جوزي ج٢ اماني السيد
حس بحاجة غريبة بتتحرك في صدره.. لأول مرة مكنش غل ولا خوف، كان “خجل”. خجل من الراجل الطيب اللي مسامح ومبسوط، وخجل من مريم اللي بالرغم من كل اللي عملته، كانت حريصة إن أبوها ميعرفش الحقيقة اللي تكسر قلبه، وتفضل صورته قدام حماه إنه الراجل اللي رجع للحق.قعد طاهر على السفرة، وبص لعم مرزوق وقال بنبرة هادية ولأول مرة تطلع من قلبه: “تنور يا عمي.. البيت بيتك، وخيرك سابق دايماً.”مريم رفعت عينها وبصت لطاهر.. النظرة ليلتها كانت مختلفة. مكنتش نظرة التحدي الباردة، كانت نظرة فاحصة، كأنها بتبص لـ حتة أرض كانت بور وبدأت تطلع زرع من جديد.
بعد ما عم مرزوق مشى، والبيت هدي.طاهر كان قاعد في البلكونة بيشرب الشاي وباصص لـ قمر الليالي العربية. مريم دخلت عليه، حطت كوباية مية جنبه، وكانت رايحة تدخل.طاهر نده عليها بصوت هادي: “مريم..”وقفت عند الباب من غير ما تلتفت: “نعم يا طاهر؟”طاهر سكت لثواني، كأن الكلمة تقيلة على لسانه، بس كان لازم تطلع عشان يفك القفص اللي هو حبس نفسه فيه: “أنا.
. أنا متشكر.”مريم لفت وشها وبصتله باستغراب: “على إيه؟”طاهر بص للأرض وقال: “عشان محدش عرف بموضوع الدفتر الفاضي.. وعشان أبوكي نام وهو راضي عني.. وعشان.. عشان لسه باقية على البيت ده بالرغم من كل اللي عملته.”مريم وقفت وبصت للنيل البعيد من البلكونة، خدت نفس طويل وقالت: “البيوت مش ورق يا طاهر بنكتب فيه اللي احنا عايزينه ونقطعه لما نزهق.. البيوت لحم ودم وأسرار. أنا مكنتش عايزة أهدك.. أنا كنت عايزة أهد (الكدب) اللي فيك، عشان نعيش صح.. لو لسه فاضل فيك حتة سليمة، شيلها لـ ابنك ولـ بيتك، واليوم اللي فات.. مات.”سابت البلكونة ودخلت، بس المرة دي، مرزعتش الباب.
سابته موارب.. زي الباب اللي سابه مصطفى لـ عايدة في جامع العزايزة.. باب بيعدي منه النور بعد عتمة طويلة، وطاهر قعد يشرب شاي وهو حاسس إن الحمل اللي على كتافه بدأ يخف، وإن مريم، بالرغم من كل الوجع، كانت هي السند الحقيقي اللي حماه من نفسه.طاهر فضل باصص للباب الموارب، وكأن النور اللي طالع منه بيغسل وساخة السنين اللي عاشها في الكدب والنقص.
حس لأول مرة من يوم ما اتجوزوا إنه قادر يتنفس بجد، من غير ما يحضر كدبة جديدة، ومن غير ما يشيل هم “الوش” اللي هيقابل بيه الناس الصبح.الدفتر الفاضي اللي كان خانقه، اتقلب في نظره لصفحة جديدة، بيضا، مفيش فيها سيرة قديمة ولا غل.المركب مشيت، والمرة دي مش بالخوف، لكن بـ “السكوت اللي وراه رضا”.في سوق الجمعة، طاهر كان واقف وسط تجار القماش الكبار، ومحمود أخوه كان قاعد بيمشي حسابات الدكان. دخل عليهم واحد من قرايبهم من بعيد، وبخـ,ـبث الصعايدة رمى كلمة: “إيه يا أبا علي؟ سمعنا إن الهانم بقت هي الكل في الكل في البيت، والشور شورتها.