرد التوأم كامل صحتهما وعافيتهما، وعادت الابتسامة واللعب والحيوية لبيت آدم المنصوري.
آدم المنصوري أدرك القيمة الحقيقية للعين الخبيرة والقلب الصادق والنية الصافية.
عيّنني مديرة عامة ورئيسة لطاقم الرعاية والسلامة الأسرية في كافة منشآته ومجموعته براتب ومكانة فاخرة، وصار يعتمد عليّ في كل صغيرة وكبيرة لحماية بيته وأطفاله.
أما سميحة مديرة البيت… فقد تم العفو عنها بعد شهادتها الصادقة مع النيابة، وتعهدت بالوفاء والإخلاص الكامل للبيت.
عدتُ إلى غرفتي الدافئة بالقصر… رفعت رأسي الشريفة للسماء وشكرت الله؛ أدركت أن المظاهر والأموال لا تحمي البيوت، ولكن الملاحظة الصادقة والضمير الحي والنية الصافية هما الحصن والدرع الذي يكشف الظلم وينصر الحق للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