عزومه الاخيره ج١ منى السيد
وبعدين…
قطعتها قدام ماما.
وشلتها من الظرف.
وحطيت مكانها ورقة تانية.
ورقة قانونية بتطالبهم بسداد المبلغ المستحق لي.
قفلت الظرف.
وكتبت عليه بقلم أحمر:
“بنت أصول.”
بعدين أخدت شنطتي وقلت:
— أنا ماشية.
ماما اتفاجئت.
— ماشية؟! دلوقتي؟ والناس موجودة!
بصيت لها وقلت:
— أيوه، دلوقتي.
ومشيت.
بعد حوالي أربع دقايق من ما ركبت عربيتي…
سمعت صوت باب البيت بيتفتح بعنف.
بصيت في المراية.
لقيت بابا بيجري ورا العربية.
كان حافي، وماسك الورقة في إيده.
— سارة! استني!
فضل يجري في الشارع وينادي باسمي قدام الجيران.
لكن أنا ما وقفتش.
ولا فتحت الشباك.
ولا حتى بصيت ورايا.
لأن الورقة اللي سبتها لهم كانت واضحة جدًا:
قدامهم ٣٠ يوم عشان يسددوا الـ٨٥٠ ألف جنيه بالكامل.
ولو ما دفعوش…
البيت اللي كانوا بيتكلموا عنه قدام الضيوف كأنه ملكهم…
ممكن يدخل في أزمة أكبر بكتير.
لكن اللي ما كانوش يعرفوه…
إن ورقة الدين دي ما كانتش أخطر حاجة في شنطتي.
لأن عندي مستند تاني، لو ظهر… مش بس مشروع كريم اللي هيقع.
الجزء الثاني
العربية كانت بتتحرك بيا في شوارع الشيخ زايد، وهوا الليل الساقع بيخبط في وشي من الشباك النص مفتوح. في المراية، شكل بابا وهو حافي وبيجري ورا العربية كان بيدوب واحدة واحدة لحد ما اختفى خالص في الضلمة. أيدي على الدركسيون كانت بتترعش، مش من الخوف، ولا من الزعل… كانت بتترعش منكمية الطاقة اللي محبوسة جوايا من سنين، وأخيرًا خرجت.
أنا مش سارة اللي بتطبطب.
أنا مش سارة اللي بتدفع وتسكت عشان “إحنا أهل”.
تليفوني على الكرسي اللي جنبي ما بطلش زن.
“ماما بتتصل”…
كراها..
“كريم أخويا بتتصل”…
وبعدها بشوية، رقم بابا.
سبت الموبايل يرن لحد ما الشاشة طفيت لوحدها. فتحت التابلوه، وبصيت على الفايل الأسرق اللي كان مستخبي تحت أوراق العربية. الفايل ده ما كانش فيه مجرد ورقة دين بـ٨٥٠ ألف جنيه. الفايل ده كان فيه “القنبلة” الحقيقية اللي تقدر تهد كل حاجة بناها كريم في سنين، وتمسح كبرياء داليا مراته من الوجود.
الموضوع بدأ من أسبوعين بس. لما كريم جه البيت وهو طاير من الفرحة وبيقول لماما إن رجال أعمال كبار دايرتهم قريبة من الشيخ زايد هيخشوا معاه شراكاء في الشركة الجديدة. كريم كان محتاج “سي في” مالي أبيض، وشيكات مقبولة الدفع، وورق يثبت إن البيت ملك خالص لبابا وماما عشان التمويل الأربعة مليون جنيه.
بس كريم عشان يبان أودام الشركاء إنه “رجل أعمال عبقري”، تزور توقيع بابا على عقود تنازل قديمة، ونقل ملكية أصول تانية تبع العيلة باسم شركته هو وداليا. والأنيل من كده؟ إن التمويل اللي رايح يطلبه من البنك مش هيخش في المشروع أصلاً! كريم كان مزنوق في ديون قمار وبورصة، وكان بياخد القرض عشان يغطي مصايبه القديمة، ويحط البيت تحت رحمة البنك!
بابا وماما ما كانوش يعرفوا. كانوا ماشيين وراه زاي العميان، مبهورين بالبدلة الشيك والعربية الأحدث موديل اللي مأجرها باليوم عشان يفشر بيها قدام الناس. وكانوا شايفين إن كريم هو “الفارس” اللي هيشيل العيلة، وأنا مجرد “الحصالة” اللي يلجأوا لها وقت الأزمة ويحطوها في البلكونة وقت الفرح.
وصلت شقتي. قفلت الباب ورايا، ورميت المفاتيح على الترابيزة.
القعدة كانت هادية، بعكس الملحمة اللي أكيد شغالين فيها دلوقتي في فيلا الشيخ زايد.
تخيلي الموقف بس:
ضيوف مهمين، رجال أعمال، ناس لابس ألماسات وكريستال… وبابا بيجري حافي في الشارع، وماما واقفة في الصالة ماسكة الظرف الأبيض اللي مكتوب عليه بالأحمر “بنت أصول” وفي إيدها إنذار بالسداد خلال ٣٠ يوم، أو الحجز القانوني على الفيلا!
الموبايل رن تاني. المرة دي كانت مسج من كريم على الواتساب:
“إنتي تجننتي يا سارة؟! إنتي فاكرة نفسك بتلعبي مع مين؟ الورقة اللي سبتيها دي هتبوظلي بيعة بمليون جنيه! بابا ضغطه عليّ وبيفطس جوه، وماما بتعيط! شيلي قرفك ده وتندمي، أنا مش هسكتلك!”
ابتسمت. كلمة “مش هسكتلك” دي كانت بتضحكني.
مسكت التليفون، وكتبتله رد قصير جدًا:
“الـ٨٥٠ ألف ينزلوا في حسابي خلال شهر، يا إما الفيلا هينزل عليها إعلان بيع بالمزاد العلني. وبالمناسبة… قول لداليا تشيل الشنطة من على الكرسي، عشان الكرسي ده هيبقى ملك البنك قريب.”
عملت بلوك لكريم.
وبعدها بـ٥ دقايق، الموبايل رن من رقم غريب.
رديت بهدوء:
— أيوة؟
جالي صوت ماما. كانت بتتكلم من تليفون الشغالة، وصوتها كان مخنوق بالدموع، بس مش دموع ندامة… دموع حد حاسس إن السيطرة هربت من إيده.
— سارة… إنتي بتعملي كده في أمك وأبوكي؟ عشان خاطر حتة دين مالوش لازمة؟ بتفضحينا قدام الضيوف والناس؟ كريم مراته بتقول إنك غيرانة منها ومن النجاح اللي هما فيه!
أتنهدت، وقعدت على الكنبة، ومسكت الفايل الأسرق في إيدي.
— غيرانة؟ غيرانة من إيه يا ماما؟ من الفراخ الساقعة اللي حطيتيهالي في طبق بلاستيك؟ ولا من القعدة في البلكونة وأنا دافعة ثمن الأكل اللي طافحينه جوه؟
ماما زعقت:
— إحنا بنعمل كل ده عشان نكبر أخوكي! الراجل لازم يبقى ليه شكل قدام الناس! إنتي بنت، بكرة تتجوزي وجوزك يشيلك، إنما أخوكي ده سندنا!
— سندكم؟ — ردت بصوت واطي بس يرعب — سندكم ده هو اللي هيكسركم يا أمي. كريم أخد توقيع بابا بالتدليس. كريم رايح ياخد تمويل بـ٤ مليون جنيه مش عشان مشروع… كريم مديون لبورصة غير شرعية وأشخاص مش تمام، ورايح يرهن البيت اللي حيلتكم عشان يغطي بلاويه!
السكوت حل على الناحية التانية من الخط.
ماما اتصدمت.
— إنتي… إنتي بتقولي إيه؟ كريم قالنا المشروع مضموم مع رجال أعمال كبار!
— كريم ضحك عليكم. والورقة اللي أنا سبتها دي مش أكتر من كارت أصفر. لو الفلوس ما رجعتش في الميعاد، الورقة الثانية اللي معايا في الفايل هتطلع للبنك وللنيابة… وهيبقوا مش بس هيخسروا البيت، ابنك “السند” هيقضي أحل سنين عمره ورا الشمس.
سمعت صوت بابا في الخلفية بياخد التليفون من ماما وهو بيلهث، صوته كان مكسور ومترجي:
— سارة… يا بنتي… تعالي البيت نتكلم. داليا لمّت حاجتها ومشيت زعلانة عشان اتكسفت قدام أهلها، والضيوف مشوا والبيت اتخرب. تعالي يا سارة يا بنتي نتفاهم، والله ما كنت أعرف إنهم هينزلوكي المطبخ ولا يحطولك أكل في البلكونة… ماما كانت فاكراكي مش فارقة معاكي.
كلمة “مش فارقة معاكي” دي نزلت عليا زي الس\كين.
يعني عشان أنا هادية ومستحملة، بقى عادي إنه يتداس عليا؟
— للأسف يا بابا، فارقة معايا جدًا. وأنا مش هجي البيت.
الميعاد مكتوب في الإنذار: ٣٠ يوم.
لو الفلوس ما دخلتش حسابي، الفيلا هتبقى تحت تحفظ المحكمة، وكريم يستعد عشان النيابة هتوصله أول الأسبوع.
بابا صرخ:
— سارة! استني يا سارة! إحنا أهلك!
قفلت السكة في وشه.
حطيت التليفون على الترابيزة وغمضت عيني.
البيت كان ساكت تمامًا، بس جوايا كان فيه صوت كسر كبير… صوت كل المشاعر اللي كانت باقية جوايا ناحيتهم وهي بتتفرفتك.
بس القصة ما خلصتش هنا.
ساعة زمن، ولقيت الباب بيتخبط بصوت عالي وورا بعضه. خبط مش طبيعي، خبط حد جاي يكسر الباب.
