البنت تستاهل

بس دمعة نزلت على خدها في نفس اللحظة.
أنا مشيت.
بس ما رجعتش البيت.
ركبت عربيتي وفضلت مستنية قدام المطعم.
عدت ساعات.
الزباين مشيوا.
الأنوار بتاعة الصالة اتطفت.
بس نور المطبخ فضل شغال.
ولقيت باب خدمة جانبي سايبه مفتوح.
دخلت.
واللي شوفته وقتها عمره ما هيروح من دماغي.
مريم كانت قاعدة على الأرض، على ركبتها، بتنضف الدهون اللي على البلاط.
جنبها طبق فيه بواقي أكل الزباين.
وكانت بتعيط في صمت…
وبتاكل بإيديها.
صرخت:
—مريم!
بنتي قامت مفزوعة، كأنها اتقفشت بتعمل جريمة.
—ماما! إنتِ هنا ليه؟ امشي… بالله عليكي امشي!
وقبل ما ألحق أقول حاجة، كريم خرج من مكتبه.
بصلي ببرود وقال:
—إنتِ بتعملي إيه هنا؟
رديت عليه:
—أنا هاخد بنتي معايا.
ضحك.
ضحكة مستفزة لدرجة إني حسيت الدم بيغلي في عروقي.
—دي مراتي يا مدام سعاد. وأنا اللي اديتها هدف في حياتها. قبل ما تعرفني كانت مجرد مصممة عادية مالهاش لازمة.
بصيت له وقلت:
—بنتي عمرها ما كانت مالهاش لازمة. وهتفضل إنسانة ليها
قيمة سواء كنت في حياتها أو لأ.
ابتسم ابتسامة باردة وقال:
—دي واحدة فاشلة. وتستاهل اللي بيحصل لها.

بصيت لمريم.
مديت إيدي لها وقلت:
—يلا يا بنتي. هنمشي.
مريم بدأت تهز راسها بخوف.
—ماما… مينفعش.
—ينفع.
—هو مش هيسيبني.
مسكت إيدها جامد وقلت:
—إنتِ عندك بيت. وعندك أم. ومش هتفضلي هنا دقيقة واحدة كمان.
كريم ضحك وقال بثقة غريبة:
—هترجع. كلهم بيرجعوا.
ما رديتش عليه.
خدت بنتي ومشينا.
وأول ما ركبنا العربية، مريم انهارت.
كانت بتترعش ومش قادرة تتكلم.
وأنا كنت سايقة وأنا ماسكة نفسي بالعافية عشان ما أعيطش قدامها.
فتحت موبايلي ودورت على رقم المستشار محمود صبري، محامي قديم وصديق للعيلة من سنين.
اتصلت بيه.
وقلت له جملة واحدة:
—محمود، أنا محتاجة مساعدتك فورًا. بنتي في مصيبة.
اللي ما كنتش أعرفه وقتها…
إن إخراج مريم من المطعم كان مجرد أول خطوة.
لأن الساعات اللي جاية هتكشف عقد مخفي، و8 شهور من الشغل من غير جنيه واحد، ودليل واحد بس…
كان ممكن يهد كريم الشناوي من أساسه.
​سيارة سعاد تحركت سريعًا مبتعدة عن مطعم “الطبلية”، ومريم في المقعد الخلفي تضم ركبتيها إلى صدريها، تبكي بصمت مطبق، كأنها خارجة للتو من معسكر اعتيادي للقهر.
​لم تكف سعاد عن تهدئتها طوال الطريق، قائلة بصوت منسجم بين القوة والتأثر:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *