امضي
«امضي ورقة الطلاق من غير شوشرة يا ريم.. شاهندة جابتلي الولد اللي إنتي معرفتيش تجيبيهولى.»
دي كانت أول كلمة ينطق بيها جوزي بعد ٣ سنين غياب برة مصر.
كنا واقفين في صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي وسط زحمة المسافرين، والناس بتسحب شنطها، والعائلات بتبوس وتحضن بعض عند البوابات. كنت متخيلة اللحظة دي ألف مرة طول السنين اللي قضاها بيمثل إنه شغال في دبي، بس ولا مرة تخيلت إنه هيرجع ومسكين في إيده واحدة تانية شايلة طفل رضيع.
جوزي، أحمد، كان شكله بقى أغنى بكثير من يوم ما سافر. البدلة عمومي، والساعة الماركة بتبظ من تحت كم القميص مع كل حركة.
والبنت اللي جابها معاه كانت صغيرة، وشيك، ولابسة عباية مودرن وأنيقة، ومسكة الواد النايم على صدرها وبتبصلي بقرف وكأنها بتبص لشغالة.
“هي دي ريم؟” سألت ببرود، “مش كنت بتقولي إنها مجرد الممرضة اللي بتراعي مامتك؟”
أحمد ما فتحش بوقه ولا حاول يصلح كلامها.
الكلمة دي ذبحتني أكتر ما كنت متوقعة.
٣ سنين كاملة وأنا شايلة أمه، الحجة ماجدة، على كفوف الراحة. ٣ سنين والزهايمر بيآكل في ذكرياتها واحدة واحدة لحد ما نسيت اسمي، ونفسها، وعيلتها.
لما كليتها بدأت تتعب، أنا اللي كنت بروح معاها جلسات الغسيل في المستشفى.
لما اتكسرت، أنا اللي شيلتها وساعدتها في العلاج الطبيعي.
ولما كان يجيلها الدور الشديد، كنت بباط في الكرسي البلاستيك جنبه في المستشفى العيني.
أحمد بعت فلوس أول ٥ شهور بس من سفره. وبعدها؟ كل ما أطلب، يطلعل حجة: الضرائب حجزت، الإقامة مكلفة، دخلت في مشروع، تحويلات البنك معطلة… لحد ما بطلت أطلب.
أنا قبل ما يسافر كنت شغالـة مصممة جرافيك في شركة دعاية كبيرة في المهندسين، ولما حالة أمه ساءت، اضطريت أسيب الشغل الثابت عشان مكنش ينفع تتساب لوحدها ثانية.
بس مبطلتش اشتغال.
قلبت شغلي “فري لانس”، وأسست مكتبي الصغير على التربيزة اللي جنب سرير أمه. أعمل تصميمات وغلافات كتب وإعلانات لشركات، وأسهر للصبح بعد ما أكون حميتها وأكلتها ونيمتها.
أحمد بقى حسب السهر والشغل من البيت ده على إنه “قعدة في البيت ومفيش شغلانه عدلة”.
“أنا هديكي ٢٠٠ ألف جنيه تفتحي بيهم حياة جديدة،” قالها بكل عين قوية وهو واقف في المطار. “وده كرم مني، خصوصاً إنك بقالك سنين مابتشتغليش شغلانة بجد.”