ست ساعات من العياط

اقترب مراد بخطوات مرتعشة، وفتح الحقيبة التي كانت ملقاة بعيدًا بيديْن لا تهادنان الخوف. ناولتني بخبرة التمريض السابقة حقنة طوارئ مخصصة للأطفال، وقلبي يدق كالمطرقة.

— امسك راسه كويس، من غير ما تحرك رقبته ملّي واحد، قلتها له بصوت صارم وحاسم أمر فيه أخطر رجل في البلد دون أن أشعر.

نفذ مراد ما طلبته فورًا، وعيناه مسمرتان على وجه ابنه شريف الباهت. في تلك اللحظة، كنت أرى انعكاس ابني الراحل «آدم» في كل نبضة ضعيفة لهذا الصغير. وبأصابع مرتعشة لكنها دقيقة، غرست الإبرة في المكان الصحيح، وضغطت المحقق ببطء بينما الوقت يتوقف حولنا في المطعم الصامت تمامًا.

ثوانٍ معدودات مرت كأنها الدهر.

صدر الصغير ارتفع فجأة بعنف، وكأن الهواء أُعيد إلى صدره القسري، ليطلق بعدها سعلة خفيفة تلتها شهقة عميقة مليئة بالحياة.

عاد النور إلى وجهه الوردي تدريجيًا.

أما مراد، فوقع على ركبة واحدة بجانب السرير الصغير، ودفن وجهه في كفيه لفترة قصيرة، لأول مرة في حياته

ربما يرى الجميع ضعفه الإنساني العارم. وعندما رفع رأسه، كانت عيناه محمرتين، ومد يده ببطء ليلمس خصلات شعر ابنه الرقيقة بأصابع ترجف.
وقف مراد، وعدل بدلته الفاخرة، وعاد الجليد يكسو ملامحه الحادة، لكنه نظر إليّ نظرة تحمل معاني أعمق بكثير من التهديد أو الامتنان.

قال بصوته الأجش الهادئ: — اسمك إيه؟ — فريدة. — يا فريدة… المطعم ده بكل اللي فيه، ابتداءً من الليلة، بقى ملكك. وأي حد هيقف في طريقك في البلد دي، اعتبريه مش موجود.

هززت رأسى بهدوء، وأعدت الطفل إلى حضنه بحنان، وقلت بثبات: — أنا مش عايزة ملك، يا أستاذ مراد. أنا بس رجعت أفتكر إني لسه أعرف أداوي الوجع. ابني مات عشان ما لحقتش أعمل ده… لكن شريف عاش.

هز مراد رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة باهتة حاملًا ابنه على أذرعه، وخرج من المطعم وسط حراسة مشددة، تاركًا خلفه صالة كاملة من المذهولين.

في تلك الليلة، أدركت أن الحياة قد تأخذ منا أغلى ما نملك في لحظة قاسية، لكنها قد تعيد لنا جزءًا

من أرواحنا المكسورة في أكثر الأماكن غير المتوقعة… تمامًا حيث يلتقي أشرس رجال العالم بدمعة طفل صغير وبريئة.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *