نام هذا الطفل

حاولوا أن يسألوه عن عائلته، عن مدينته، عن أي شيء يمكن أن يقودهم إلى أهله، لكنه لم يكن يملك الإجابات، كانت ذاكرته صغيرة، مبعثرة، غير كافية لإنقاذه.

ومع مرور الوقت، أصبح مجرد ملف… وقصة ضمن مئات القصص التي لا أحد يعرف نهايتها.

ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء مرة أخرى.

عائلة من مكان بعيد جدًا سمعت عنه، قررت أن تمنحه حياة جديدة، لم يكن يعرف ماذا يعني ذلك، ولا أين سيذهب، لكنه كان يعلم فقط أن هناك أشخاصًا يريدونه… وهذا كان كافيًا له.

سافر إلى بلد لم يسمع باسمه من قبل، مكان مختلف تمامًا عن كل ما عاشه، شوارع هادئة، بيوت مرتبة، وأناس يتحدثون بلغة لا تشبه أي صوت سمعه في حياته.

هناك، بدأ فصل جديد.

بيت دافئ… سرير خاص… مدرسة…

أشياء لم يكن يتخيل أنه سيحصل عليها يومًا.

ومع السنوات، تغيّر كل شيء.

كبر الطفل… تعلّم اللغة… أصبح يفهم العالم من حوله…

وببطء… بدأ الماضي يبتعد.

لم يعد يتذكر ملامح المكان بوضوح…

ولا تفاصيل الطريق…

ولا حتى الكلمات التي كان يتحدث بها.

وكأن حياته القديمة… كانت حلمًا بعيدًا.

حتى جاء يوم…

كان يجلس فيه مع أصدقائه حول مائدة عشاء، طعام هندي، روائح مألوفة بطريقة غريبة، شيء ما تحرّك داخله دون أن يفهمه.

نظر إلى قطعة حلوى أمامه…

وتجمّد.

شعور قديم عاد فجأة…

ذكرى بعيدة…

وعد لم يكتمل…

وفي لحظة واحدة…

عاد ذلك الطفل ذو الخمس سنوات…

وكأنه لم يختفِ أبدًا.

ومن هنا…

شعور قديم عاد فجأة…

ذكرى بعيدة…

لم يستطع سارو أن يتجاهل ما شعر به في تلك اللحظة.

لم تكن مجرد ذكرى عابرة…

بل شيء أعمق… أقسى… وكأنه باب قديم فُتح فجأة بعد سنوات من الإغلاق.

ظل ينظر إلى قطعة الحلوى أمامه، وكأنها تحمل سرًا يعرفه، لكنه نسيه، حاول أن يتجاهل الأمر في البداية، أن يعود إلى حياته كما هي، لكن الفكرة بدأت تكبر داخله يومًا بعد يوم.

“من أنا؟”

سؤال بسيط…

لكنه كان كفيلًا بأن يقلب حياته كلها.

بدأ يسترجع ما يستطيع من ذكريات، أسماء غير واضحة، طرق متشابهة، محطة قطار، وأخ أكبر كان يمسك بيده دائمًا، لكنه كلما حاول أن يتقدم خطوة، كان يصطدم بالفراغ.

ومع ذلك… لم يتوقف.

جلس أمام الحاسوب لساعات طويلة، ينظر إلى الخرائط، يحاول أن يربط بين ما يتذكره وما يراه، يتتبع خطوط السكك الحديدية، يحسب المسافات، ويقارن بين الأماكن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *