سر الاب الغائب ج1 منى السيد
وسكتت.
سألتها وأنا مرعوبة:
—في إيه يا دكتورة؟
الدكتورة أخدت نفس طويل وقالت:
—الحمل مش بطفل واحد.
أمي قربت منها:
—يعني إيه؟
قالت بهدوء:
—أربع أطفال.
أمي حطت إيدها على بقها، وقعدت على الكرسي وهي مش مصدقة.
أما أنا، ففضلت باصة للسقف ومش عارفة أفرح ولا أخاف.
بعدها أبويا سأل الدكتورة:
—طب ينفع ننزل الحمل؟
لكن الدكتورة هزت راسها بسرعة.
—الحالة خطرة جدًا. عندها أنيميا شديدة، والأجنة الأربعة وضعهم حساس، وأي تدخل ممكن يسبب نزيف شديد ويعرض حياتها للخطر. لازم الحمل يكمل تحت متابعة مستمرة.
من اليوم ده، أبويا ما ضربنيش تاني.
لكن صمته كان أوجع من الضرب.
ما بقاش يسألني مين أبو الأطفال.
بس في نفس الوقت، ما سابنيش لوحدي.
أخذ إجازة من شغله فترة، وصرف كل اللي كان محوشه على العلاج والأكل والكشوفات.
وأمي باعت الدبلة والدهب الوحيد اللي كان معاها، وبدأت تخيط لحد الفجر عشان توفر فلوس للولادة.
وفي الشهر السابع، وأنا في نص الليل، نزلت المية فجأة.
أمي صرخت:
—محمود! الحقني… البنت بتولد!
أبويا نزل يجري يجيب عربية، وخدوني المستشفى.
دخلت غرفة العمليات، وبعد ساعات طويلة من الرعب، خرجت الدكتورة وقالت:
—الحمد لله… الأربعة عايشين.
أربعة أطفال.
أولهم كان آدم، وبعده عمر، ثم يوسف، وأخيرًا بنت صغيرة أسميناها ملك.
كانوا صغيرين جدًا لدرجة إن الواحد منهم كان يكاد يختفي بين إيدين الممرضة.
دخلوا الحضانات، وقعدوا أسابيع بين الأجهزة والأنابيب.
وأنا كنت كل يوم أقف ورا زجاج الحضانة وأبص لهم وأنا بعيط.
أما أبويا وأمي، فكانوا بيجروا بين المستشفى والصيدلية والبيت، ويستلفوا من القريب والغريب عشان يدفعوا مصاريف العلاج.
ولما خرجنا أخيرًا، أبويا راح بنفسه مصلحة الأحوال المدنية عشان يطلع شهادات الميلاد.
في خانة اسم الأب، كتب اسمي أنا بس.
وساب خانة الأب فاضية.
ولما رجع البيت، حط الأوراق قدامي وقال:
—من النهارده، أبوهم مش موجود. والراجل اللي سابك وإنتِ حامل في أربعة أطفال… اعتبريه مات.
بصيت له، لكني ما رديتش.
كنت أعرف إن أحمد ما سابنيش بإرادته.
وكنت أعرف إن وراء اختفائه سرًا أكبر بكتير من مجرد هروب.
لكن السر فضل جوايا.
سنين.
وفي منطقتنا، الكلام ما بيرحمش.
الناس بدأت تطلع روايات من عندها.
واحدة تقول إني اتعرفت على واحد غني.