سر الاب الغائب ج1 منى السيد

وواحد يقول إن أبو الأطفال شخص مجهول.

وغيره كان يقول كلام أسوأ من كده.

أمي كانت كل ما تنزل السوق تسمع كلام يوجعها، فترجع البيت ساكتة.

وأبويا كان كل ما حد يلمح بكلمة على أولاده، يرجع البيت متعصب، لكن عمره ما سمح لحد يقرب منهم.

كبر آدم وعمر ويوسف وملك وسط حب جديهم.

ما كانش عندهم أب، لكن كان عندهم جد عمره ما اتأخر عنهم في حاجة، وجدة كانت بتسهر جنبهم وقت المرض وتفرح بأول كلمة وأول خطوة وأول يوم مدرسة.

ومع مرور السنين، بدأت أسئلتهم تكبر معاهم.

—يا ماما، بابا فين؟

كنت أغير الموضوع.

—يا ماما، هو إحنا ليه مش زينا زي باقي الناس؟

كنت أبتسم رغم وجعي.

—إنتوا عندكم جدكم وجدّتكم… وده أهم من أي حاجة.

لكن السؤال اللي كنت أخاف منه فضل يطاردني.

مين أبوهم؟

وكنت عارفة إن اليوم اللي هضطر فيه أقول الحقيقة قرب.

لأن بعد سبعتاشر سنة بالضبط…

وفي يوم كنت فاكرة إن الماضي خلاص اتدفن…

اتفتح باب بيتنا، ودخل رجل شاحب، ماسك ملف طبي قديم في إيده.

وأول ما شوفته، قلبي وقف.

كان أحمد.

الرجل اللي قالوا لأولادي إنه هرب وسابهم.

الرجل اللي أنا نفسي كنت فاكرة إني مش هشوفه تاني.

لكنه ماجاش لوحده.

كان معاه ملف من مستشفى حكومي، وتقارير طبية من سبعتاشر سنة فاتوا.

وبص لي في عيني وقال جملة واحدة:

—أنا ما سبتكيش يا مريم… أنا كنت فاكر إني هموت.

وفي اللحظة دي، عرفت إن السر اللي خبّيته سبعتاشر سنة…

كان أكبر بكتير من مجرد اختفاء أب من حياة أولاده.

الجزء الثاني في التعليقات…

وقفت في نص الصالة، وشريط السبعتاشر سنة كله بيعدي قدام عينيا في ثواني.
أولادي الأربعة كانوا متجمعين حولين ترابيزة الأكل، آدم بملامحه الحادة اللي شبه جده محمود، وعمر ويوسف واقفين جنبه بفضول وذهول، وملك الصغيرة، اللي بقت آنسة خلاص، ماسكة في دراعي وبتترعش. أبويا محمود، اللي شعره ابيض تمامًا وانهد حيله من الشقا، قام من كرسيه وهو بيترعش من الغضب، وأمي سعاد حطت إيدها على قلبها وقعدت تبص للراجل اللي واقف عند الباب ومش مصدقة.
أحمد… الراجل اللي مسحت اسمه من حياتنا، واقف قدامنا وهو هدومه بسيطة، جسمه مهزول، ووشه شاحب كأنه طالع من القبر، وفي إيده ملف أوراق أصفر ومتهالك من كتر الشيل والحط.
— إنت ليك عين تيجي هنا؟!
صرخ أبويا محمود وصوته كان بيرن في شقتنا الصغيرة في الكيت كات، وصابعه بيشاور على الباب:
— أخرج بره! سبعتاشر سنة جايلنا بعد ما العيال كبروا وبقوا طول الباب؟ جايلنا بعد ما أكلنا التراب عشان نكبرهم ونستر أختك؟ أخرج بدل ما أقسم بالله ألم عليك المنطقة كلها!
أحمد ما تحركش من مكانه، ولا رفع عينه يتحدى أبويا. بالعكس، وشه كان مليان كسرة ووجع، ونزل رأسه للground وهو بيحط الملف على الترابيزة اللي في نص الصالة.
— اضربني يا عم محمود… قطّعني لو عايز. أنا عارف إن ماليش عين أقف قدامك، وعارف إنك شلت حمل جبال أنا اللي كنت مفروض أشيله. بس والله العظيم ما هربت… والله العظيم أنا ما سيبت مريم وأنا عارف إنها حامل!
آدم قدم خطوة لجامد، وكان صوته جاف، مليان الغضب اللي تربى جوة قلبه طوال السنين دي وهو بيسمع كلام الناس في الشارع:
— إنت مين أصلاً؟ ومين سمح لك تخش بيتنا وتتكلم بالطريقة دي؟ إحنا مالناش أب… أبويا وأمي هي الست دي، وأبونا هو الراجل العجوز اللي واقف قدامك! إنت جاي دلوقتي ليه؟ عايزه يفيد بإيه ظهورك بعد ما كبرنا وبقينا نعتمد على نفسنا؟
الكلام كان زي الس\كين في قلب أحمد، شفت دموعه بتنزل بسكوت، وبص لآدم وبعدين لعمر ويوسف وملك… عينيه كانت بتاكل ملامحهم، كأنه بيحاول يعوض سبعتاشر سنة حرمانه في ثانية واحدة.
أنا قربت من الترابيزة، إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها للملف الأصفر. بصيت لأحمد وسألته بصوت مكتوم:
— كنت فين يا أحمد؟ كل السنين دي… كنت فين؟ وليه الأوراق دي؟ ليه المستشفى؟
أحمد قعد على أقرب كرسي كأن حيله اتهد، وبدأ يتكلم وصوته كان مبشوح، كأنه ما اتكلمش من سنين:
— يوم ما اختفيت يا مريم… من سبعتاشر سنة… الدنيا اسودت في وشي. أنا كنت سواق تاكسي غلبان، مالياش حد في الدنيا غيركم، وكنت بجمع الجنيه على الجنيه عشان أجي أطلب إيدك من عمي محمود بشرف وأمانة. بس قبل ما أعمل كده بشهر… جالي تعب مفاجئ.
سكت أحمد، وأمي سعاد قربت خطوة وهي بتسمع بذهول، وأبويا يده نزلت بالتدريج بس لسه ملامحه قاسية.
كمل أحمد وهو بيشاور على الملف اللي قدامي:
— جالي مغص شديد وسخونية ما بتهداش، ولما أغمى عليا في التاكسي، الناس نقلوني مستشفى القصر العيني. هناك عملوا لي تحاليل وإشاعات… وبعد أسبوع دكاترة كتير اتجمعوا حولي. الدكتور الكبير قال لي جملة واحدة طيرت عقلي: “إنت عندك tumour (ورم) خبيث في المخ وفي المرحلة الأخيرة، والعملية نسبة نجاحها مش محصلة خمسة في المية، وحتى لو نجحت هتطلع مشلول أو فاقد الذاكرة… قدامك شهور قليلة.”
أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، وأنا حسيت الأرض بتميل بيا.
كمل أحمد والدموع نازلة على خده:
— الدنيا اتسدت في وشي. قلت لنفسي أروح لعمي محمود أقوله إيه؟ أروح لمريم أقولها إني بتموت وهسيبها أرملة وهي لسه صغيرة؟ ما كنتش أعرف إنها حامل… والله العظيم ما كنت اعرف! كل اللي جه في بالي إني أختفي… أبعد بعيد عشان مريم تنساني وتشوف حياتها مع حد أحسن مني يعيش معاها وما يعذبهاش معاه في المستشفيات وأنا بشوف نفسي بتموت بالبطيء.
