حماتي استدعت
حماتي استدعت الشرطة العسكرية علشان تقبض عليّ في حفلة رسمية للجيش لكن بطاقة هويتي خلت قاعة كاملة من الضباط تقف فجأة في صمت تام.
حتى اللواء سكت عن الكلام.
وفي اللحظة اللي جوزي اكتشف فيها أنا مين بجد؟
وشّه بقى شاحب كأنه شاف كابوس.
قاعة الحفل في معسكر النصر في القاهرة الجديدة كانت شبه مشهد من فيلم سياسينجف كريستال منور فوق، نياشين بتلمع تحت إضاءة ذهبية هادية، وضباط بالزي الرسمي بيتحركوا وسط الناس بابتسامات محسوبة بعناية.
كل حاجة كانت مثالية.
إلا الطاولة رقم تسعة.
لأن الكرسي بتاعي اختفى.
وقفت جنب الطاولة بفستان أسود أنيق، ماسكة شنطتي الصغيرة وببص للمكان الفاضي اللي كان المفروض يبقى فيه اسمي.
جوزي لاحظ فورًا.
سارة قالها بصوت واطي.
الرائد كريم المنصوري كان باين عليه التوتر بشكل غريب. طويل، ملامحه حادة، صاحب سمعة ممتازةالنوع اللي الناس بتحترمه من قبل حتى ما يتكلم.
لكن جنب أمه؟
كان بيبان زي طفل عنده 12 سنة.
مدام نجلاء المنصوري كانت قاعدة في نص الطاولة، لابسة فستان أخضر زمردي ولؤلؤ، وبتبتسم وكأنها ملكة بتتفرج على مملكتها.
يا خسارة، قالت بنعومة. واضح إن حصل لخبطة في ترتيب الأماكن.
قصادها كانت قاعدة ياسمين عبد الرحمنبنت اللواء عبد الرحمن، ضيفة الشرف الليلة. شعرها الأشقر متظبط، وقفتها مثالية، والمجوهرات الغالية بتلمع مع كل حركة.
الزوجة المثالية لأي ضابط.
على الأقل في نظر نجلاء.
كان فيه كارت باسم ياسمين.
وكارت باسم كريم.
وكارت باسم نجلاء.
أما اسمي؟
اتشال.
نادل قريب وقف متوتر وهو شايل صينية شامبانيا.
كريم تنحنح وقال ماما سارة هتقعد فين؟
نجلاء بصت له بهدوء افتكرت إنها تقعد مع زوجات المدنيين في القاعة الجانبية. الطاولة دي مخصصة للعيلة وضيوف
القيادة.
الهمسات حواليّ بدأت تهدى.
مش سكتت تمامًا.
بس كفاية إن الكل يسمع الإهانة.
وكفاية إنهم يستنوا ردي.
وش كريم احمر ماما
وبس.
ما قالش دي مراتي.
ولا رجعي مكانها.
بس قال ماما.
كأنه مكسوف مش غاضب.
حطيت شنطتي على الطاولة بهدوء.
ابتسامة نجلاء اتشدت شوية.
سارة، قالت بصوت واطي، من فضلك ما تعمليش مشكلة الليلة.
ابتسمت بهدوء يبقى ما تخلقيش واحدة.
ياسمين بصت بينا وهي شبه مستمتعة بالموقف.
كريم حط إيده بخفة على دراعي، كأنه بيحاول يبعدني قبل ما أمه تكبر الموضوع.
الحركة الصغيرة دي وجعتني أكتر من الإهانة نفسها.
خصوصًا بعد اللي قاله لي في الجراج من نص ساعة.
ممكن ما تفتحيش سيرة شغلك القديم في الحكومة الليلة؟ قال بحذر. ماما بتتوتر من موضوع الرتب.
شغلي القديم.
هو ده الوصف اللي اختاره ل سنة عمليات سرية.
مهمتين خارج البلاد.
وعملية إنقاذ في سوريا كانت هتقتلني.
والجرح اللي تحت ضلوعي ولسه بيوجعني لما الجو يتغير.
ضحكت وقتها.
مش عشان الموضوع مضحك.
لكن عشان لو ما ضحكتش كنت هقوله حاجات هو مش مستعد يسمعها.
نجلاء رجعت في كرسيها بثقة.
كريم، قالت بسلاسة، ليه ما تاخدش ياسمين وتقفوا في استقبال الضيوف؟ اللواء كان بيسأل عليك.
ياسمين وقفت قبل ما يرد.
ولمست كمّه بخفة.
مش إيده.
ولا دراعه.
لمسة كفاية تقول أنا هنا.
لو سارة مش عندها مانع، قالت بابتسامة مهذبة.
الكل فهم قصدها.
بصيت لجوزي.
اتردد.
بص ليّ.
بص لياسمين.
بص لأمه.
مش هتأخر، قال بصوت واطي.
وسابني ومشي جنب واحدة تانية.
وأمه بتبص ليّ بانتصار واضح.
في اللحظة دي جوازي اتكسر فعليًا.
نجلاء المنصوري ما كانتش بتكرهني عشان أنا قليلة الأدب.
أنا عمري ما كنت كده.
هي كانت بتكرهني لأني مش مناسبة للصورة اللي رسمتها لمستقبل ابنها.
كريم كان المفروض يطلع أعلى.
يتجوز بنت من عيلة عسكرية كبيرة.
يبقى جزء من الطبقة اللي هي بتعشقها.
وأنا؟
كنت الزوجة الغلط.
وبعدين نجلاء ارتكبت الغلطة اللي دمرت كل حاجة.
نادِت على اتنين من الشرطة العسكرية.
الست دي مش من حقها تكون هنا، قالت بصوت عالي كفاية إن نص القاعة يسمع. عايزة يتم إخراجها فورًا.
القاعة سكتت.
الضباط قربوا بحذر.
يا فندم، قال أحدهم بأدب، هنحتاج نتأكد من هويتك.
هزيت راسي بهدوء وطلعت بطاقة من شنطتي.
بطاقة سوداء.
أديتها له.
أول ما شافها
وشه اتغير فورًا.
اللون اختفى من ملامحه.
وقف باعتدال مفاجئ خلى زميله يتفاجئ.
وبعدها الاتنين رجعوا خطوة لورا في نفس اللحظة.
واحد ورا التاني
كل الضباط الكبار اللي حوالين الطاولة وقفوا على رجليهم.
الموسيقى وقفت.
اللواء عبد الرحمن بص ليّ بصدمة واضحة.
ابتسامة نجلاء اختفت تمامًا.
وبصوت شبه همس، الضابط قال
يا فندم إزاي ما اتبلغناش إن نائبة مدير العمليات سارة الشافعي هتحضر الحفلة الليلة؟
الصمت اللي سيطر على القاعة ماكانش صمت عادي
كان صمت خوف.
صمت إدراك إن في حاجة كبيرة جدًا حصلت.
كل العيون اتوجهت نحوي.
مش كضيفة
لكن كسلطة.
الضابطين اللي كانوا واقفين قدامي بقوا في وضع انتباه كامل، وواحد منهم قال بسرعة
نعتذر يا فندم ماكنّاش على علم بوجود حضرتك.
أنا ما ردتش فورًا.
كنت ببص ناحية الطاولة.
ناحية نجلاء المنصوري.
وشها كان اتغير بالكاملالثقة اختفت، وحل مكانها ارتباك واضح.
أما الكارثة الحقيقية
فكانت لسه جاية.
باب القاعة اتفتح فجأة.
وكل الرؤوس اتلفتت.
دخل كريم ومعاه ياسمين.
كان بيضحك على حاجة هي قالتها.
لكن ضحكته وقفت أول ما لاحظ إن القاعة كلها واقفة.
وإن الأنظار كلها متجهة ناحيتي أنا.
إيه اللي بيحصل؟ قالها بصوت مشوش.
حد من الضباط الكبار قرب منه وقال بهدوء حازم
حضرة الرائد الأفضل إنك تقف في مكانك.
كريم بص له باستغراب وبعدين بص ليّ.
اللحظة دي
أنا شفت فيها الحقيقة.
هو ماكنش عارف.
مش بس عن شغلي
لكن عني أنا.
سارة؟ نطق اسمي بتردد.
حد من الخلف قال بصوت منخفض لكنه مسموع
دي نائبة مدير العمليات الخاصة.
الكلمة وقعت عليه زي صدمة.
وشه شحب فورًا.
نفس الشحوب اللي بييجي للناس لما يفهموا إنهم ارتكبوا غلطة كبيرة ومفيش رجوع.
ياسمين سحبت إيدها من على كمّه بسرعة، وكأنها لمست حاجة محرجة.
إحنا كنا بنهزر بس، صح؟ قالتها وهي بتحاول تبتسم.
ولا حد رد.
اللواء عبد الرحمن بنفسه اتحرك ناحيتي.
وقف قدامي وبصلي باحترام واضح.
كان لازم يتم إبلاغنا بحضورك يا فندم.
قلت بهدوء
أنا جيت بدعوة عائلية مش رسمية.
كريم قرب خطوة.
دعوة عائلية؟ كررها وهو بيبص بيني وبين أمه.
وهنا
كل الأنظار راحت ل نجلاء.
هي حاولت تتكلم.
أنا ماكنتش أعرف
لكن صوتها خانها.
ولأول مرة
ماكانش عندها السيطرة.
أنا أخدت نفس هادي وبعدين قلت
الغريب إنك كنتِ واثقة جدًا إني مش المفروض أكون هنا.
الكلمات كانت هادية
لكن وقعت زي صفعة.
كريم بص لأمه بصدمة حقيقية.
إنتِ عملتي إيه؟
ما ردتش.
لأنها عارفة.
أي كلمة هتقولها هتغرقها أكتر.
الضابط اللي كان ماسك بطاقتي رجعها ليّ باحترام شديد.
أوامر حضرتك يا فندم؟
سؤال بسيط
لكن معناه كبير.
لأن في اللحظة دي
أنا بقيت صاحبة القرار.
القاعة كلها مستنية.
اللواء واقف.
الضباط واقفين.
حتى الفرقة الموسيقية واقفة.
والكل مستني أشوف هعمل إيه.
بصيت حواليا ببطء
لحد ما عيني وقعت على الكرسي الفاضي بتاعي.
مكان بسيط
اتشال عشان يقلل مني.
رجعت بصيت لنجلاء.
وبهدوء شديد قلت
أنا مش محتاجة حد يخرجني من مكان أنا أستحق أكون فيه.
سكت شوية
وبعدين كملت
لكن واضح إن في ناس محتاجة تتعلم إزاي تحترم الآخرين قبل ما تتكلم عن المكانة.
كريم نزل عينيه في الأرض.
مش قادر يبص
لمحة نيوز