الضغط الأموي
الأربع أيام اللي بعدهم كانوا من أصعب أيام حياتي.
كنت بصحى وأنام على عياط البنات، وآكل أي حاجة واقفة، وأنسى نفسي تمامًا.
لكن وسط التعب والسهر والإرهاق…
خدت أهم قرار في حياتي.
بطلت أبررله.
بطلت أقنع نفسي إنه زوج كويس وأب مسؤول.
وبطلت أشيل البيت كله فوق دماغي لوحدي.
بعد أربع أيام…
رجع محمود.
فتح باب الشقة، ودخل وهو فاكر إن كل حاجة زي ما هي.
لكن…
أول ما شاف اللي مستنيه جواه…
وقف
مكانه، واتسمرت رجليه.
شاف محمود المنظر قدامه، فافتكر في الأول إن البيت اتقلب أكتر، وإن العياط هيبقى أعلى. بس الحاجة اللي صدمته… هي الهدوء!
البيت كان هادي، ونظيف تمامًا. سلمى وسارة كانو نايمين في سريرهم بسلام وريحة الشقة هادية وجميلة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في نظافة الشقة، الصدمة كانت في الحاجة اللي شافها على الترابيزة في الصالون.
شنطتين سفر كبار.. محطوطين ومنظمين بدقة، وجنبهم ورقتين.
الأولى: ورقة “محضر إثبات عدم أمانة زوجية وترك مأوى وهروب من المسؤولية” كنت لسه عاملاها إلكترونيًا ومجهزة كل إثباتات سفره وتهربه من رعاية بناته الرضع في ظروف صحية صعبة، والورقة التانية: “قائمة منقولات ومؤخر صداق” مكتوبين بأسلوب قانوني قاطع.
محمود بلع ريقه بصعوبة، ولقاني طالعة من المطبخ.. مش لابسة هدوم البيت المتبهدلة اللي سابني بيها، ولا شعرهاكعكع، ولا عيونها دبلانة زي الأول. كنت واقفة بشياكة وهدوء، وفي عيني نظرة ثقة وثبات مكنش شافها فيا من سنين.
بصلي برعب وقال بصوت مهزوز:
“إيه ده؟! شنط إيه دي؟ وليه هتعملي كدة؟ هو عشان سافرت أسبوع أومال عملتِ إيه؟!”
قربت منه بخطوات ثابتة، وبصيت في عينه بنفس البرود اللي سابني بيه قبل 4 أيام، وقلت بصوت هادئ جداً:
“زي ما أنت قلت يا محمود.. أنا اللي كنت عايزة أكون أم، وطلعت قد المسؤولية بجدارة.. بس للأسف اكتشفت إني بقيت أم لثلاثة مش
لاتنين، والتالت ده مش عاجبني دوره، ولا قادر يشيل معايا شيلة ولا يستحمل معايا حتى ربع هم.”
حاول يمسك إيدي وقال بانفعال وعصبية كعادة أي شخص زنقته الحقيقة:
“إنتِ اتجننتِ؟! هتهوني عليكِ عشرة السنين؟ وهتسيبي البيت عشان سفرية صيد؟ هو أنا عملت جريمة؟!”
سحبت إيدي بهدوء وقاطعت كلامه بثقة:
“الجريمة مش السفرية يا محمود.. الجريمة هي الاستهانة، والجريمة هي إنك لما حسيت إن الجنة اللي كنا بنحلم بيها فيها تعب وشغل حقيقي، هربت وسيبتني أغرق لوحدي. الأربع أيام اللي فاتوا دول.. أنا ما كسرونيش، بالعكس.. هما دول اللي خلوني أعرف أنا أقدر أعمل إيه لوحدي، وإني من غيرك أقوى بكتير.”
فتح بابه عشان ينادي أهله أو يتصل بيهم، بس لقى صوت من على الباب الرئيسي اتفتح.
باب الشقة كان مفتوح نص تمهيد، ودخلت والدتي ووالدي وجنبهم محامٍ عائلي، وكانوا متابعين الموقف لحظة بلحظة بتنسيق مسبق مني، عشان أعرف آخد حقي وحق بناتي صح من غير عشوائية.
محمود بص حواليه لقى نفسه محاصر بالأمر الواقع، وفهم ساعتها إن اللعبة انتهت، وإنه بدل ما ينزل يفسد مع صحابه ويرجع يلاقي الخدامة المطيعة اللي بتستحمله، خسر بيته ومراته اللي كانت سنده الوحيد في الدنيا.
قبل ما ينطق بحرف واحد، فتحت باب الشقة على مصراعيه، وبصيتله بابتسامة أخيرة وقلت:
“الشنط جاهزة، وبناتك هيبقوا في عيوني، بس برة حياتك تمامًا.. اتفضل ارتاح بقى لوحدك زي ما كنت عايز.”
قفلت الباب وراهم، وابتدت صفحة جديدة تمامًا.. صفحة عنوانها القوة، وحب النفس، والكرامة اللي لا تقدر بثمن.