حادثه ج١ منى السيد
ولا حتى سألتني إذا كنت محتاجة حاجة.
قربت مني، وبصت في عيني، وقالت بصوت واطي:
— إنتِ هتقولي للدكتور إنك إنتِ اللي كنتِ سايقة.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
— إيه؟
— سمعتي.
— بس يا ماما… كريم هو اللي كان سايق!
وشها اتغير.
قربت أكتر، ومسكَت كتفي المصاب وضغطت عليه بقوة.
صرخت من الوجع.
— آآآه!
في نفس اللحظة، جهاز المراقبة بدأ يطلع صوت إنذار.
لكن أمي ما اهتمتش.
وقالت:
— عندك خمس دقايق بس تعدلي كلامك.
بصيت لها وأنا دموعي نازلة.
— إنتِ عايزاني أدخل السجن بدل كريم؟
قالت ببرود:
— لو قولتي الحقيقة، كريم هيتحبس.
سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت حاجة جوايا:
— ولو إنتِ فعلًا بنتي… هتضحي عشانه.
حاولت أستوعب كلامها، لكن الألم كان أكبر من قدرتي على التفكير.
قربت من ودني وهمست:
— لو اتكلمتي، بالنسبة لي إنتِ مش بنتي من النهارده.
خرجت من الأوضة وسابتني لوحدي.
فضلت باصة للسقف، والدموع بتنزل على وشي.
في اللحظة دي، حسيت إن الحادثة ما كانتش أصعب حاجة حصلتلي.
الأصعب كان إني اكتشفت إن أمي مستعدة تبيعني عشان تنقذ ابن جوزها.
لكن أمي ما كانتش تعرف حاجة واحدة.
قبل الحادث بيوم، كنت ركبت كاميرا مراقبة صغيرة داخل العربية عشان كنت بدأت أشك إن كريم بياخدها من غير إذني.
والكاميرا…
كانت بتسجل كل حاجة.
فتحت الموبايل بإيدي السليمة، ودخلت على التسجيل.
شغلت الفيديو.
ظهر كريم وهو بياخد المفتاح مني بالقوة.
ظهر وهو بيركب مكان السواق.
ظهر وهو بيسوق بسرعة.
وظهر بوضوح…
وهو بيفك حزام الأمان وبيقفز من العربية قبل لحظات من الحادث.
ابتسمت رغم الألم.
لأول مرة من ساعة ما فتحت عيني في المستشفى، حسيت إني مش ضعيفة.
لأن كذبة أمي كانت لسه ما بدأتش تقع…
لكن أنا كنت على وشك أخليها تقع كلها.
الجزء الثاني
الممرضة دخلت الأوضة تجري بعد ما جهاز المراقبة فضّل يزرّق ويطلع صوت الإنذار العالي. كانت مخلوعة وبيباين على وشها القلق، جِت ناحيتي بسرعة وصوتها متوتر:
— خير يا سارة؟ في إيه؟ حاسة بألم شديد؟
غمضت عيني لحظة وأنا بحاول أخد نفسي بالعافية، ضلوعي المكسورة كانت بتخلّي كل نَفَس يدخل صدري زي نار بتكويني، غير وجع كتفي اللي أمي ضغطت عليه ببشاعة من غير ما يرف لها جفن. بلعت ريقي بصعوبة وهزيت راسي لورا على المخدة وقلت بصوت مشحون بالدموع مكتوم:
— مافيش.. ألم شديد بس جه فجأة، أنا كويسة دلوقتي.
الممرضة بصت لجهاز القلب، وظبطت محلول المحافظة على الضغط، وقالت وهي بتهديني:
— ما تتكلميش كتير، ولا تتصبي بالتوتر ده، الضغط عندك عالي جدًا وده خطر على جرح الكتف والارتجاج. أنا هسكنلك الألم شوية، وناصحة ليكي اهدى خالص.
أول ما خرجت وقفلت الباب وراها، الأوضة رجعت للسكون المرعب تاني. صوت أجهزة العناية الـ”بيب.. بيب” المنتظم كان هو الصوت الوحيد، ومعه صوت أفكاري اللي كانت بتغلي زي البركان. مسكت الموبايل بإيدي اليمين السليمة اللي كانت بترتعش، مش من الخوف، لكن من قمة الصدمة والوجع. الفيديو كان لسه شغال على شاشة الموبايل، واضح بنقاء شديد.. صوت كريم وهو بيزعق ويخطف المفتاح، صوته وهو بيضحك باستهتار على الطريق، ووشه البشع وهو بيفك الحزام وبيفتح الباب عشان يرمي نفسه ويسيبني لمصيري.
اللقطة دي بالذات كانت كفيلة إنها تمحي أي طرة رحمة أو حنية كانت فاضلة في قلبي ناحية أمي. “لو إنتِ فعلًا بنتي.. هتضحي عشانه”؟ الكلمة دي كانت بتتردد في ودني زي صدى صوت محفور في بئر مهجور. إنتِ مش أُم، إنتِ بعتيني عشان ترضي راجل وابنه!
بعد حوالي ربع ساعة، الباب اتفتح بالراحة. ما كانتش الممرضة، ولا كانت أمي.. كان الظابط ومعاه أمين شرطة شايل دفتر التحقيقات، وجنبهم واقف الدكتور المتابع لحالتي. الظابط كان ملامحه جادة، راجل في الأربعينات، عينيه حادة ومركزة.
الدكتور قرب من سريري وقال بهدوء:
— يا سارة، ده حضرة الظابط حازم من محضر حادثة طريق العين السخنة. هو محتاج ياخد أقوالك المبدئية لو حاسة إنك قادرة تتكلمي، لو تعبانة ممكن نأجل.
بصيت للظابط، وقبل ما أنطق كلمة واحدة، الباب اتفتح على آخره ودخلت أمي “نادية” ومعاها “عادل” جوزها. أمي كانت حاطة وش المظلومة، وعينيها فيها دموع مجهزة للتمثيل، لكن عينيا لمحت النظرة التهديدية اللي وجهتهالي بسرعة من تحت لتحت قبل ما تقرب من السرير وتاخد نفس عميق.
عادل وقف وراها، ملامحه كانت متوترة جدًا، عينيه بترف وتلف في الأوضة، وواضح عليه القلق المرعب إن ابن صايع ومجرم يلبس ق\ضية حادثة وتلفيق وإتلاف وشروع في قتل.
أمي قربت مني وقالت بصوت متمسكن قدام الظابط:
— سلامتك يا حبيبتي.. الحمد لله إن ربنا نجاكي، أنا كنت بره بتكلم مع الدكتور والحمد لله اطمنت عليكي.
الظابط حازم بص لأمي وعادل بنظرة حازمة وقال:
— لو سمحتم، اتفضلوا استنوا بره عقبال ما نخلص المحضر مع الأستاذة سارة، المريض محتاج هدوء وما ينفعش زحمة في العناية.
عادل اتكلم بسرعة وبنبرة فيها اندفاع مفضوح:
— يا باشا إحنا أهاليها، وبعدين هي لسه مفيقة من الارتجاج ومش مركزة كويس، إحنا معاها عشان نساعدها تفتكر اللي حصل بدقة.. هي اللي كانت سايقة العربية وحصل معاها اختلال في عجلة القيادة بسبب المطر!
الظابط حازم بصله بحدة ورفع حاجبه:
— أستاذ عادل، أنا بسأل المجني عليها والمصابة، إنت ما كنتش موجود في العربية وقت الحادثة، اتفضلوا بره لو سمحتم عشان أعرف آخد الأقوال القانونية مظبوط.
أمي اتوترت، وجت تحط إيدها على رجلي من تحت الغطا وتضغط بالراحة كنوع من التذكير والتهديد المباشر، لكن أنا سحبت رجلي بسرعة وبصيت للظابط وقلت بصوت واضح رغم إنه مجهد:
— خليهم يخرجوا يا حضرة الظابط.. أنا قادرة أتكلم، ومش عايزة حد معايا في الأوضة غير حضرتك والدكتور.
وش أمي اتغير تمامًا، الألوان اتخطفت من وشها، وبصتلي بصة مليانة غضب وغل وكأنها بتقولي “إنتِ بتعملي إيه؟”. وعادل فرك إيده بعصبية لكن ما قدرش يعارض كلام الظابط اللي شاورلهم على الباب بصرامة:
— اتفضلوا بره.
خرجوا وقفلوا الباب. الظابط سحب كرسي وقعد جنب السرير، فتح دفتره وبصلي باهتمام:
— اتفضلي يا سارة، أحكيلي بالظبط إيه اللي حصل على طريق السخنة، ومين اللي كان سايق العربية الدودج التشالنجر وقت وقوع الحادثة؟
اللحظة دي كانت هي الفاصلة. لو طاوعت أمي وقلت أنا اللي كنت سايقة، هلبس ق\ضية قيادة بدون حذر، وإتلاف للممتلكات، وهتحمل تعويضات الحادثة غير القسط اللي لسه بدفعه لعربية أبويا اللي بقت خردة، وكريم هيطلع منها زيه زي الشعرة من العجين، ويرجع يركب موتوسيكلات ويشرب ويمارس بلطجته.. وأمي هتفضل شايفاني الخدامة اللي بتضحي عشان راحتها.
أما لو قولت الحقيقة.. هبدأ حرب مع أمي وجوزها، حرب مش هتبقى سهلة أبدًا.
خدت نفس عميق، البكاء والضعف اختفوا من عيني، وحلت محلهم قسوة ما كنتش أعرف إنها جوايا.
قلت للظابط بثبات:
— اللي كان سايق العربية مش أنا يا حضرة الظابط.
الظابط كتب بسرعة في الدفتر ورفع راسه:
— أومال مين اللي كان سايق؟
— اللي كان سايق هو “كريم عادل”، ابن جوز أمي. هو اللي خطف مني مفتاح العربية بالقوة وأنا واقفة قدام المطعم في العين السخنة، وركب بالسيف ورغم إني رفضت وأمي وجوزه كانوا واقفين وشايفين كل حاجة. كريم ما حيلتوش رخصة، ورخصته أصلًا متسحوبة في ق\ضية سواقة تحت تأثير الكحول، وكان شارب ليلتها وبيسوق بسرعة جنونية وسط المطر.
الظابط سجل كل كلمة بدهشة، وسألني:
— ولما العربية فقدت السيطرة، إيه اللي حصل؟
دموعي نزلت غصب عني وأنا بفتكر الخيانة:
— لما حس إن العربية هتخبط في الحاجز الخرساني.. فك حزام الأمان، فتح باب السواق، ونط من العربية وهي ماشية على سرعة عالية عشان ينفذ بجلده، وسابني محبوسة جوه كراكيب حديد بتتحطم!
الظابط حازم اتعدل في قعدته ونظراته بقت أكثر جدية:
— كلامك ده خطير جدًا يا سارة، ده يدخله في قضايا قيادة بدون رخصة، وتعريض حياة مواطن للخطر، وشروع في قتل، والهروب من مكان الحادثة.. هل عندك أي دليل أو شهود يثبتوا إن كريم هو اللي كان سايق مش إنتِ؟ لأن والدتك وجوزها في أقوالهم المبدئية بره قالوا إنك إنتِ اللي أصريتي تسوقي!
ابتسمت بوجع ومرارة.. أمي شهدت ضد بنتها قبل ما التحقيق يبدأ حتى!
رفعت الموبايل بإيدي اللي بترتعش وشغلته، وظبطت الشاشة على الفيديو، ومديت إيدي بالهاتف للظابط حازم:
— ده الدليل يا فندم. كاميرا المراقبة الداخلية اللي أنا مركبها في عربيتي بالسر.. الكاميرا مسجلة كل حاجة بالصوت والصورة، من أول ما كريم خطف المفتاح، لحد ما نط من العربية وسابني أموت.
الظابط حازم أخد الموبايل مني، وبدأ يتفرج على الفيديو. وجهه كان بيتغير لحظة بلحظة وهو بيشوف تفاصيل التسجيل.. الصوت كان واضح، وصورة كريم وهو بياخد المفتاح وبيضحك باستهتار، وبعدها تفاصيل الرعب على الطريق، وأخيرًا لحظة قفزه من الباب وسيبانه ليا في العربية اللي بتتمرجح على الطريق.
الظابط بص للدكتور اللي كان واقف ومصدوم هو كمان من اللي بيسمعه ويشوفه، وبعدين بصلي وقال بنبرة مليانة احترام وصرامة قانونية:
— الفيديو ده حرز قاطع في الق\ضية يا سارة. الفيديو ده يودي كريم في داهية، ويثبت كذب كل الأقوال اللي اتقالت بره.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط عالي على باب الأوضة، وبعدها الباب اتفتح وفجأة دخلت أمي ومعاها عادل، والظاهر إنهم ما قدروش يصبروا بره أكتر من كده بعد ما حسوا إن الوقت طول.
أمي بصت للموبايل اللي في إيد الظابط، وبعدين بصتلي بعيون مرعوبة وقالت بصوت متوتر:
— في إيه يا حضرة الظابط؟ سارة قالتلك إيه؟ هي أكيد مش مركزة من الأدوية والارتجاج!
الظابط حازم قام وقف بصلابة، وحط الموبايل في جيبه، وبص لأمي وعادل بنظرة حادة زي السيف وقال بصوت هز الأوضة كلها:
— أستاذة نادية.. الأستاذة سارة مركزة كويس جداً، وأقوالها اتسجلت بالكامل، ومعانا فيديو توثيقي مصور من جوه العربية بيكشف كل اللي حصل بالظبط، ومين اللي كان سايق ومين اللي جرى ونط وسابها!
عادل وشّه اصفرّ وبقى زي الج\ثة، ورجع خطوة لورا وهو بيبص لأمي بذهول.
أما أمي، فبصتلي بنظرة كلها غضب وحقد مش طبيعي، وقربت من السرير وهي بتصرخ بصوت واطي ومكتوم:
— إنتِ عملتي إيه يا سارة؟! إنتِ دمرتي البيت! إنتِ بعتي أمك عشان شوية حديد وفيديو؟!
بصيت لأمي في عينيها مباشرة، ولأول مرة في حياتي ما خفتش منها، ولا حسيت بضعف قدام كلامها. مسحت الدمعة اللي كانت على خدي وقلت بصوت هادي وقاسي:
— أنا ما بعتش حد يا أمي.. إنتِ اللي بعتيني من زمان، والنهاردة إنتِ قبضتي التمن. كريم هو اللي هيتحاسب، وكل واحد عمل حاجة هيتدفع تمنها بالقانون!
أمي رفعت إيدها وكانت على وشك إنها تمد إيدها عليّا وهي بتصرخ، لكن الظابط حازم اتدخل بسرعة ووقف بيني وبينها وزقها لورا بصرامة:
— الزمي حدودك يا ست إنتِ! إحنا في مستشفى وفي تحريات رسمية! أي محاولة للضغط على الشاهدة أو التعدي عليها هعتبرها محاولة إعاقة للعدالة وهقبض عليكي فوراً!
عادل مسك إيد أمي وبيحاول يشدها بره الأوضة وهو بيتكتك من الخوف:
— يلا يا نادية.. يلا نخرج من هنا دلوقتي!
أمي وهي بتتسحب لبره بعنف من الظابط وعادل، بصتلي من عند الباب بعيون مليانة شر وقالت وهي بتهددني بصوت هزيل:
— مش هسيبك يا سارة.. قسماً بالله ما هسيبك، وإنتِ من النهاردة مالكيش أم، ولا ليكي بيت ترجعي له!
الباب اتقفل في وشها، ورجع الهدوء للأوضة تاني.
الظابط حازم بصلّي وقال بهدوء:
— ما تخافيش من أي تهديد يا سارة، أنا هحط حراسة على الأوضة هنا لحد ما تتنقلي لغرفة عادية، والتسجيل ده هيتحول للنيابة فوراً مع المحضر، وكريم هيتقبض عليه خلال ساعات لأن تصرفه قانونياً يتصنف جري\مـة كاملة.
غمضت عيني وستندت براسي على المخدة. كنت حاسة بجسمي كله بيترعش من التعب والألم، لكن جوايا كان في شعور غريب بالراحة والحرية لأول مرة من سنين. البيت اللي أبويا سابهولي اتسرق، والعربية اللي بناها بإيده اتدمرت، وأمي اللي كان المفروض تحميني باعتني.. بس أنا ما انكسرتش.
لكن الأحداث ما انتهتش عند النقطة دي..
بعد ساعتين بس، وأنا نايمة تحت تأثير المسكنات، صحيت على صوت همس وشوشة جنب باب الأوضة بره. الصوت كان جاي من الممر، وصوت حرس الشرطة وهو بيتكلم مع حد بلغة حادة.
فتحت عيني بالراحة، ولقيت الباب بيتفتح حتة صغيرة.. وظهر منه وش كريم!
كريم كان واقف بره، وشه فيه جروح وكدمات من أثر نطته من العربية، لكن عينيه كانت مليانة غضب وشر مش طبيعي وهو بيبصلي من فتحة الباب المواربة، وشاورلي بإيده على رقبته بتهديد واضح قبل ما العسكري يزقه ويبعده عن الأوضة بسرعة.
عرفت وقتها إن الحرب الحقيقية يلا دوبها بدأت.. وإن كريم وأمي وعادل مش هيسيبوني أعدي باللي عملته بسلام!