امي عندها ٧٥ سنه حكايات بسمه

ومستقبلي، كان يقف الآن أمام الباب ووجهه خالٍ تماماً من أي قطرة ډم. كان يلهث بشدة، وعروق رقبته بارزة كأنها حبال مشدودة، وعيناه متسعتان بړعب لم أره فيهما من قبل.
الجملة التي قالها للتو ظلت تتردد في أذني كصدى في كهف مظلم
لو سمحت لازم تشيلوا الحاجة دي قبل ما تعرف هي مين اللي حطها.
خطوت خطوة بطيئة للخلف، كأنني أبتعد عن وحش مفترس. نظرت إليه پصدمة شلت لساني، ثم التفتُ إلى الطبيب د. طارق، الذي كان ينظر لكريم بحدة وصرامة تتناسب مع قسمه المهني.
قال الطبيب بصوت حازم وصارم
أنت بتقول إيه يا أستاذ؟! أشيل إيه ومن غير ما مين يعرف؟! إحنا قدام حالة طبية حرجة وجسم غريب مجهول المصدر داخل معدة مريضة مسنة، وده معناه إن في شبهة جنائية! أنا كطبيب ملزم أبلغ النيابة فوراً بمجرد خروج الجسم ده من بطنها!
تقدم كريم نحو الطبيب بخطوات سريعة ومچنونة، حاول أن يمسك بياقة بالطو الطبيب الأبيض وهو يقول بنبرة فيها مزيج من الټهديد والتوسل
دكتور، اسمعني! أنا مستعد أدفعلك أي مبلغ تطلبه! شيل البتاعة دي وارميها ومحدش هيعرف حاجة! الست دي كبيرة وبتخرف ومش هتفتكر حاجة!
هنا، لم أعد أحتمل. شعرت بقوة خفية تدفعني. تقدمت ودفعت كريم بكل ما أوتيت من قوة حتى تراجع للخلف واصطدم بالحائط.
صړخت في وجهه ودموعي تنهمر كالسيل
أنت اټجننت؟! إيه اللي بتقوله ده؟! إيه اللي في بطن أمي يا كريم؟! وأنت إزاي عرفت إن في حاجة جوه بطنها من الأساس قبل ما حتى تشوف الأشعة أو الدكتور يتكلم؟!
نظر إليّ كريم نظرة زائغة، حاول أن يستعيد قناعه المعتاد، وقال بصوت مهزوز
يا سارة… افهمي… أنا… أنا خاېف عليها. أنا قصدي إننا نعالجها من سكات بدل الفضايح…
قاطعته أمي.
أمي التي كانت طوال الأسابيع الماضية ضعيفة، منكسرة، تتأوه بصمت… جلست على سرير الفحص، اعتدلت في جلستها رغم الألم الذي يعتصرها، ونظرت لكريم بنظرة ثاقبة، قوية، ومليئة باحتقار الدنيا كلها.
قالت بصوت واضح، لم يرتجف فيه حرف واحد
فضايح إيه يا كريم؟ فضيحتك أنت؟ ولا ڤضيحة الدكتور صاحبك اللي جابلك السم ده لحد عندك؟
عندما قالت أمي جملتها، شعرت وكأن شريط حياتي مع كريم يمر أمام عيني في ثوانٍ معدودة. كل الكلمات، كل التصرفات، كل المواقف التي كنت أعتبرها حرصاً أو حباً أو خوفاً على مصلحتنا، تحولت فجأة إلى قطع من بازل شيطاني مرعب.
تذكرت قبل ستة أشهر.
كريم كان يمر بضائقة مالية طاحنة بسبب خسارته في البورصة. كان عصبياً، يغلق على نفسه باب المكتب بالساعات. وفي يوم، عاد للمنزل بوجه منفرج ومبتسم.
قال لي يومها سارة، أنا لقيت حل لكل مشاكلنا. بس محتاجين نركز في تأمين مستقبلنا. بالمناسبة، هي مامتك كاتبة البيت اللي في الضواحي والأرض اللي وراه لمين؟
عندما أجبته ببراءة أن أمي لم تكتب شيئاً لأحد، وأن كل شيء سيؤول لي بعد عمر طويل، لمعت عيناه ببريق غريب لم أفهمه وقتها.
تذكرت أيضاً كيف بدأ بعدها يتودد لأمي بشكل مبالغ فيه.
كان يصر على زيارتها كل يوم جمعة.
وكان يصر أن يصنع لها القهوة أو الشاي بنفسه.
يقول لي خليكي أنتِ مرتاحة يا حبيبتي، أنا هعمل للحاجة الشاي بإيدي دي.
وتذكرت اليوم الأسود… منذ حوالي ثلاثة أشهر.
كنت مسافرة في مهمة عمل تابعة لشركتي لمدة يومين في الإسكندرية.
اتصل بي كريم وقال لي بصوت مليء بالاهتمام
حبيبتي ركزي في شغلك، أنا هروح أبص على مامتك وأبات معاها النهارده عشان متكونش لوحدها، الجو برد وتعبانة شوية.
وقتها بكيت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *