لوحه بالالوان
شافها مرة واحدة في حياته وعلمت فيه علامة مستحيل ټموت.
مالك الټفت ببطء ناحية ليلى، عيونه اللي كانت من دقيقة واحدة مليانة ڠضب وټهديد، بقت حاجة تانية خالص… كأن السد اللي كان بانيه حوالين قلبه من عشرات السنين انهار فجأة.
جدك… هو منصور؟ سأل مالك بصوت مهتز.
أيوة.. عم منصور.
مالك خد نفس عميق، وابتعد خطوة عن اللوحة وكأنه بيستوعب الواقع. بص للفرشة اللي في إيد ليلى، وبعدين بص للبقعة الزرقاء اللي على قميصه، وضحك ضحكة قصيرة مريرة وغريبة، ضحكة واحد استسلم تماماً لسخرية القدر.
أنا بقالي عشرين سنة بدور على أي حاجة تفضل لي من أمي.. أي ذكرى، أي صورة، أي خط إيد. مالك قعد على كرسي خشبي قديم كان مرمي جنب الحامل، كأن رجليه مبقتش شايلاه. أبويا مسح كل حاجة تخصها بعد ما مشيت.. أو بعد ما اټوفت، محدش كان عارف الصراحة. وعمك.. أو جدك.. كان الدايرة الوحيدة اللي غابت عن عين عيلتنا.
الست الكبيرة اللي كانت ماسكة البورتريه بره الباب مدت راسها بفضول، والمحامي بدأ يحمحم بصوت واطي عشان يفكر مالك بالوقت.
يا فندم.. البنك.. وعقود المشروع..
مالك رفع إيده، حركة واحدة بس من صوابعه خلت المحامي يبلع كلامه فورًا وكأن زجاجة اتكسرت في زوره.
يغور المشروع ويغور البنك واللي أسسوا البنك. قال مالك بصوت هادئ، بس كان جواه حسم قطعي. بعدين رجع بص لليلى وقال هو ليه ساب إيديها من غير رسم؟
ليلى بصت للوحة نظرة طويلة، وحست بغصة في زورها. جدي كان بيقول دايماً إن الأدي إهي اللي بتصنع القدر، وإن الست دي هاربة من قدرها، وهو مكنش عارف هي اختارت تروح فين، فمقدرش يكمل إيديها.
مالك قام وقف، وبص لليلى نظرة متبدلة تماماً، مفيهاش أي ټهديد، نظرة احترام متبادل بين اتنين اتعرضوا لنفس القسۏة من الدنيا.
إذن.. سيبي إيديها مرسومة كدة. قال مالك وهو بيقرب من الباب. أحياناً، الحاجات اللي مش مكتملة بتبقى أصدق بكتير من اللي خلصت.
قبل ما يخرج، وقف عند الباب، وبص للست الكبيرة اللي كانت مړعوپة، وبعدين بص لشارع الميناء اللي كله كان مستني الکاړثة. بص لليلى وقال
الاستوديو ده ملكك للأبد.. وأي بنك يفكر يقرب منه.. أنا اللي هديله الفرشة الزرقاء دي بنفسي.
خرج مالك الديب من الاستوديو، ورجاله مشوا وراه، والشارع كله فضل واقف مذهول من الفضول.. بس في اللحظة دي، ليلى عرفت حاجة مهمة.
الوعود مش بس بتنقذ المباني.. أحياناً الوعود بترجع الناس لأصحابها.
الاستوديو بعد سنة
الشارع اتغير تماماً. المشروع الضخم اتبنى، بس استوديو منصور فضل مكانه، الصخرة الوحيدة اللي محدش قدر يزحزحها. البنك اتقفلت قضاياه، واللوحة اتعلق في صدر الاستوديو مكان بارز.
وفي كل يوم ثلاث، كان بيعدي عربية سوداء هادية قدام المحل، بينزل منها راجل بيلبس قميص أبيض، ويدخل من غير ما
يخبط، يقعد على نفس الكرسي القديم، ويبص على الإيدين اللي لسه مرسومة بخطوط رصاص خفيفة.
ومحدش في الشارع تجرأ يكلم ليلى في إيجار ولا بيع تاني أبداً.
النهاية.