قمت وقفت بثبات، مشيت لحد الباب وبصيت من العين السحرية.
لقيت كريم واقف، وشه أحمر دم، هدومه متلخبطة، وعينيه فيها غل مش طبيعي. ووراه واقفة داليا مراته، لابة شال على راسها ومربعة إيدها وبتنفخ.
كريم كان بيزعق في الطابق كله:
— افتحي يا سارة! افتحي بدل ما أكسر الباب ده على دماغك! إنتي فاكرة نفسك مين عشان تهددينا وتقلبي البيت كابوس؟! افتحي يا زبالة!
فتحت الباب بسلسلة الأمان، وبصيتله من الفتحة الصغيرة بابتسامة باردة جداً.
— عايز إيه يا كريم؟ مش عيب رجل أعمال كبير زيّك يصرخ في العمارة كده؟
كريم هجم على الفتحة:
— هاتي المستندات اللي معاكي! ماما حكتلي على الهبل اللي قولتيهولها! إنتي فاكرة لما تتبلي عليا وتزوري ورق هتدخلينا في حيطة؟ أنا معايا محاميين يودوكي في داهية!
داليا اتدخلت بصوت عالي:
— قوليها يا كريم! قوليها إنها حاقدة عشان أنا أهلي ناس نظاف وقاعدين على السفرة وهي كانت ملطوشة في المطبخ! فاكرة لما تطلبي ٨٥٠ ألف جنيه هنبوس إيدك؟ البيت ده ملك بابا، ومكيش فيه قلامة ظفر!
ضحكت بصوت عالي. ضحكة خلقت وشوشهم تتغير من الغضب للشك.
فكيت سلسلة الأمان، وفتحت الباب على آخره.
وقفت قدامهم بثقة، ورفعت الفايل الأسرق في وش كريم.
— داليا… حبيبتي، الشنطة الماركة اللي كنتِ حاطاها على الكرسي دي؟ تمنها مدفوع من حساب البنك اللي كريم زوّر إمضاء بابا عليه.
وأنت يا كريم… المحامين بتوعك خليهم يحضروا من دلوقتي، لأن الورق اللي في الفايل ده مش صور… دي أصول العقود المزوّرة اللي أنت البارح بس بعتها للبنك عشان التمويل، والمدير المالي في البنك يبقى ابن عم صاحب عمري اللي جابلي النسخ قبل ما تخش السيستم.
كريم وشه اتخطف. ألوانه كلها راحت، وشفايفه بدأت اترعش.
— إنتي… إنتي جبتي الورق ده منين؟
— تؤ تؤ… السؤال مش منين. السؤال: أنت قدامك كام ساعة قبل ما البنك يبلغ النيابة بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال عامة بضمانات وهمية؟
داليا بصت لكريم بذهول:
— كريم… هو بتتكلم عن إيه؟ أنت مش قولتلي البيت باسمك خلاص ونقلت ملكيته؟
كريم ما قدرش يرد عليها. كان يبصلي بعينين فيها ترجي، كأنه بيشوف عزرائيل قدامه.
— سارة… ابوس إيدك… بلاش البنك. بابا ممكن يروح فيها لو عرف إن العقود متزورة… داليا مش هتمشي، بيتي هيتخرب!
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بثبات:
— أنت اللي خربت بيتك يوم ما فاكر إن فلوسي وأكلي وحياتي ملكك. ويوم ما خليت مراتك تحط شنطتها على الكرسي الوحيد اللي فاضي في بيت أبويا… ويوم ما أمي قدمتلي الأكل الساقع في البلكونة وقالتلي “خليكي بنت أصول”.
مسكت الباب، وبدأت أقفله بالراحة:
— أنا بنت أصول جدًا يا كريم… عشان كده هديتك فرصة. الـ٨٥٠ ألف ينزلوا في حسابي بكرة الصبح. والأوراق المزوّرة ترجع أصولها لبابا. غير كده… الظرف الأسرق ده هيروح للنيابة العامة الساعة ٩ الصبح.
كريم حط إيده على الباب وهو بيموت من الخوف:
— طب والـ٤ مليون بتوع التمويل؟! والمشروع؟! والشركاء اللي مستنيين بكرة؟!
ابتسمت ابتسامة أخيرًا قبل ما أرزع الباب في وشه:
— التمويل يتبخر… والمشروع يتلغي… والشركاء يروحوا لحالهم. والأهم من ده كله… إنك من بكرة هتبدأ تدور على شقة إيجار، لأن الفيلا دي من الليلة… بقت تحت حسرتك.
قفلت الباب، وسمعت صوت داليا وهي بتصرخ فيه في الممر، وصوت خطواته وهو بيجري نازل على السلم زي المجنون.
قعدت على الكنبة، وفتحت التابلوه، وطلعت مج القهوة.
الليل كان لسه طويل، وبكرة الساعة ٩ الصبح… كانت اللعبة الحقيقية هتجيب آخرها.