آدم كان واقف بيسمع، ملامحه بدأت تتغير من الغضب الشديد للذهول، وعمر ويوسف قربوا أكتر من الترابيزة.
أحمد فتح الملف بإيده اللي بتترعش وطلع منه أوراق صفراء قديمة عليها أختام مستشفى حكومي:
— سبت الأوضة، وسافرت عند واحد صاحبي قديم في الصعيد… قعدت هناك أستنى الموت. كل يوم أقول بكرة هصحى ألقى نفسي مت… يوم ورا يوم، شهر ورا شهر… العد التنازلي كان شغال في عقلي. بس الموت ما جاش! بعد سنة، الوجع بدأ يقل، ولما رحت عملت فحوصات تاني في جمعية خيرية هناك… الدكاترة اكتشفوا إن التشخيص الأولاني كان غلط تمامًا! ما كانش ورم خبيث… كان كيس طفيلي نادِر على المخ هو اللي عامل كل الأعراض دي، ومع الوقت والعلاج البسيط اللي أخدته ضمور واختفى!
أنا مسكت الأوراق، وبدأت أقرأ التقارير الطبية. التاريخ فعلاً كان من سبعتاشر سنة… التقرير الأولاني بتشخيص خطأ بورم خبيث في المخ، والتقرير التاني بعد سنتين بيبين إن الحالة خفت تمامًا وأن التشخيص الأول كان غلطة طبية كبرى.
— ولما عرفت إنك مش بتموت… ليه ما رجعتش؟
سألته بصوت يادوب طالع، والدموع مغرقة وشي:
— ليه سبتنا سبعتاشر سنة يا أحمد؟ ليه سبتني أواجه الدنيا لوحدي؟ ليه سبت أبويا يشيل همي وهم عيالي والأرض تشرب من دموعنا كل ليلة؟ ليه سبت الناس تأكل في وشنا وتتكلم في شرفي وأنت عايش؟!
أحمد غطى وشه بإيديه وبكى بصوت عالٍ، بكاء راجل مكسور من جوا:
— لما رجعت القاهرة بعد سنتين عشان أدوّر عليكِ وأفهمك كل حاجة… شفتك من بعيد. شفتك ماشية في الشارع ووراكي عمي محمود شايل عيلين، وأمي سعاد شايلة عيلين… عرفت إنك ولدتي، وعرفت إنهم أربع توائم! وسألت عنك في المنطقة من غير ما حد يحس… عرفت إن الناس كلو وشكم، وأن عمي محمود كتب الولاد باسمك إنتِ عشان ما يوصلش ليا… وعرفت إن الكل فاكرني هربت وسيبتك وأنتِ حامل.
وقف أحمد وبص لأبويا محمود وهو بيترعش:
— خفت يا عم محمود… خفت أظهر! قلت لو ظهرت دلوقتي، مين هيصدقني؟ هيقولوا عليّ نذل وهرب ولما لقيت الحمل أربعة خفت ورجعت لما العيال كبروا شويه! مين كان هيصدق إن دكتور في مستشفى حكومي كتب تقرير غلط ودمر حياتي؟ خفت أجي أهد اللي بنيتوه… خفت مريم تكرهني أكتر… وخفت الولاد لما يكبروا يبصوا لي بصلة كره.
يوسف، اللي كان ساكت طول الوقت، قرب منه وسأله بصوت مرتعش:
— وطالما خفت كل ده… جاي دلوقتي ليه؟ إيه اللي اتغير النهاردة؟
أحمد رفع رأسه وبص للعيال الأربعة، عينيه كانت كلها وجع وأمل ضعيف:
— جيت عشان خلاص ما بقاش في وقت… وجيت أقول الحقيقة مش عشان تسامحوني، أنا عارف إن الذنب ده هيفضل طوق في رقبتي لحد ما أقابل ربنا. بس جيت عشان أسلّمكم الأمانة دي… وعشان تعرفوا إن أمكم طاهرة، وأن أبوكم ما كانش خاين ولا ديوث ولا هرب عشان خايف من الفقر… أبوكم كان ضحية غلطة، وسابكم وهو فاكر إنه بيحميكوا من وجع موته.
أحمد حط إيده في جيبه، وطلع مظروف تاني أبيض، وحطه جنب الملف الطبي على الترابيزة.
— ده عقد الأرض والمحل اللي حيلتي في الصعيد… كتبت كل حاجة باسم الأربعة: آدم، وعمر، ويوسف، وملك. أنا ما معاييش غيرهم… ودي أقل حاجة أقدمها ليكم قبل ما أمشي وما تشوفوش وشي تاني أبداً لو ده يريحكم.
السكوت خيم على الصالة… سكوت تقيل لدرجة إن صوت أنفاسنا كان مسموع.
أبويا محمود بص للملف الطبي، وبص لأحمد، ودمعة نزلت من عين الراجل العجوز اللي قضى سبعتاشر سنة شايل الهم ده كله على كتافه.
ملك قربت مني ومسكت فيا أكتر، وآدم كان بيبص بيني وبين أحمد والمظروف الأبيض اللي على الترابيزة…
وفجأة، اتسمع خبط جامد وعنيف على باب الشقة!
خبط متواصل كأن حد عايز يكسر الباب… وصوت من بره الشارع بدأ يعلى ويصرخ باسم أحمد وباسم أبويا!

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *