زميلي ج٢ حكايات بسمه

فتحت باب الشقة، لقيت أمي قاعدة في الصالة بتقرأ قرآن. أول ما شافتني، ابتسمت وقالت: «مالك يا أحمد؟ وشك أصفر ليه كده يا ابني؟» قعدت تحت رجليها، وحطيت راسي على ركبتها. «تعبان يا أمي… تعبان من سواد قلوب الناس. الدنيا بقت تخوف.» مسحت على شعري بكتفها الحنين وقالت لي كلام مش هنساه طول حياتي: «يا ابني اللي يربك ربنا ويمشي بسليمة، لو إبليس نفسه اتمثل له في صورة بني آدم، ربنا هيسخره ويرد كيده في نحره. أنت عملت خير وسقيت العطشان وحملت المحتاج، والخير ده ما بيروحش هدر.

ربنا نجاك ببر دعوتي ليك الصبح، وربنا مش بيسيب الحاقد يتطاول.» لكن… هل القصة خلصت هنا؟ لا. بعد أسبوعين من حبس محمود، جاتلي مفاجأة غير متوقعة تماماً. كنت نازل من الشقة الصبح بدري، ورايح أركب عربيتي عشان أروح الشغل. لقيت ست كبيرة لابسة أسود في أسود واقفة جنب باب العربية، ومعاها طفلين صغيرين. أول ما شافتني، جرت عليا وقعدت تبكي في الشارع وتترجاني: «أستاذ أحمد! أنا زوجة محمود! أرجوك يا أستاذ أحمد… أرجوك ارحم عياله!» وقفت مكاني متفاجئ ومصدوم: «أم محمود؟

إيه اللي جابك هنا؟» الست نزلت على ركبها في الشارع قدام الأطفال وقالت وهي بتبكي بكاء يقطع القلب: «محمود في السجن يا أستاذ أحمد! بيجددوا له الحبس، والشركة أخدت حكم بتجميد حسابه المالي وبيتنا هيتخرب! العيال دول مالهمش ذنب! محمود غلط في حقك وشيطان وغدر بيك، بس وحياة عيالك وأمك عندك، روح اطلب من الشركة تتنازل عن القضية القانونية وتكتفي بفصله! احنا شحاتين من غيره، وأنا مستعدة أبيع عفش بيتي وأسدد للشركة الفلوس بس ما يدخلش السجن والعيال يتشردوا!

» بصيت للطفلين الصغيرين… كانوا باصين لي بعيون مليانة خوف ودموع، مش فاهمين حاجة غير إن أبوه في السجن والست دي بتبكي قدام شخص غريب. في اللحظة دي… لقيت نفسي في أصعب اختبار في حياتي كلها. اختبار بين العدل والانتقام… وبين الرحمة والشفقة على ناس مالهاش ذنب في سواد قلب محمود! محمود اللي ما رحمش أمي وهي بين الحياة والمـ,ـوت… محمود اللي حاول يسجنني ويخرب بيتي ويلفق لي تهمة توديني ورا الشمس… دلوقتي مراته وعياله واقفين تحت رجلي وبيطلبوا مني أنقذه!

وقفت قدامهم في الشارع الصامت… وعقلي بيصرخ: «أوعى ترحمه! هو ما رحمش أمك ولا رحيلك!» وقلبي بيهمك: «بس الأطفال دول مالهمش ذنب…» وبصيت للشارع… وما كنتش عارف أعمل إيه… الجزء الرابع وقفت في وسط الشارع، والشمس يادوبك بتشرق، والست ساجدة تقريبًا على الأرض ودموعها بلت التراب، والطفلين ماسكين في طرحتها وبيعيطوا بعلو صوتهم من غير ما يفهموا إيه اللي بيحصل. جسمي كله كان بيترعش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *