كنت دايمًا بستغرب من الناس اللي بتقول إنها اكتشفت بالصدفة إن جوزها عايش حياة تانية وبيخبي عنها أسرار. وكنت بقول لنفسي مستحيل! أكيد كان فيه علامات واضحة مكالمة غريبة، مصاريف مش مفهومة، تغيير مفاجئ في تصرفاته حاجة أكيد كانت قدامهم واختاروا يتجاهلوها. لحد اليوم اللي ابني، عنده 7 سنين، نط على كرسي البين باج في أوضته والخياطة اتقطعت فجأة. حبيبات الفوم الأبيض اتناثرت في كل مكان، على السجادة، في هدومه، وحتى في شعره. لكن وسط كل الفوضى دي، لقيت حاجة خلتني أنسى حتى أتنفس. رزم فلوس. رزم صغيرة ومربوطة باستيكات، وكل واحدة فيها ورق فئة 100 دولار. ابني وقف مكانه وبصلي بخوف، كأنه فاكر إنه عمل حاجة غلط. البين باج ده كان جابهوله أبوه، محمود، هدية من 3 سنين. جابه جاهز ومتعبّي، وكان دايمًا يحذرنا إننا ما نفتحش السوستة أبدًا، وبيقول الحبيبات الصغيرة دي هتبوّظ البيت كله. ومن ناحية، كان عنده حق. بعت ابني ينزل تحت، وقفلت باب الأوضة بالمفتاح. وبعدين قعدت على الأرض وبدأت أعد الفلوس. كان جوه الكرسي حوالي 2 مليون جنيه مصري. عدّيتهم 3 مرات، عشان إيدي كانت بتترعش ومش قادرة أصدق اللي قدامي. بعض الفلوس كانت شكلها جديدة تمامًا، وفلوس تانية كانت قديمة ومبهدلة. لكن أغرب حاجة كانت إن كل رزمة عليها شريط صغير من الشطرطون، ومكتوب عليه تاريخ بخط إيد محمود. تواريخ راجعة لسنين. إحنا ما كناش أغنيا. محمود كان شغال في شركة تأمين. وأنا كنت بشتغل نص وقت في عيادة أسنان، لأن مصاريف رعاية ابني كانت بتخلي الشغل بدوام كامل مش مستاهل. بقالنا سنتين بنتخانق على مصاريف الأكل، وفواتير الكهربا والمية، وهل نقدر نغيّر عربيتي بعد ما الفتيس بدأ يبوظ ولا لأ. حتى علاج الأسنان اللي كنت محتاجاه لغيتُه، عشان محمود قال إن المبلغ اللي هدفعه من جيبي بعد التأمين غالي أوي. وابننا بطل دروس السباحة، لأن محمود قال إننا محتاجين نشد الحزام شوية. وفي الوقت ده كله كان فيه مليوني جنيه متخبّيين تحت ابننا. حرفيًا. لما محمود رجع البيت، كنت رتبت كل الرزم قدامه على ترابيزة السفرة. أول ما شاف الفلوس، وشه اصفر والدم اختفى منه تمامًا. ما سألنيش لقيتها فين. بس قفل باب الشقة ببطء شديد، وبصلي في عيني، وقال خمس كلمات أنهوا جوازنا. اللي اكتشفته بعد كده هحكيه كان....... زي الزلزال اللي بيهدّ البيت على راس ساكنيه، وبيخلّي الحجارة نفسها تترعش. ما كنتش أتخيل إن وراء الهدوء اللي عشنا فيه سنين، ووراء كلمة محمود زوجي وأب لابني، كان فيه عالم تاني مظلم، مليان خداع، وخيانات، وأسرار لو اتكشفت قبل كده، كان زماني متت من القهر والصدمة من زمان. الفصل الأول البداية اللي ما كنتش أعرفها قالي محمود بصوت خافت ومرتجف، كأنه بيحكي حكاية حد تاني مش حكاية حياته أنا عارف إنك حقة عليّ، وإن اللي عملته ده ما يتسامحش، بس اسمعني للآخر، وبعدين احكمي عليّ باللي عايزاه. قعد على الكرسي اللي كان بيجلسه كل يوم بعد الشغل، وبدأ يحكي أول ما اتجوزنا، كنت شغّال فعلاً في شركة التأمين، وكنت راتبي عادي، زي أي موظف. بس في يوم، وأنا بمراجعة وثائق تأمين لشخص كبير في السوق، اكتشفت إن فيه ثغرة كبيرة في العقود بتاعت الشركة، تسمح لي أحوّل مبالغ كبيرة لحسابات وهمية من غير ما حد يلاحظ، على الأقل لفترة طويلة. في البداية، فكّرت إنها مجرد فكرة مجنونة، وإن ربنا هيحاسبني، وإن الحرام ما بيدومش. بس بعد كده، جت الظروف اللي خلّتني أضعف قدام الإغراء. سكت شوية، وبص في الأرض، وكمل أمي كانت مريضة جدًا، والدكتور قال إنها محتاجة عملية غالية أوي في الخارج، وإلا هتموت. وأنا ما كنتش أملك ربع المبلغ. رحت لعمّي، ولخالاتي، سألتهم مساعدة، بس كل واحد اعتذر بحجة الظروف. وقتها، حسيت إن الدنيا كلها قفلت في وشي، وإن ما حدش حاسس بيا. قلت لنفسي لو عملت العملية دي، وساعدت أمي، ربنا هيغفر لي، وأنا هرد الفلوس دي أول ما أقدر. وده كان أول غلطة. استخدمت الثغرة، وحوّلت مبلغ كبير، وسافرت بأمي للخارج، وعملت العملية. والحمد لله، نجت. بس لما رجعت، اكتشفت إن الشركة بدأت تراجع الحسابات بدقة أكتر، وإنني لو رجعت الفلوس فورًا، هيتكشف أمري واتحبس واتشرد من الشغل وتبقى سمعتي في الأرض. فقررت أخبّي المبلغ، وأدّي كل فترة أخذ جزء صغير، وأخبّيه في مكان ما حدش يعرفه. واخترت الكرسي ده، لأنه كان دايماً قدام عينيك، وما كنتش تتوقعي إن السرّ جواه. وكل ما كنت باخد جزء، كنت بكتبله التاريخ عشان أعرف قد إيه اللي أنا خدته ومش عايز أنسى ولا أتوه. بصيت له بذهول وغضب، وقلت له بصوتي اللي اتقطع من العياط وكنت بتقول لنا مش معايا فلوس، ونشد الحزام، والدنيا غالية؟ كنت بتشوفني بتنازل عن علاجي، وابني بيضيع منه دروس السباحة، واحنا بنعيش على الحافة والفلوس دي كلها عندك؟ تشوفنا بنعاني وانت بتخبّي ثروة قدامنا؟ ده مش مجرد خطأ يا محمود، ده خيانة للعشرة وللأبوة وللإنسانية اللي المفروش تكون فيك! نزلت دمعة من عينه، وقال كل يوم كنت عايش بندم وخوف. كل مرة كنت بشوفك بتضحّي عشان نعيش، كنت بتحس بلسعة في قلبي ما تروحش. وكل ما أشوف ابني، كنت أتمنى لو أقول له الحقيقة، بس كنت خايف أخسركم، وخايف تدخل السجن وأنتو اللي تدفعوا التمن. كنت فاكر إن في يوم قريب، هلاقي طريقة أردّ كل حاجة، وأصحح غلطتي، ونعيش حياة نظيفة من تاني. بس الأيام جرت بسرعة، والسنوات عدّت، وكل ما فات الوقت، كل ما صعب عليّ أتكلم. الفصل الثاني الحقيقة اللي ما كنتش أحسب حسابها بس الحكاية ما خلصتش هنا. وبينما كنا قاعدين، والجو مشحون بالدموع والصدمات، رنّ تليفون محمود. لقيته بيبص في الشاشة، وشه اتغيّر، ورد بصوت واطي ومرتبك أيوة أنا معايا الفلوس لا، ما حدش عرف حاضر، أنا جاي حالاً. قفلت الخط، وقفتله مين ده؟ ومين اللي عرف؟ وايه اللي بيحصل بالظبط؟ حط إيده على وشه، وقال بصوت مسموع لأول مرة فيه حاجة ما قلتهالكش. لما بدأت أحوّل الفلوس، ما كنتش أعرف إن اللي بيساعدني في العمليات دي شخص تاني، كان شغال معايا في الشركة، وكان هو اللي لاحظ الثغرة قبلي، وعرض عليّ إننا نشتغل مع بعض بالنص. اسمه عادل. واتفقنا إن كل واحد ياخد نص المبلغ، ونخبّي فلوسه في مكان منفصل. بس عادل ده كان طمّاع، وكل ما كنا بنكسب، كان بيصرّ إننا نزود المبالغ اللي ناخدها، وبدأ يضغط عليّ، ويهددني إنه يفضحني لو رفضت. ومع الوقت، بقى يطلب مني فلوس بانتظام، كأنني بتاعه، وكل مرة أقول له لأ، يذكّرني إنه معاه الأدلة اللي تودّيني السجن لسنوات طويلة. واللي كلمني دلوقتي هو هو. جاي ياخد نصيبه من الفلوس اللي لقيتها، لأن هو اللي كان عارف إنني خبّيت جزء كبير منها في الكرسي. اتجمدت مكاني. يعني السر ده ما كانش سرّه لوحده، فيه شخص تاني مشارك فيه، وبيهدد حياتنا وحياة ابني. قلت له يعني ده مش مجرد غلطة فردية؟ ده بقى شبكة خداع وابتزاز، واحنا وقعنا في النص من غير ما ندري؟ وازاي كنت تقدر تخلّصنا منهم دول؟ ردّ محمود بعيون مليئة باليأس ما كنتش عارف. حاولت أكلمك كذا مرة، بس الكلمات كانت بتتوه مني. حاولت أهرب، بس عادل كان بيقول إنه لو اختفيت، هيجي ليكِ ولابني، ويخليكِ تدفعي التمن بدالي. ففضلت أتخبّط، وأحاول أجمّع فلوس تانية أرضي بيها طمعه، لحد ما ربنا ساقكِ للكرسي واتكشف كل حاجة. الفصل الثالث زوجة عادل الصدمة التالتة قلت لمحمود لازم نوقف ده عند حده. ما ينفعش يستمر ياخد منا كده، واحنا نعيش في خوف وذل. الفلوس دي حرام، ولازم نرجعها للشركة، ونواجه النتيجة، مهما كانت قاسية. ده هو الحل الوحيد اللي يطهّر قلوبنا وينقذ ابنا من العار. بس فجأة، رنّ جرس الباب. فتحت الباب، لقيت ست واقفة، أول مرة أشوفها في حياتي. كانت أنيقة، ولبسها غالي، وعيونها فيها نظرة قوة وغرور. قالت لي بكل ثقة السلام عليكم. أنا زوجة عادل. ممكن أدخل؟ دخلت، وبصّت حوليها، ولما شافت الفلوس مرصوصة على الترابيزة، ابتسمت ابتسامة صفرا، وقالت أخيرًا جمعتوا كل حاجة. عادل قالي إن محمود خبّى جزء كبير من الفلوس هنا، وإنني لازم أجيبها قبل ما يتصرّف فيها. لأن الحق حق، واللي لينا لازم ناخده. اتكلمت بذهول يعني أنتِ كنتِ عارفة باللي بيحصل؟ وكنتِ موافقة إن جوزك يسرق ويبتز ويدمّر عائلات تانية عشان تاخدي فلوس حرام؟ ردّت بكل برود يا ست الكل، الدنيا دي محتاجة ناس تعرف تاخد حقها. محمود كان شريك، واتفق مع جوزي، والاتفاق لازم يتنفذ. ما حدش غصبه يعمل كده، هو اللي اختار طريقه. ولما كسب، استفاد لوحده سنين طويلة. دلوقتي جاء دورنا نستفاد. بصيت لها ولزوجها اللي كان واقف جنبي، وحسيت بالغضب يملأ قلبي، وقلت الفلوس دي حرام، ومش هتاخدوا منها جنيه واحد. وكل اللي عملتوه ده هيجيلكم جزاه في الدنيا قبل الآخرة. احنا هنرجع كل حاجة لمكانها، ونعترف بكل حاجة للشركة وللناس، ونستقبل العقاب اللي ربنا كاتبه لينا. لأن ده هو الطريق الصح، والطريق الوحيد اللي يخلّينا نعيش بكرامة من تاني. ضحكت ست عادل بصوت عالي، وقالت يا سلام! وانتِ فاكرة إن الشركة هتسامحكم؟ وإن الناس هتشفق عليكم؟ لما تعترفوا، محمود هيتحبس سنين، وانتِ هتبقى زوجة سارق، وابنك هيبقى ابن سجين. هل ده المستقبل اللي عايزاه ليه؟ سكتّ شوية، وبصيت لابني اللي كان نايم في الأعلى، وقولت بكل عزيمة ولا لحظة فكرت أضحّي بكرامتنا وضميرنا عشان نعيش حياة كدب. ابني ربّناه على إن الحق حق، والباطل باطل، وإن مهما طال الوقت، الخداع ما بيدومش. ولو عايش في الحقيقة بيعرف يعيش، ولو كان غلبان. والعيشة بوجوه الناس وحياتهم اللي بتبنى على الحرام والكذب دي ما تستاهلش نحافظ عليها. الفصل الرابع القرار الصعب بعد ما مشت ست عادل، قعدت أنا ومحمود لوحدنا من جديد. قلت له محمود، اسمعني كويس. أنا بحبك، وأب لابني، وعشنا مع أيام حلوة ما تنسى. بس الحب ما يمنعش إننا نصحح الغلط. والقرار اللي جاي ده لازم ناخده مع بعض، ونتحمل نتيجته مع بعض. أنا معاك في كل خطوة، بس بشرط نرجع كل الفلوس للشركة بالكامل، ونعترف بكل التفاصيل للشرطة وللناس، ونطلب منهم العفو، ونستعد لأي عقاب يجي منهم. وندعي ربنا يغفر لنا ويفتح لنا باب رزق حلال جديد. بكى محمود بحرارة، وقال تستاهلي كل خير. أنا كنت غبي، واتبعت نفسي وغواها، ونسيت ربنا ونسيت ضميري. وربنا أرسلكِ لي في الوقت المناسب عشان تنقذيني من النار اللي كنت هتردّى فيها. أنا موافق على كل كلمة قلتيها، ومستعد أواجه أي حاجة، لأنني عارف إن ده هو الطريق الوحيد اللي يرضي ربنا ويريح قلبي. في الصباح، رحنا مع بعض لمقر الشركة، وطلبنا نقابل المدير العام. ولما قابلناه، قدّمنا له كل الفلوس، وكل الأوراق اللي تثبت التفاصيل، واعترفنا بكل حاجة من الأول للآخر. سمعنا المدير بذهول وصمت، ولما خلصنا، قال بصوت هادئ ما كنتش أتوقع منكم كده. في ناس كتير لما بتقع في الغلط، بتفضل تكمّل فيه وتخبّيه لحد ما يدمّرهم. بس إنكم جيتوا بنفسكم واعترفتوا ورجعتوا كل حاجة، ده دليل على إن لسه في قلوبكم خير وضمير. والقانون