نام هذا الطفل

جلس على أحد المقاعد، يحاول أن يهدأ، ويقنع نفسه أن الأمر بسيط، وأن أخاه سيظهر في أي لحظة.

لكن التعب عاد إليه من جديد، وأثقل عينيه أكثر من قبل، فاستسلم للنوم مرة أخرى…

دون أن يدرك أن القطار بدأ يتحرك.

وببطء، ثم بسرعة أكبر، أخذ القطار يبتعد، يحمل معه طفلًا صغيرًا… لا يعرف إلى أين يذهب، ولا كيف سيعود.

وحين استيقظ…

لم يكن في نفس المكان.

ولم يكن هناك أي طريق للعودة.

بل كان قد ابتعد مئات الكيلومترات…

وما ينتظره هناك لم يكن مجرد ضياع.

الجزء الثاني..

استيقظ الطفل على أصوات لم يسمعها من قبل، ضجيج أعلى، ووجوه أكثر، وكأن العالم تضاعف فجأة من حوله، فتح عينيه ببطء وهو لا يزال يظن أنه في نفس المكان، لكنه سرعان ما أدرك أن كل شيء تغيّر.

المحطة مختلفة… الناس مختلفة… وحتى الهواء بدا غريبًا عليه.

نزل من القطار وهو ينظر حوله بارتباك، يحاول أن يلتقط أي شيء مألوف، أي علامة تدلّه على الطريق، لكن لا شيء كان يشبه ما يعرفه، ولا أحد كان يفهم كلماته حين حاول أن يسأل أو يشرح.

كان صغيرًا جدًا على أن يفهم ما يحدث، لكنه كان كبيرًا بما يكفي ليشعر بالخوف.

تحرك بلا هدف وسط الزحام، يمشي حيث تمشي الأقدام، ويتوقف حين يتوقف الآخرون، وكأنه يحاول أن يختبئ داخل هذا العالم الكبير دون أن يلاحظه أحد، لكن الجوع بدأ يضغط عليه، والتعب لم يفارقه منذ الليلة الماضية.

مرّت ساعات… وربما أيام… وهو يتنقل بين الشوارع، ينام حيث يجد مكانًا، ويستيقظ على نفس السؤال الذي لا يملك له إجابة: أين أنا؟

وفي كل مرة كان يحاول أن يقترب من أحد، كان يصطدم بنفس المشكلة، لغة لا يفهمها، ووجوه لا تعرفه، وكأن العالم كله قرر أن يغلق بابه في وجه طفل صغير.

ومع الوقت، بدأ يدرك شيئًا مرعبًا… أنه قد لا يجد طريق العودة أبدًا.

في أحد الأيام، لفت انتباه بعض الأشخاص حاله، طفل صغير تائه، لا يعرف اسمه كاملًا، ولا عنوانه، ولا يستطيع حتى أن يشرح من أين جاء، فتم أخذه إلى مكان آمن، بعيد عن الشوارع التي كانت تزداد قسوة عليه يومًا بعد يوم.

هناك، ولأول مرة منذ اختفائه، وجد سريرًا ينام عليه، وطعامًا يُقدَّم له دون أن يبحث عنه، ووجوهًا تحاول مساعدته، حتى لو لم تفهم كل كلماته.

كانت دارًا لرعاية الأطفال المفقودين.

بدأ يتعلم كلمات بسيطة، يحفظها كما هي، دون أن يفهمها بالكامل، فقط ليتمكن من التواصل، من أن يقول “أنا هنا”، أو “أنا جائع”، أو حتى “لا أعرف”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *