جوزي ج٢ اماني السيد
. عاد طاهر علوان كلمته تنزل الأرض؟”محمود أخوه رفع عينه ومستني يشوف طاهر هيثور ويقلب الدنيا زي زمان عشان يثبت رجولته، لكن طاهر ابتسم ابتسامة هادية، أخد نفس طويل وقال بمنتهى الرزانة: “الست الأصيلة يا ولد عمي، اللي تصون غيبتك وتلم بيتك وتستحمل طبعك الحامي، الشور شورتها والراس راسها. ومريم بنت مرزوق شالتني في وقت أنا نفسي كنت بايع فيه نفسي.. فاللي يقول كلمتها تنزل الأرض، يبقى ميعرفش الأصول.”محمود بصل أخوه بذهول، بس المرة دي مكنش ذهول قرف، كان احترام. طبطب على كتف طاهر وقال بصوت واطي: “عفارم عليك يا ابن أبويا.
. كبرت في عيني الليلة.”لما رجع البيت المغرب، كان شايل في إيده ربطة نعناع أخضر وفطير مشلتت من اللي مريم بتحبه. دخل، لقى البيت هادي، وريحة البخور مغطية المكان. علي الصغير كان نايم، ومريم قاعدة في الصالة، بتخيط زرار مقطوع في جلابية من جلابيبه.طاهر حط الحاجه على التربيزة، وقعد على الكنبة القريبة منها. بص لإيدها وهي بتتحرك بالإبرة، وقال بصوت حنين، صوت مسمعتهوش مريم منه من يوم دخلتها: “تعبتي نفسك ليه يا مريم؟
كنتي سبيها وأنا أوديها للترزي الصبح.”مريم رفعت عينها، وبصت للجلابية، وبعدين حطت عينها في عينه. النظرة ليلتها مكنش فيها حذر، ولا كان فيها برود.. كانت نظرة الست اللي لقت جوزها أخيراً راجع بيته بكامل إرادته.قالت وهي بتبتسم نص ابتسامة هادية: “الترزي ميعرفش قفلتك يا طاهر.. الخيط ده أنا اللي بايدي بلم بيه اللي اتقطع.
. في الهدوم، وفي العمر.”طاهر قدم خطوة، ومد إيده ومسك طرف الجلابية اللي في حجرها، وقال وعينيه بتلمع: “واللي اتقطع في العمر.. يتصلح يا بنت مرزوق؟”مريم قطعت الخيط بسنانها، فردت الجلابية، وحطتها في إيده وقالت بصوت ثابت ودافي: “طالما النية طاهرة، والبيت مقفول علينا، ومحدش ليه كلمة جوه العتبة دي.. يتصلح.. ويزيد عليه كمان.”طاهر أخد الجلابية، وحس إن الروح ردت فيه.في الليلة دي، المنيا نامت وهي بتتكلم عن “طاهر علوان” وعن هيبته وسط السوق، بس جوه البيت المقفول، طاهر كان عارف إن الهيبة الحقيقية مش في الصوت العالي ولا في كسر الستات.
. الهيبة الحقيقية إنك تلاقي الست اللي تقفل عليك سرك، وتحميك من نفسك، وتعيش معاها راجل بالأصول.. مش بالورق.البيت مبقاش مجرد حيطان وسقف، بقى عامل زي الأرض اللي شربت ميتها بعد جفاف طويل. طاهر لقى نفسه بيتغير من غير ما يحس؛ الخبث اللي كان مالي عينيه اتبدل بنظرة هادية، والغل اللي كان بياكله من جوة اتقلب لـ رغبة حقيقية إنه يعوض مريم عن كل ليلة نامت فيها ودموعها على خدها.