لازم ياخد مجراه، وأنا مش أقدر أتدخل فيه. بس هكتب تقرير باللي حصل، وبأنكم كنتم متعاونين واعترفتم طواعية، وده ممكن يخفف العقوبة. وربنا يسهّل عليكم. تم التحقيق، واتحكم على محمود بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، لاعترافه الكامل وردّه كل المبالغ، وعدم وجود أي شكاوى تانيه ضدّه. أما عادل وزوجته، فبعد ما بلغناهم الشرطة باللي عرفناه، تم القبض عليهم، واتحكم عليهم بعقوبات قاسية، لأنهم كانوا المخططين الأساسيين، ولأنهم استخدموا التهديد والابتزاز. الفصل الخامس البداية الجديدة مرت الأيام، وبدأت حياتنا ترجع لطبيعتها، بس بشكل مختلف تمامًا. الفلوس رجعت لمكانها الصح، وضميرنا ارتاح من الحمل الثقيل اللي كنا حاملينه سنين. محمود رجع يشتغل من جديد، وبجهد وضمير، وكل راتب بياخده بيجيبه ليا، بنصرفه بالحلال وبالرضا. أنا كملت علاجي للأسنان، وابني رجع لدروس السباحة، وبدأ يتفوق في دراسته، وكبر على حب ربنا والصدق والأمانة. كل ما كنت بشوف الكرسي اللي كان سبب في كشف السر، كنت أبتسم وأشكر ربنا. لأن اللي حصل ده كان امتحان كبير لنا، ونجحنا فيه بفضل صدقنا واعترافنا واتكالنا على الله. عرفنا إن ما حاجة في الدنيا تستاهل نبيع ضميرنا وقيمنا عشانها، وإن الحياة اللي بتبنى على الحق والوضوح والصراحة، هي الحياة الوحيدة اللي تستاهل نعيشها. وبقيت أقول للناس كل ما يسألوني عن الحكاية السر مهما طال، لابد يظهر. والخداع مهما اتخبى، لابد ينكشف. والطريق الصح مهما كان صعب وطويل وشاق، نهايته دايماً أجمل وأبقى من أي طريق تاني. الفصل السادس تفاصيل ما حكتوهاش سنوات الخفاء بعد فترة، طلب مني محمود نجلس مع بعض في ليلة هادية، وقال إنه عايز يحكي لي كل التفاصيل اللي فاتت، عشان ما يبقى بيننا أي سر صغير ولا كبير. بدأ يروي بكل دقة أول مبلغ أخذته كان 450 ألف جنيه، بتكلفة عملية أمي. كنت كل يوم أروح المستشفى وأنا قلبي بيحترق، مش عارف أجيب الحق منين. لما لقيت الثغرة، حسيت إنها فرصة من السماء، رغم إني كنت عارف إنها حرام. سحبت الفلوس، وحطيتها في شنطة، وسافرت بيها لأمي. نجحت العملية، ووقفت قدام سريرها شايفة عينيها بتفتح من جديد، دعيت ربنا من كل قلبي يا رب، اغفر لي، وأنا هرد كل مليم أخدته أول ما أقدر. بس الأيام خدتني لطريق تاني. الشركة بدأت تراجع الحسابات، وخفت يتكشف أمري، فقررت أخبّي الفلوس المتبقية بعد ما صرفت على العلاج. اشتريت الكرسي ده من محل أثاث مستعمل، واتفقت مع البايع يعبّيه بالفوم ويدخله البيت على إنه هدية لابنك. كل فترة، كنت أروح لغرفته لما يكون نايم، وأفتح السوستة بخفة، وأحط جزء من الفلوس، وأكتب التاريخ على الشريط. كنت حاطط لنفسي قاعدة مش هصرف منهم حاجة تخص البيت، عشان ما أتعود على الحرام. وده اللي خلّيني أصرّ على شد الحزام معاكي، أكون صادق في ظاهري وكاذب في داخلي. كنت أشوفك بتلبسي الفستان القديم في الأعياد، وأقول لنفسي اصبري، ده مؤقت، وهيعوضكم الله خيرًا. وكل ما كنت أشوف ابنك يبكي عشان عايز حاجة ومش قادر أجيبهاله، كنت أروح الحمام وأعيط لوحدي، من كسر قلبي وندمي. سألته ومرّت عليك فترة فكرت فيها تكلمني؟ بجد؟ ردّ وعينيه بتلمع بدموع كتير. مرة كنتي تعبانة قوي، والدكتور قال محتاجة علاج ب 12 ألف جنيه. رجعت البيت، فتحت الكرسي، مسكت رزمة بمبلغ 15 ألف، كنت همدّهم لكي، وأقولك ده ميراث جاني من بعيد. بس لسانني اتجمد. خفت أسألك منين جابهم؟ وأنا مش عارف أجيب. وخفت نظرة الثقة في عينيك تتحول لشك. فرجعت الفلوس، وقولتلك العلاج غالي، خلينا نصبر لحد ما ربنا يفرجها. ومرات كتير كنت أقول بكرة أقول لها، بس بكرة كان بيتأجل ويتأجل، لحد ما ربنا أمر باللي حصل. الفصل السابع عادل الوجه الآخر للخيانة سألت محمود عن عادل، أريد أفهم من هو الشخص اللي كان سبب في دمارنا. قال عادل كان زميلي من أيام الكلية، دخلنا الشركة مع بعض. كان دايماً طموح، بس طموحه ما كان يعرف حدود. كان يقول لي الشطار اللي يعرف يلعبها صح، والدنيا ما بتعطيش حد حاجة ببلاش. لما اكتشف الثغرة، جاني على طول، وقال ده رزق جاي لينا من السما، لو رفضناه، غيرنا هياخده. حاولت أقاومه، قلت له ده حرام، والله بيحاسبنا. ردّ عليا بكل سخريه الله بيحاسب اللي بيعمل شر، بس احنا هنصلح الغلط ونرجع الفلوس، محدش هيخسر حاجة. ولما بدأنا، هو اللي كان بيدير كل حاجة من بعيد، يحدد المبالغ والحسابات، وكنت أنا المنفّذ. وبعد ما كبر المبلغ، بدأ يظهر على حقيقته. كان يجيلي البيت، يطلب فلوس كأنها إيجار، يقول نصيبي جاي، هاتّه. وكل مرة أحاول أوقفه، يخرج ورق ومستندات بيها إمضائي، ويقول الشركة هتفرح جدًا لما تشوف دول. كنت أعيش في رعب مستمر، كل يوم أروح الشغل وأنا متوقع أي لحظة يفتحوا لي التحقيق. وكل يوم أرجع البيت وأنا خايف ألاقي الشرطة مستنياكي. لما عرف إنني خبّيت جزء كبير في الكرسي، قال ده نصيبي، لازم آخده. واتفق مع مراته تجي تاخده بنفسها، عشان يضمن إنني مش أصرّ على الرفض. قلت له والناس دول، حياتهم كانت كلها فلوس؟ ما كانش في قلبهم رحمة ولا ضمير؟ قال الفلوس حرقت قلبهم قبل ما تجمعهم. عادل كان بيضرب مراته، ومراته كانت بتخونه، وكل واحد فيهم كان بيدوّر على مصلحته بس. لما اتقبض عليهم، عرفت إنهم كانوا ناويين يورّطوني في قضايا تانية وياخدوا كل الفلوس لوحدهم. ربنا ساق الكرسي ينقطع عشان يخلّصني منهم ومن شرهم. الفصل الثامن المجتمع واللي بعد كده بعد ما عرف الناس بالقصة، كانت ردود الفعل متنوعة. ناس قالوا محمود راجل كويس، غلط وصلح غلطه، والله يتوب عليه. وناس تانية قالت كيف يأمنوه تاني؟ ده سرق الشركة سنين. كنت أسمع الكلام وأنا قلبي هادئ، لأنني كنت عارفة إن ربنا هو الحكم الحقيقي، وإن اللي يهم هو ضميرنا وعلاقتنا ببعض وبالله. مرت شهور، وقررت الشركة تعرض على محمود وظيفة تانية براتب أقل، كتقدير لصدقه وأمانته في الإصلاح. رفضنا في البداية، قلنا نبدأ حياة جديدة بعيدًا عن المكان اللي شاف غلطنا. بس المدير قال البداية الجديدة ممكن تكون من نفس المكان، لو القلب اتغير. فوافقنا، وبدأ محمود يشتغل بجدية وضمير، وكل اللي كان بيشتغل معاه بيحبوه ويحترموه. أنا قررت أفتح عيادة أسنان صغيرة في البيت، بعد ما رجع لي ثقتي بنفسي وبعملي. بدأت بغرفة واحدة، ومعدات بسيطة، والمرضى كانوا بيجوا، وبيشكروا في شغلي وأمانتي. وابني كبر، وبقى يقول لصحابه بكل فخر أبوي غلط وصلح غلطه، وربنا بيحب اللي يتوب. الفصل التاسع الكرسي والذكرى احتفظت بالكرسي. ما رمتهوش. غسلت القماش بتاعه، وملأته برمل نظيف من ساحل البحر اللي رحنا له في رحلة عائلية، وحطيت فيه صور عائلتنا، وورق مكتوب فيه هنا كان السرّ، وهنا بدأت التوبة. وحطيناه في ركن الشقة، كتذكار دائم لنا ولابنا إن الحق لا يموت، وإن الخداع لا يدوم، وإن البداية الجديدة ممكنة في أي وقت نقرر فيه نكون صادقين مع ربنا ومع أنفسنا. كل ما بشوف الكرسي، أتذكر اليوم اللي اتقطعت فيه الخياطة، وكيف كانت بداية نهاية العذاب وبداية حياة حقيقية. ما ندمت على اللي حصل، لأنني عرفت إن محمود اللي معي دلوقتي هو الإنسان الحقيقي، اللي بلا أقنعة ولا خداع، واللي اختار يصحح طريقه مهما كان التمن. الفصل العاشر رسالة أخيرة في كل ليلة، قبل ما ننام، كنا نجلس مع بعض، نمسك أيدينا في أيدين بعض، ونشكر ربنا على نعمة الهداية والستر. ومحمود كان دايماً بيقول كنت فاكر إن الفلوس هتجيب لي السعادة، بس لما عشت معاها مخبّية، عرفت إن السعادة الحقيقية هي إنك تنام تصحى وضميرك مرتاح، واللي تحبهم جنبك، وربنا راضي عنك. وأنا كنت أقول له واللي اتعلمناه من التجربة دي هو إننا مهما واجهنا من صعوبات أو إغراءات، الطريق الصح هو الطريق الوحيد اللي بيوصلنا لبر الأمان. وإن الأسرار اللي بنخبّيها عشان نحمي نفسنا، غالبًا بتكون هي اللي بتدمّرنا. والصدق مهما كان مرّ، نهايته حلوة. وتمر السنين، وتبقى قصتنا مجرد حكاية تُحكى، بس المعنى اللي وراها يبقى حيّ إن ربنا بيقلب الأمور لخير عباده اللي يتوبوا ويرجعوا إليه، وإن ما حدش بيخرج من الدنيا بمال الحرام، وإن كل خطوة نحو الحق، مهما كانت بطيئة ومؤلمة، هي خطوة نحو حياة أجمل وأبقى.